حين خرجت فتح من القاعة…
هل عرفت نفسها أخيرًا؟
تأملات في مؤتمرٍ بدا كأنه يُرتّب المستقبل…
ويؤجل الأسئلة الكبرى
في تلك الليلة…
لم تكن رام الله تبدو كمدينةٍ تعقد مؤتمرًا تنظيميًا عاديًا.
كانت أقرب إلى مسرحٍ فلسطيني كبير، تتزاحم فوق خشبته كل الشخصيات التي مرّت من تاريخ الحكاية: الفدائي القديم،...
تأملات فلسطينية في زمن النكبة المستمرة… والجيل الذي لم ينسَ
ليلٌ فلسطيني قديم…
ريحٌ خفيفة تمرّ فوق تلال الجليل،
امرأة تطفئ قنديل الكاز الأخير،
ورجل يعود متعبًا من الحقل،
بينما كانت القرى تنام مطمئنة،
كأن التاريخ لن يمرّ من هنا.
لفتا…
القسطل…
دير ياسين…
الطنطورة…
صفورية…
المالحة…
لوبية…
عين حوض…...
في الخارج…
كان طفلٌ فلسطيني يسقط برصاص مستوطنٍ قرب اللبن الشرقية.
وفي مكانٍ آخر…
كان راعٍ يركض خلف سبعمائة رأس غنم سرقها المستوطنون من تلال رام الله.
وفي غزة…
كانت الطائرات لا تزال تفتش في الركام عن ما تبقى من حياة.
وفي القدس…
كان مقام يوسف يُقتحم، والأقصى ينتظر مسيرة أعلام جديدة، بينما المخيمات...
شفي القاعة… يدخل الاسم قبل صاحبه.
في حركةٍ وُلدت من المخيمات،
ومن البنادق القديمة،
ومن أسماء الشهداء والأسرى والمنفيين،
لا يدخل أي اسم إلى القاعة بوصفه “شخصًا” فقط.
كل اسم يحمل وراءه:
تاريخًا،
وعلاقة،
وشبهة،
وخوفًا،
وأملًا أيضًا.
ولهذا…
حين بدأ الحديث عن دخول ياسر عباس إلى مؤتمر حركة فتح،...
في صباحٍ آخر من أيار…
يمرُّ الفلسطيني بجانب صورةٍ عملاقة لمرشحٍ يبتسم بثقةٍ زائدة عن حاجة الوطن.
تحت الصورة كلماتٌ كبيرة: “قائد بحجم الوطن”.
يتوقف رجلٌ عجوز قليلًا أمام العبارة.
ينظر حوله بصمت.
ثم يسأل في داخله: أيُّ وطن؟
هل هو وطنُ البحر إلى النهر؟
وطنُ القرى التي مُحيت؟
وطنُ اللاجئين الذين ما...
حين يطلب القاتل شهادة وفاة الضحية التي أبقاها حيّة لتخدمه
من النكبة إلى أوسلو…
كيف تحوّل الوطن المؤقت إلى حياةٍ مؤقتة تحت احتلال دائم
في صباحٍ يشبه كل الصباحات الفلسطينية الثقيلة…
يجلس رجلٌ عجوز قرب نافذةٍ تطلّ على شارعٍ لم يعد يشبه شيئًا من ذاكرته القديمة.
يداه المرتجفتان لا تزالان تمسكان...
حين يدخل ابنُ الرئيس إلى القاعة
هل يخاف مؤتمر فتح
من ياسر عباس…
أم من السؤال الذي يحمله؟
في القاعة… يدخل الاسم قبل صاحبه.
في حركةٍ وُلدت من المخيمات،
ومن البنادق القديمة،
ومن أسماء الشهداء والأسرى والمنفيين،
لا يدخل أي اسم إلى القاعة بوصفه “شخصًا” فقط.
كل اسم يحمل وراءه:
تاريخًا،
وعلاقة،...
غزة لم تغيّر السياسة فقط…
بل بدأت تهزّ البنية الأخلاقية للمؤسسات الثقافية الغربية نفسها.
من البندقية إلى برلين… ثم إلى كان
حين بدأت القاعات تفقد حيادها
في صباح البندقية…
لم يكن الزوّار يعرفون تمامًا ما الذي يحدث.
القوارب الصغيرة تعبر المياه كالمعتاد.
السيّاح يلتقطون الصور.
الفنانون يدخلون حدائق...
إلى أعضاء المؤتمر العام الثامن لحركة فتح
في القاعة…
كان الجميع يحمل بطاقة تعريف.
أسماء طويلة، صفات تنظيمية، ألقاب، رتب، تاريخ، صور مع القادة، ووجوه تتحرك بين الطاولات بثقة من يعرف الطريق إلى الكاميرا أكثر من الطريق إلى السؤال.
قبل بدء الجلسة بقليل…
كان العناق كثيرًا. الابتسامات كثيرة. الهمسات...
في البداية…
لم يكن أحد يريد أن يرى الصورة كاملة.
كانت القاعات مضاءة كعادتها.
السجاد الأحمر يُفرش بدقة.
الكؤوس تُرفع.
الجوائز تُسلَّم.
الكاميرات تتحرك بخفة بين الوجوه اللامعة،
كأن العالم ما زال قابلاً للترميم ببعض الموسيقى، وقليلٍ من الشعر، وخطاب افتتاحي عن “الإنسانية”.
لكن خارج القاعة…
كان هناك...
فتح أمام مرآتها الأخيرة
من مؤتمر التنظيم…
إلى سؤال المشروع الوطني بعد الإبادة
حين يصبح المؤتمر سؤالًا عن معنى الحركة…
لا عن أسماء قيادتها
في الخارج…
قبل أن تُفتح أبواب القاعة…
كانت فتح كلّها تتكلم.
قوائم تُنشر.
أسماء تُستبعد.
أسماء تُضاف.
غضب يتصاعد.
منشورات طويلة كأنها لوائح اتهام.
تهاني...
لا أحد يرى القاعة كما هي.
الأضواء مضاءة،
الكراسي مصطفّة،
الأسماء تُقرأ،
والتهاني تتدفق… كأنها نهاية حكاية.
لكن،
في مكانٍ ما خارج الإطار،
هناك ظلّ لا يدخل.
…
في الخارج،
رجلٌ لا يصرخ.
لا يحمل بيانًا،
ولا يكتب منشورًا غاضبًا.
ينظر فقط…
كأن بينه وبين الباب تاريخًا كاملًا.
يقول بهدوءٍ يشبه التعب...
تبدأ من اللحظة.
لحظة ثقيلة…
مليئة بما حدث… وما يتكشف… وما لم يعد ممكنًا تجاهله.
ثم تذهب إلى فتح…
لا كتنظيم فقط…
بل كمرآة.
مرآة… ترى فيها شكل السياسة الفلسطينية كلها.
هي لا تقول: هناك خطأ.
ولا تقول: هناك فساد.
ولا حتى تقول: هناك أزمة فقط.
هي تقول شيئًا أدق:
هناك تحوّل.
تحوّل… في وظيفة الحركة...
هذه…
امرأةٌ مرّ الزمن عبرها.
وحين نكتبها…
لا نكتب اسمًا،
نكتب طبقات من التاريخ،
من التعليم،
من التنظيم،
من المنفى،
ومن القدرة العجيبة على أن يبقى الإنسان… إنسانًا وهو في قلب كل ذلك.
ولدت في زمنٍ
لم تكن فيه فلسطين فقط تحت الانتداب،
بل كانت الفكرة نفسها… تبحث عن من يحملها.
كبرت…
ولم تختر طريقًا...
في بروكس،
صحّحوا الكلمات…
لكن في بيوتنا،
لم يتغيّر شيء.
قالوا إن المال لنا،
وأسقطوا ما كان يُقال ضدنا…
لكن الراتب، حين نزل،
بقي كما هو:
ناقصًا…
ومؤجّلًا…
وفي الذمة.
في بروكسل،
لم يكن الكلام غامضًا.
قالوا بوضوح:
أموال المقاصة هي أموال الشعب الفلسطيني.
هذه ليست جملة سياسية قابلة للتأويل.
هذا...