يحيى بركات

في شتاء عام 1983، وبعد أشهر قليلة من خروجنا من بيروت، كنت في الجزائر للمشاركة في جلسات المجلس الوطني الفلسطيني. كانت بيروت ما تزال تسكننا. كانت رائحة البارود عالقة في الذاكرة. وكانت أسماء الشهداء تمشي معنا في الممرات أكثر مما يمشي الأحياء. أما الجزائر فبدت لنا يومها كأنها الصفحة التالية في كتاب...
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات أكبر من الضمائر، خرج صوت الممثلة العالمية Angelina Jolie ليكسر شيئًا من ذلك الصمت الثقيل الذي يخيّم على غزة. لم تكن تتحدث عن السياسة بقدر ما كانت تتحدث عن الإنسان. عن طفل يبحث بين الركام عن لعبة لم تعد موجودة. عن أمّ تعدّ أبناءها كل صباح خوفًا من أن ينقص العدد مع حلول...
في كل مرة أقرأ فيها سجالاً ثقافياً فلسطينياً، أشعر أن السؤال الحقيقي لا يكون دائماً في ما قيل، بل في ما قد يتركه ذلك السجال من أثر بعد أن يهدأ الغبار. هذا ما شعرت به وأنا أتابع الجدل الدائر بين الروائي إبراهيم نصرالله وفريق فيلم "فلسطين 36" للمخرجة آن ماري جاسر. منذ اللحظة الأولى حاول كثيرون دفع...
أغلقت مقال الصديق محمد مشارقة عن انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. ووضعت المقال جانباً. ثم بقيت أحدق في النافذة. لا في المقال. ولا في الانتخابات. ولا في المجلس الوطني. بل في شيء أبعد من ذلك كله. في سؤال قديم يعود كلما ظننت أنه غادر. سؤال عمره نصف قرن. في بعض الليالي يعود الماضي مثل فيلم قديم. لا...
في السنوات الأخيرة، بدأت ألاحظ شيئًا غريبًا. ليس في نشرات الأخبار. ولا في خطابات السياسيين. ولا في البيانات التي تصدر كل يوم ثم تختفي في اليوم التالي. بل في الأحاديث الجانبية. في جلسات الأصدقاء القدامى. في مكالمات الهاتف التي تبدأ بالسؤال عن الصحة وتنتهي عند أسئلة التاريخ. وفي التعليقات التي...
تأملات فلسطينية قبل افتتاح مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي ثمة عادة قديمة تسكن وعينا الثقافي منذ زمن طويل. حين نسمع كلمة "مهرجان سينمائي دولي" تتجه أبصارنا تلقائيًا نحو الغرب. نحو مدينة أوروبية تطل على البحر. أو ساحة قديمة تزدحم بالمصورين. أو سجادة حمراء تتدفق فوقها الأسماء والنجوم والجوائز...
القارئ عندما قرأ التسريب لم يسأل أولًا: من سرّب؟ ولم يسأل: ما هي انعكاسات ذلك على أسعار النفط أو الذهب أو البورصات العالمية؟ بل سمع الجملة الأولى فقط: "أيها المجنون..." ثم جلس يتفرج. هكذا نحن البشر. نحب رؤية الأقوياء وهم يتشاجرون. نحب أن نسمع ما يُقال خلف الأبواب المغلقة. ونحب أكثر أن نكتشف أن...
في صباح هذا اليوم... عندما قرأت أن الجيش الإسرائيلي وصل إلى قلعة الشقيف... لم أرَ القلعة التي يتحدثون عنها اليوم. لم أرَ الموقع الأثري الذي يقصده السياح. ولم أرَ حجارةً قديمة تعلو تلةً في جنوب لبنان. عدت فجأة إلى زمن آخر. إلى صيفٍ آخر. إلى بيروت التي عرفتها تحت النار. إلى تلك الأيام التي كانت...
كيف نعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية دون أن نعيد إنتاج أزمتها؟ في مكانٍ ما... على رفٍ قديم نجا من الحروب أكثر مما نجا من الغبار... تنام كتب كثيرة. أوراق. ملفات. محاضر مؤتمرات. رسائل مفتوحة. مقالات. دراسات. وأسئلة مؤجلة. كلها تبدو كأنها جاءت من أزمنة مختلفة، لكنها كانت تقول الشيء نفسه بطرق...
حين خرجت السياسة من القاعة تأملات فلسطينية بعد المؤتمر الثامن… من أزمة فتح إلى سؤال المستقبل كله في رام الله… كانت القاعة ممتلئة. الأعلام الصفراء ترتفع كأنها تحاول إقناع نفسها أن الزمن ما زال زمنها. الصور القديمة معلّقة على الجدران: عرفات يبتسم من ذاكرة بعيدة، شهداء، بنادق، شعارات، وأغانٍ تعرفها...
في مكانٍ آخر من هذا العالم… حين تسقط الصواريخ، تُطفأ الأضواء. تُغلق المسارح. تُلغى المهرجانات. ويهرب الناس من الصورة إلى النجاة. أما في غزة… فمن بين الركام خرجت شاشة. ومن بين الخيام خرج مهرجان. ومن قلب الإبادة، وقف فلسطيني يحمل كاميرا ويقول للعالم: ما زلنا هنا. ليس هذا مشهدًا من فيلم سريالي… بل...
في زمنٍ امتلأت فيه الشاشات بخبراء الحياد… وبفنّانين يقيسون كلماتهم بميزان السوق والمنصّات والعقود والرعاة… يصبح للفنان الحقيقي معنى آخر تمامًا. ليس الفنان الحقيقي ذاك الذي يبكي على الضحية فقط… بل ذاك الذي يملك شجاعة النظر إلى القاتل أيضًا. في مهرجان كان… تحدّث كثيرون عن الحب. عن الحياة. عن...
في منتصف التسعينيات… حين كانت السلطة الفلسطينية تُبنى على عجل، وكانت كلمة “السلام” تُقال أكثر مما تُفهم، وجدتُ نفسي، بالصدفة تقريبًا، أمام تجربة لم أتوقعها. كان هناك برنامج اقتصادي في تلفزيون فلسطين، يُعدّه ويقدّمه أكاديمي اقتصادي من جامعة بيرزيت، لكن ظروف السفر دفعته للاعتذار عن استكمال الحلقات...
ليلٌ دافئ على شاطئ الريفييرا الفرنسية. الهواء خفيف. البحر ساكن. وأضواء “لا كروازيت” تلمع كأن العالم ما زال يعرف كيف يبدو جميلًا. سيارات سوداء طويلة تتوقف أمام قصر المهرجانات. نجوم يلوّحون للكاميرات. ضحكات خفيفة. فساتين تتحرك ببطء فوق السجادة الحمراء، كأن لا شيء يحدث خارج هذه المدينة الصغيرة...
ليس شعبًا يُنظر إليه بدونية حين يقول أحدهم إن الفلسطيني يُنظر إليه بدونية… أشعر أن التاريخ كله يلتفت فجأة نحونا ويسأل: أي فلسطيني تقصدون؟ هل تقصدون الفلسطيني الذي كان، قبل قيام دولة الاحتلال نفسها، من أكثر شعوب هذه المنطقة تعليمًا وثقافةً وحضورًا سياسيًا وفنيًا واقتصاديًا؟ فلسطين لم تكن مجرد...

هذا الملف

نصوص
129
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى