في صباح هذا اليوم...
عندما قرأت أن الجيش الإسرائيلي وصل إلى قلعة الشقيف...
لم أرَ القلعة التي يتحدثون عنها اليوم.
لم أرَ الموقع الأثري الذي يقصده السياح.
ولم أرَ حجارةً قديمة تعلو تلةً في جنوب لبنان.
عدت فجأة إلى زمن آخر.
إلى صيفٍ آخر.
إلى بيروت التي عرفتها تحت النار.
إلى تلك الأيام التي كانت...
كيف نعيد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية دون أن نعيد إنتاج أزمتها؟
في مكانٍ ما...
على رفٍ قديم نجا من الحروب أكثر مما نجا من الغبار...
تنام كتب كثيرة.
أوراق.
ملفات.
محاضر مؤتمرات.
رسائل مفتوحة.
مقالات.
دراسات.
وأسئلة مؤجلة.
كلها تبدو كأنها جاءت من أزمنة مختلفة، لكنها كانت تقول الشيء نفسه بطرق...
حين خرجت السياسة من القاعة
تأملات فلسطينية بعد المؤتمر الثامن…
من أزمة فتح
إلى سؤال المستقبل كله
في رام الله…
كانت القاعة ممتلئة.
الأعلام الصفراء ترتفع كأنها تحاول إقناع نفسها أن الزمن ما زال زمنها.
الصور القديمة معلّقة على الجدران:
عرفات يبتسم من ذاكرة بعيدة،
شهداء،
بنادق،
شعارات،
وأغانٍ تعرفها...
في مكانٍ آخر من هذا العالم…
حين تسقط الصواريخ، تُطفأ الأضواء.
تُغلق المسارح.
تُلغى المهرجانات.
ويهرب الناس من الصورة إلى النجاة.
أما في غزة…
فمن بين الركام خرجت شاشة.
ومن بين الخيام خرج مهرجان.
ومن قلب الإبادة، وقف فلسطيني يحمل كاميرا ويقول للعالم:
ما زلنا هنا.
ليس هذا مشهدًا من فيلم سريالي…
بل...
في زمنٍ امتلأت فيه الشاشات
بخبراء الحياد…
وبفنّانين يقيسون كلماتهم بميزان السوق والمنصّات والعقود والرعاة… يصبح للفنان الحقيقي معنى آخر تمامًا.
ليس الفنان الحقيقي ذاك الذي يبكي على الضحية فقط…
بل ذاك الذي يملك شجاعة النظر إلى القاتل أيضًا.
في مهرجان كان… تحدّث كثيرون عن الحب. عن الحياة. عن...
في منتصف التسعينيات…
حين كانت السلطة الفلسطينية تُبنى على عجل، وكانت كلمة “السلام” تُقال أكثر مما تُفهم، وجدتُ نفسي، بالصدفة تقريبًا، أمام تجربة لم أتوقعها.
كان هناك برنامج اقتصادي في تلفزيون فلسطين، يُعدّه ويقدّمه أكاديمي اقتصادي من جامعة بيرزيت، لكن ظروف السفر دفعته للاعتذار عن استكمال الحلقات...
ليلٌ دافئ على شاطئ الريفييرا الفرنسية.
الهواء خفيف. البحر ساكن. وأضواء “لا كروازيت” تلمع كأن العالم ما زال يعرف كيف يبدو جميلًا.
سيارات سوداء طويلة تتوقف أمام قصر المهرجانات. نجوم يلوّحون للكاميرات. ضحكات خفيفة. فساتين تتحرك ببطء فوق السجادة الحمراء، كأن لا شيء يحدث خارج هذه المدينة الصغيرة...
ليس شعبًا يُنظر إليه بدونية
حين يقول أحدهم إن الفلسطيني يُنظر إليه بدونية…
أشعر أن التاريخ كله يلتفت فجأة نحونا ويسأل:
أي فلسطيني تقصدون؟
هل تقصدون الفلسطيني الذي كان، قبل قيام دولة الاحتلال نفسها، من أكثر شعوب هذه المنطقة تعليمًا وثقافةً وحضورًا سياسيًا وفنيًا واقتصاديًا؟
فلسطين لم تكن مجرد...
حين خافت إسرائيل من صورتها
من فوز كريس راب إلى فضيحة بن غفير… شرخ جديد في الوعي الغربي
ليست كل الهزائم تأتي من الجبهة.
أحيانًا تبدأ الهزيمة من شاشة صغيرة،من لقطة لا يسيطر عليها الجنرال،من فيديو يخرج متسرعًا من هاتف وزير مأخوذ بغرور القوة،ثم يعود كرصاصة مرتدة إلى صدر الرواية التي حمت إسرائيل...
ليلٌ فلسطينيٌّ ثقيل…
ثقيلٌ إلى الحد الذي تصبح فيه نشرات الأخبار أشبه بتقارير من كوكبٍ فقدَ توازنه.
غزة تحترق.
أطفالٌ يُنتشلون من الإسمنت البارد.
أمهاتٌ يبحثن عن أسماء أبنائهن بين أكياسٍ بيضاء.
وفي الجهة الأخرى من المشهد…
قاعات مضاءة، بطاقات تصويت، مؤتمرات، انتخابات، ولغةٌ خشبية تُحاول أن تبدو...
في زمنٍ آخر…
كان يمكن للحرب أن تختبئ.
كان الجنرال يكتب روايته قبل أن يبرد الدم،
وكانت الإمبراطوريات تنتصر بالبيان العسكري،
وتخسر الشعوب مرتين:
مرة في الميدان…
ومرة في الصورة.
لكن شيئًا ما انكسر هذه المرة.
ليس في غزة فقط…
بل في عين العالم.
في غرفةٍ جامعية صغيرة في Boston…
طالبة أمريكية تضع سماعات...
في لحظاتٍ معينة من التاريخ الفلسطيني…
لا يعود المقال مقالًا.
بل يتحول إلى غرفة تشريح مفتوحة لوطنٍ كامل، تُضاء فيها الأعصاب المكشوفة دفعةً واحدة.
هذا ما فعلته د. غانية ملحيس في نصها الطويل والعميق حول المؤتمر الثامن لحركة فتح.
لم تكتب انطباعًا سياسيًا سريعًا، ولم تتعامل مع المؤتمر بوصفه حدثًا...
في الأفلام الثقيلة…
ليس أكثر ما يُرعب المشاهد هو صوت الانفجار،
بل الصمت الذي يسبقه.
ذلك الصمت الطويل الذي يجلس فيه الجميع حول الطاولة،
كلٌ يعرف ما يحدث،
وكلٌ يرى التشققات في الجدار،
لكن لا أحد يمد يده ليقول: انتبهوا… البيت ينهار.
هكذا بدا ناصر القدوة في مقابلته الأخيرة على قناة “الغد”.
ليس كرجلٍ...
ربما…
في خضم هذا الخراب كله،
وهذا الدم الذي يغمر غزة منذ السابع من أكتوبر…
يبدو الحديث عن السينما والفنون والثقافة ترفًا أمام الموت.
لكن الحقيقة…
أن ما يجري في العالم الثقافي اليوم،
ليس هامشًا للحرب.
بل واحدة من أهم جبهاتها.
من
مهرجان برلين السينمائي الدولي
إلى
بينالي البندقية
إلى
مهرجان كان...
في مكانٍ ما من هذا العالم…
كانت فتاةٌ شقراء تحمل لافتة صغيرة عن المناخ، وتجلس وحيدة أمام برلمانٍ بارد في شمال أوروبا.
لم يكن أحد يتوقع آنذاك… أن تصل تلك الفتاة يومًا إلى غزة.
ليس بالطائرة. ولا بالسفن. ولا عبر الحدود المغلقة.
بل عبر الضمير.
حين ظهرت
غريتا ثونبرغ
وهي تدعو الجامعات إلى قطع علاقاتها...