ثمة لحظة وجودية في حياة المرء- هذا المرء على الأقل- تجعله متأهباً لاعتناق أغرب المزاعم والتسليم بصحة أقل الحُجج شعبية. هذه اللحظة غالباً ما تنبثق عن واقع يتحكم بجسد المرء وعقله، بحواسه ومشاعره وبطريقة عقلنته لما يدركه حسيّاً ويشعر به.
لردح طويل من الزمن حسبت أن افتتاني بفلسفة الألماني آرثر...
كانت قراءتي الأولى لفرانز كافكا مثيرة للخيبة. كنت قد سمعت عنه الكثير وقرأت بأنه أديب كبير، رائد في السرد الحديث، سابقٌ على السوريالية وأدب اللامعقول والعبث، وعلى صمويل بيكيت وسيلين والرواية الجديدة. بل أنه سياسيٌ أيضاً صوّر لنا محنة الإنسان في ظل النظام الرأسمالي، بحسب القراءة اليسارية، ونكبة...
عصر كل يوم من صيف عام 1979، كنت أجلس قريباً من المذياع الرخيص الأحمر اللون مُنتظراً هتاف المذيعة المصريّة:
"إذاعة الشرق الأوسط من القاهرة تقدم
"بداية ونهاية"
قصة الكاتب الكبير نجيب محفوظ!"
بعد زمن قصير وجدت نفسي أمام "مكتبة نعمة" [في مدينة صور، جنوب لبنان] أحدّقُ في غلاف رواية "بداية ونهاية"...
أي أملٍ هناك لشاعر ٠كان من الممكن أن يكون الأمر أسوأ بكثير. أن يكون تجاهله شاملاً وتاماً، وكأنه لم يكن، لكن لحسن حظ توفيق صايغ كان عنده أصدقاء، ثلاثة أصدقاء بشكل خاص، حالوا دونه ووهدة النسيان: جبرا إبراهيم جبرا وسلمى الجيوسي ورياض الريس. الأخير قام بالدور لأبرز من حيث أنه نشر اعماله الشعرية...
لم أكتشف أهمية بودلير إلا بعد قراءتي أعمال الفيلسوف الألماني والتر بنيامين. كل ما كنت قد قرأته عن بودلير، باللغة العربية قبل ذلك، بما فيه ترجمة مبتسرة ومتواضعة القيمة لـ"ازهار الشرّ"، زعم بأن بودلير مهم للغاية، الرائد المدهش للشعر الحديث، بيد أن أياً من الزاعمين لم يبيّن مصدر هذه الأهمية...
لم يكن خبر وفاة تمار بن عامي مجرد سطر جديد في شريط الأخبار، بل بدا كأنه حجر صغير أُلقي في بحيرة الذاكرة العربية فأيقظ دوائر نائمة منذ زمن. برحيل المرأة التي عرفها العالم باسم "ريتا"، لا نطوي فقط صفحة من سيرة شخصية، بل نعيد فتح جرح قديم في قلب الشعر… جرح كتب عنه محمود درويش يوم كان الحب لديه يسبق...
كتبتُ عدة مرات عن قصيدة "ريتا والبندقة" ولكنني حرصت دائماً أن أتعامل معها كقصيدة، كنصّ أدبي، وليس كخلاصة لقصة الحبّ التي جمعت الشاعر في شبابه بحبيبته الإسرائيلية تمار بن عامي. كان هناك الكثير من الإشاعات حول هذه العلاقة ولكن الأهم أن درويشاً كتب قصيدتين لاحقتين عن ريتا، الأولى "ريتا .. أحبيني"،...
[رحلت تمار بن عامي، حبيبة محمود درويش الإسرائيلية والتي سمّاها ب"ريتا" في قصيدته الشهيرة "ريتا والبندقية"- هذا النص جزء من دراسة بعنوان "محمود درويش وقصيدة الحبّ"].
أن تحبّ هو أن تبوح بالحبّ، ناطقاً أو صامتاً. لا حبَّ بدون بوحٍ بالحبّ.
أن تحبّ هو أن تبوح بحبك للمحبوب. فإن لم تستطع فلأقرب...
استخدم نيتشه المطرقة وسيلة للفلسفة أولاً. ولكنه سرعان ما اكتشف بأنها بطيئة في تحقيق الغاية المرجوة فعمد إلى استخدام الديناميت. وبالديناميت نسف أركان الثقافة الغربية.
أحد الأركان التي استهدفها بقسوة بالغة هي الأخلاق السائدة خاصة تلك الإدانة التلقائية لبعض المشاعر الإنسانية الطبيعية، شأن الغضب...
كان نيتشه كارهاً لسقراط أشدَّ الكراهية. كان كارهاً لكل الفلاسفة ولكن كراهيته لسقراط وصلت حدّ الاحتفاء باعدامه. طبعاً هي بالأصل كراهية للعقلانية الأفلاطونية ومنهج الجدل المنطقي الذي أفضى بأفلاطون إلى اقصاء الشعراء من "الجمهورية" المثالية. ونكاية بأفلاطون شاء نيتشه أن يدخل الجمهورية كشاعرٍ وليس...
اعتبر الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر أن مستقبل الفلسفة- والفلسفة عنده هي التفكير والفكر- يقع في الشعر. المفكر الجديد هو الشاعر شأن هولدرن الذي تكلم على "الإقامة شعريّاً" والإقامة هنا تعني التفكير. ولكن التعويل على الشعر باعتباره السبيل الذي يتوخاه الفيلسوف لم يكن جديداً. نيتشه اعتبر نفسه شاعراً...
(2)
الفلسفة، الجسد والحركة
.
كان التفكير الفلسفي والكتابة عند نيتشه نشاطيّن متساوقيّن مع الحركة خاصة المشي الذي كان يمارسه بشكل يوميّ ولساعات عديدة. بل وحتى في السنوات الأخيرة من حياته، بعد أن استبدّ به العجز الجسماني، حيث لم يعد قادراً على الحركة دون الاستعانة بكرسيٍ متحرك، كان من الضروري أن...
أقصر أبواب كتاب ابن حزم الأندلسي، "طوق الحمامة"، بابٌ يتعلق برجل رأى جارية مجهولة الهوية في الحلم فأحبّها: "فاستقيظت وقد ذهب قلبي فيها وهمْت بها، وإني لفي أصعب حال من حبها." بل أنه ظل على حبّها لأكثر من شهر بعد مشاهدتها في ذلك الحلم.
ولكن كيف وكانت لحظة يقظته كافية لكي يدرك بأن الأمر برمته كان...
[هناك في أعمال محمود درويش ثلاث قصائد تحمل اسم ريتا. الأولى قصيدة "ريتا والبندقية" التي ظهرت عام 1967 ضمن مجموعة "آخر الليل". وهناك قصيدة "ريتا .. أحبيني" من مجموعة "العصافير تموت في الجليل" 1969. وهناك ريتا الثالثة في قصيدة "شتاء ريتا"، ضمن أهم مجموعات درويش على الإطلاق "أحد عشر كوكباً" 1992،...
ليس من المُستغربِ أبداً أن يتأثر عددٌ كبير من الفلاسفة ونقّاد الأدب بأعمال الأديب الأرجنتيني الكبير خورخي لوي بورخس. لقد كتب بورخس نصّاً من العسير على القارئ ألا يتأثر به حدّ الرغبة الفوّرية في محاكاته. سواء كانت قصة قصيرة أم مقالة- ومن الصعب، والحقّ يُقال، رسم حدودٍ تفصلّ بوضوح هذين الشكلين من...