لم يكن يعلم أن العالم، بكل وسعه، أضيق من أن يحتويه.
ارتجف.
ودّ لو يبكي.
لكن دقّات الساعة القديمة، المعلّقة خلفه على الحائط، أعادته إلى ما يشبه نقطة الصفر.
الساعة، ذات الإطار النحاسي المهترئ، لم تكن تدقّ دائمًا.
كانت تتوقف حين يغضب، وتسرع حين يشتدّ ندمه.
كأنها تعرف أكثر منه.
أُعلن عن وفاته،
لكنه لم يقرأ النعي.
قرأته زوجته وابنته،
بكيتا في صمت،
ثم طويتا الصفحة.
الغرفة كانت تشبه بيت أبيه القديم:
نفس البلاط الأبيض ذي العروق الرمادية،
نفس النافذة ذات الزجاج المكسور من طرفها،
ونفس الضوء الغائم الذي كان يتسلل في المساء، حين كان طفلًا.
وقف في منتصفها، ونادى:
– يا بُنيّتي... هذا أنا! أمامك!
لكنها لم تره.
نظرت إلى صورته على الحائط،
ثم عبرته كهواء لا يُلمس.
كأنّه لم يكن.
مرّت زوجته من بين يديه كوميض.
حاول لمسها...
يده اخترقت الضوء.
– هل هم الأموات؟... أم أنا؟
دوار اجتاحه.
الضوء تغيّر... صار باهتًا.
استدار...
رأى رجلًا يشبهه، صاح به:
– من أنت؟
لم يجب.
جلس على الكرسي، نظر إلى الأرض، ثم إلى يديه، وصاح به:
– لم تكن قدّيسًا...
قال في حدّة:
– ولا شيطانًا.
– خطاياك كثيرة.
– لماذا تنسى كل المواقف والقرارات التي أعتزّ بها؟
– هل هي تكفي؟
ظهرت امرأة تحمل جثة طفل على صدرها، بملابس رثّة.
قالت بصوت مثقوب بالحزن:
– عندما مررت بسيارتك الكبيرة... كنت ترانا؟
أجاب بحزنٍ خفيض:
– لم أكن أعمى.
ظهر شيخ بلحية رمادية، يجلس القرفصاء على الأرض.
قال بهدوء:
– سألتني عن الجنّة والنار...
ونسيتَ أنك تبنيهما بيدك كل يوم.
رفع رأسه، همس:
– إذن... لا بد من العدل.
سكت الجميع.
حتى الساعة... صمتت فجأة.
ثم دقّت دقّة واحدة... مختلفة.
قال الشيخ:
– وهل تعرف ما هو العدل؟
– أن يأخذ كلّ ذي حقّ حقَّه.
– وهل تعرف ما هو الحقّ؟
– ما يستحقه الناس.
– وهل تعرف الناس حقًّا؟!
خطت أمّه نحوه.
لكن صوتها لم يكن صوتها.
كان أعمق... كأن الأرض تتكلّم:
– عندما كنت صغيرًا، كنت تمشي خلفنا،
عيناك تلمعان، وأنت قابض على يدي...
إمتى تركت الطريق؟
– لم أترك.
الطريق هو الذي تغيّر.
– لا يا ولدي... الطريق لا يتغيّر.
من يمشي على الطريق، هو الذي يتغيّر.
اقترب الشيخ:
– الرحمة... تسبق العدل؟
سكت.
اقترب شبيهه منه، وأعطاه كتابًا قديمًا،
غلافه جلديّ متآكل، كُتب عليه: "وصايا أبيك".
فتحه بعشوائية.
قرأ بصوت خافت:
"إن قدرتَ، لا تحكم.
وإن حكمتَ، فاعدل.
وإن عدلتَ، فارحم."
للحظة، كادت الدموع تطفر من عينيه.
همس:
– جمل عظيمة... مليئة بالحكمة.
لكنه أردف بعدها، كمن يلفظ جُرمًا قديمًا:
– كتبها بخطّه الجميل... بنفس اليد التي كانت تصفعني.
علّمني الرحمة بمنتهى القسوة.
أوصاني أن أرفق، وهو لم يرفق بي يومًا.
عاد إلى الكتاب، أغلقه ببطء،
ثم تمتم:
– أنا من ورث كلّ هذا:
البيوت، الموظفين، القصر، العزبة، الشارع..
حتى الخطايا القديمة.
أدرك أنه لم يختر شيئًا.
فهو لم يختر أباه، أمَّه، أهله، زوجته، اسمه...
حتى طريقه لم يختره.
قالت أمّه:
– إذن... أبدأ من جديد؟
مدّ شبيهه يده إليه
قال بهدوء قاطع:
– أريد أن أمضي وحدي.
تلاشت الوجوه.
تراجعت الأصوات.
انكمشت الظلال.
لكن دقّات الساعة... بقيت.
في اللحظة الأخيرة،
فتح عينيه،
لم يكن متأكدًا أنه قد استيقظ...
إلا أن وجهه في المرآة...
كان يبتسم له.
بوجه أبيه... وسؤال لم يُجَب بعد.
ارتجف.
ودّ لو يبكي.
لكن دقّات الساعة القديمة، المعلّقة خلفه على الحائط، أعادته إلى ما يشبه نقطة الصفر.
الساعة، ذات الإطار النحاسي المهترئ، لم تكن تدقّ دائمًا.
كانت تتوقف حين يغضب، وتسرع حين يشتدّ ندمه.
كأنها تعرف أكثر منه.
أُعلن عن وفاته،
لكنه لم يقرأ النعي.
قرأته زوجته وابنته،
بكيتا في صمت،
ثم طويتا الصفحة.
الغرفة كانت تشبه بيت أبيه القديم:
نفس البلاط الأبيض ذي العروق الرمادية،
نفس النافذة ذات الزجاج المكسور من طرفها،
ونفس الضوء الغائم الذي كان يتسلل في المساء، حين كان طفلًا.
وقف في منتصفها، ونادى:
– يا بُنيّتي... هذا أنا! أمامك!
لكنها لم تره.
نظرت إلى صورته على الحائط،
ثم عبرته كهواء لا يُلمس.
كأنّه لم يكن.
مرّت زوجته من بين يديه كوميض.
حاول لمسها...
يده اخترقت الضوء.
– هل هم الأموات؟... أم أنا؟
دوار اجتاحه.
الضوء تغيّر... صار باهتًا.
استدار...
رأى رجلًا يشبهه، صاح به:
– من أنت؟
لم يجب.
جلس على الكرسي، نظر إلى الأرض، ثم إلى يديه، وصاح به:
– لم تكن قدّيسًا...
قال في حدّة:
– ولا شيطانًا.
– خطاياك كثيرة.
– لماذا تنسى كل المواقف والقرارات التي أعتزّ بها؟
– هل هي تكفي؟
ظهرت امرأة تحمل جثة طفل على صدرها، بملابس رثّة.
قالت بصوت مثقوب بالحزن:
– عندما مررت بسيارتك الكبيرة... كنت ترانا؟
أجاب بحزنٍ خفيض:
– لم أكن أعمى.
ظهر شيخ بلحية رمادية، يجلس القرفصاء على الأرض.
قال بهدوء:
– سألتني عن الجنّة والنار...
ونسيتَ أنك تبنيهما بيدك كل يوم.
رفع رأسه، همس:
– إذن... لا بد من العدل.
سكت الجميع.
حتى الساعة... صمتت فجأة.
ثم دقّت دقّة واحدة... مختلفة.
قال الشيخ:
– وهل تعرف ما هو العدل؟
– أن يأخذ كلّ ذي حقّ حقَّه.
– وهل تعرف ما هو الحقّ؟
– ما يستحقه الناس.
– وهل تعرف الناس حقًّا؟!
خطت أمّه نحوه.
لكن صوتها لم يكن صوتها.
كان أعمق... كأن الأرض تتكلّم:
– عندما كنت صغيرًا، كنت تمشي خلفنا،
عيناك تلمعان، وأنت قابض على يدي...
إمتى تركت الطريق؟
– لم أترك.
الطريق هو الذي تغيّر.
– لا يا ولدي... الطريق لا يتغيّر.
من يمشي على الطريق، هو الذي يتغيّر.
اقترب الشيخ:
– الرحمة... تسبق العدل؟
سكت.
اقترب شبيهه منه، وأعطاه كتابًا قديمًا،
غلافه جلديّ متآكل، كُتب عليه: "وصايا أبيك".
فتحه بعشوائية.
قرأ بصوت خافت:
"إن قدرتَ، لا تحكم.
وإن حكمتَ، فاعدل.
وإن عدلتَ، فارحم."
للحظة، كادت الدموع تطفر من عينيه.
همس:
– جمل عظيمة... مليئة بالحكمة.
لكنه أردف بعدها، كمن يلفظ جُرمًا قديمًا:
– كتبها بخطّه الجميل... بنفس اليد التي كانت تصفعني.
علّمني الرحمة بمنتهى القسوة.
أوصاني أن أرفق، وهو لم يرفق بي يومًا.
عاد إلى الكتاب، أغلقه ببطء،
ثم تمتم:
– أنا من ورث كلّ هذا:
البيوت، الموظفين، القصر، العزبة، الشارع..
حتى الخطايا القديمة.
أدرك أنه لم يختر شيئًا.
فهو لم يختر أباه، أمَّه، أهله، زوجته، اسمه...
حتى طريقه لم يختره.
قالت أمّه:
– إذن... أبدأ من جديد؟
مدّ شبيهه يده إليه
قال بهدوء قاطع:
– أريد أن أمضي وحدي.
تلاشت الوجوه.
تراجعت الأصوات.
انكمشت الظلال.
لكن دقّات الساعة... بقيت.
في اللحظة الأخيرة،
فتح عينيه،
لم يكن متأكدًا أنه قد استيقظ...
إلا أن وجهه في المرآة...
كان يبتسم له.
بوجه أبيه... وسؤال لم يُجَب بعد.