أمل الكردفاني - مسافران على الروح - قصة قصيرة

- حسنا يا أستاذ علوب..أليس هذا اسمك؟
- نعم هو كذلك...
تنحنح الرجل خلف مكتبه ومسح لحيته وهو ينظر الى علوب...وكأنه يحقق مع جاسوس:
- اقرأ لي بعضاً من مسرحيتك لو سمحت...
نهض علوب ؛ الشاب النحيل الأسمر ذو شعر خفيف ناعم يبدأ من منتصف نافوخه ويتقهقر إلى الوراء في معركة خاسرة لتغطية ما يمكن تغطيته من الجمجمة اللامعة .. علوب بائس القسمات وصاحب عينين ناعستين وجادتين في نفس الوقت ، لم يبلغ الثلاثين بعد ، ملابسه نظيفة ولكنها واضحة القدم ، وحذاؤه لم يستطع اخفاء أزليته خلف ورنيش مُسح بروحٍ إرهابية يائسة.
رفع علوب الورق وألقى بصوت جهوري:
- مدت آلهة الأولمب كؤوس دماء القرابين البشرية وقرعت نخب السر الأعظم ...
ضاقت عينا الخمسيني ذو اللحية ولكنه واصل الاستماع:
- صاحت آفروديت: زيوس.. يا رب الأرباب... إن اسخيلوس المهرطق يسخر منا في مسرحياته البربرية الضحلة...إن قدس اقداسك يهتز تحت مطارق حروفه الشريرة ، حتى يوربيدوس انتحر بأقدام العاشقة الحمراء...
لملم الخمسيني أوراقاً أمامه بعصبية وقال وهو يتظاهر بالبحث عن شيء فيها:
- هذا يكفي .. هذا يكفي يا أستاذ علوب... ضع رقمك وسنتصل بك عما قريب...
بدت خيبة الأمل واضحة على وجه علوب الذي قال بغضب مكبوت:
- وماذا لو لم تتصلوا؟
سكنت حركة الخمسيني ونظر من خلف نظارته الى علوب وقال:
- تعرف ماذا يعني هذا...
ثم بسط راحته تجاه الباب وقال:
- شكرا لك...
كان يطرده بصفاقة... ، وكان الحر في الخارج يصفع وجهه أيضاً بصفاقة. إبطاه تعرقتا وطفت منهما رائحة الحِلبة التي يكثر من شربها مخلوطة برائحة الغدد العرقية والبكتريا.

***

الزير مكسور الفوهة والماء داخله صاف وفاتر ، لكنه حلو المذاق ، تجرع علوب منه جرعات فارتفعت تفاحة عنقه وانخفضت كالتيرمومتر ، ولم ينظر الى صديقه الذي قال:
- لقد مدَّ لنا الجيران سلك كهرباء بشكل غير قانوني ، انهم طيبون وذلك شفقة بأختي التي لا تستطيع الاستذكار بعد غروب الشمس ، لكنني استفدت من ذلك أيضا... لقد استعرت لاب توب وفلاش انترنت .. ولي اسبوع كامل وأنا أخوض في عالم من المعجزات البشرية.
قال علوب بجدية:
- دعني القي نظرة على بريدي.
ولم ينتظر اجابةً بل أخذت أصابعه تعبث باضطراب بأزرار لوحة المفاتيح ، ثم تسارعت نبضاته عندما وجد الرسالة التي كان ينتظرها:
(السيد علوب المحترم...
اطلعنا على مسرحيتك المعنونة ب "بلاط الأرواح الوترية".. وهي مسرحية شيقة لكنها لا تتفق ومعايير نشرنا.. نأسف لعدم امكانية نشرها لك. مع خالص أمنياتنا لك بالتوفيق مستقبلا).
صاح بغضب:
- التافهون .. لا يفهمونني أبدا.. انهم يريدون مسرحيات تجارية تافهة مثل عقولهم .. مثل عصر الرأسمالية التوتاليتارية .. مثل عصر الاستهلاك..... العالم يزداد تفاهة...
- اهدأ اهدأ يا صديقي....
اغلق اللاب توب بحدة فصاح صديقه:
- رفقا باللاب توب فهو ليس ملكي يا أحمق.
نظر علوب الى الأفق بعينه الناعسة ثم قال:
- أيتها الفاتنة .. يا عسل الفؤاد .. ارمي بجدائلك الصفراء على أفق الزمان القاحل ، كرسومات جيزلاف الشيطانية ، فروحي تتقيح من آلام العشق الأزلي ، ومحيطات الحمرة من قدميك الصغيرتين تغتال انفاس براعم الأقحوان.
وضع صديقه صعوطا في شفته وقال:
- الله الله...شكسبير نفسه لم يقل ذلك... لكنهم حمقى يا صديقي...دعني اعطك درسا لن تنساه أبدا ... لن أضربك ولكن سأبين لك كيف تنال اعتراف العالم الساذج بك ككاتب مرموق... عليك ان تكتب بما يحقق صدمة للناس .. والصدمة لن تحدث بخطابات آلهة الاوليمب التي مضى على اندثارها الفان وخمسمائة عام . بل بما يعيشونه الآن... بروح الألم والأمل داخلهم... اصفعهم بالهراء الساخر ... وبعد أن تسلط عليك الاضواء انقلب على ماضيك لتخزيهم وتسقطهم في أعينهم...لكن بدون اعترافهم ستظل مقموعاً من الجميع... من دور النشر .. من اصحاب المسارح الخاصة ومن غباء مديري المسارح العامة ... بل ولن يسمعك الشعب حتى لو بنيت لك مسرحا في السماء...الاعترااااف اولا ... ثم القفز .. ثم الطيران...

ظل علوب ينظر الى الأفق ساهما وهو يخطب كقيصر روماني:
- ألا تشعرين يا ثيودورا يا حبيبتي بتضحياتي من اجل أن تمس يديِ كفك الصغير ... ألم تشعري حين غير عمي قوانين الامبراطورية كلها عندما رأى عينينا تطرفان بالحب ... وهأنا امبراطورٌ في مملكتك ... أبني آيا صوفيا بيميني ومدونة القوانين بيساري ... ليس حبا في العدالة ولكن لأنال عظمة في عينيك....

****

- خمس دقائق فقط لو سمحت؟
-فلتكن ساعة كاملة هذا لا يهم يا علوب يا صديقي.. هاتفي المحمول كله لك....
جاءت فتاة اثيوبية بكوبي شاي عليهما غصنا نعناع ، قال صديقه لها:
- أين الماء؟
هزت الفتاة رأسها ببطء وببطء أيضا حركت جسدها الهزيل وجاءت بقنينة ماء وكوب.
أخذ الهاتف يرن وعلوب يرشف من كوب الشاي ؛ ثم انقطع الاتصال.
- انه لا يرد .. سأحاول مرة أخرى بعد دقيقة...فلعله يكون في الصلاة او الحمام...
جلسا يشربان الشاي بالنعناع... قال صديقه للفتاة الاثيوبية:
- هل هذا شاي الشروق أم الغزالتين؟
قالت وهي تنظر اليه بخوف:
- الشروق.
سمع علوب يهمهم وهو ينتظر اجابة من الهاتف:
- أهلا علوب.. اخبارك يا صديقي...
- الأخبار عندك أنت... هل قبل رئيس التحرير نشر مسرحيتي على أجزاء في العدد الثقافي الأسبوعي...
مضت ثوان من الصمت ثم جاء الصوت:
- للأسف لم يقبل.
- لماذا؟
- أصدقك القول يا صديقي بأنه قال بأنه يعتقد أنها مسرحية مملة.
صاح علوب:
- مملة... يا له من وقح...
قال الصوت وكأنه يتعمد اغاظته:
- وقال أن لغتها غامضة وغير مفهومة...
اكفهر وجه علوب وصمت فعاد الصوت ليقول:
- اذا قال لك الناس بأن رأسك غير موجود فيجب عليك أن تتحسسه يا صديقي .. فهذا عاشر رئيس تحرير يرفض.
- الناس.. ومتى كان الناس معيارا لجودة العمل...
ارتبك الصوت وقال:
- العمل يجب أن يجاري مفاهيم الأغلبية... هكذا لن يقبلوه أبدا...ربما عليك ان تستفيد من رفضهم وتحاول تغيير اسلوبك في الكتابة المسرحية...
قال بغيظ:
- الأغلبية هي التي انتخبت هتلر رئيسا لألمانيا.... الأغلبية هي التي تقدس الأوهام .. الأغلبية لا تعني الصواب دائما...
صمت الصوت .. ثم عاد:
- حسنا سنجرب صحيفة أخرى... الى اللقاء فأنا مع نسرين الآن...
- ارسل اليها سلامي ارجوك...
- يوصل...

***

- لماذا مجدوا شكسبير اذن اذا كان تافهاً بهذا القدر؟ ولماذا مجدوا إسخيلوس إذا كان مهرطقا دعيا؟ يا دكتور حيدر اخبرني فأنت فيلسوف قبل ان تكون أديباً.
شبك حيدر أصابعه وقال بحيرة:
- لا أعرف حقيقة بماذا اجيبك... لكن ربما ارتباط شكسبير بالبلاط هو ما منحه كل تلك الشهرة.. أما اسخيلوس فربما لأنه ابلى بلاء حسنا في المعارك ضد الفرس... لكن على وجه العموم هذه هي اشكالية الأدب بشكل عام... فمفاتيح الاعتراف يجب ان تسبق جودة العمل... والاعتراف يعتمد على الحظ....لقد قال شاعرنا : والعبقرية أن تنال المجد عفوا ... دون قصد... هناك عوامل أهم من الجودة ... اهم بكثير .. منها ان يكون لك ظهر سياسي وإعلامي.. أو مال .. او حتى أن تكون جميل المُحيَّا... فالحسناوات عموما لا يتعبن في حياتهن كما تتعب القبيحات...فالابواب تتفتح أمامهن...واذا كان الخبير في القانون او الفلسفة او أي علم آخر عاطلا عن العمل فإن من يملك الدعامات الأخرى يمكن ان يصبح وزيراً حتى لو كان بصمجيا..
قال علوب بغضب:
- عالم تافه... تافهٌ وسطحي...
- نعم هو كذلك... سأحكي لك تجربتي اللطيفة ... عندما تقدمت للعمل كمقدم نشرة اخبارية في احدى الفضائيات.. كنت واثقا من مقدراتي اللغوية..دخلت وجلست أمام المدير ... وفجأة دخلت فتاتان لم تكونا جميلتين ولكنهما كانتا مهندمتين جدا... هكذا اكفهر وجه المدير وهو يدير معي اسئلة تجريمية ثم ركلني بالجزمة خلال لحظات.. فحواري معه لم يكمل بضع ثوانٍ .. ثم نهض مرحباً بالفتاتين.....بعد أيام رأيت احداهن وهي تعد وتقدم برنامجاً تافها عن الموضة.... وبعد اسابيع صارت مشهورة وافتتحت محلا للتجميل... وبعد اشهر تعرفت عليها في حفل عيد ميلاد .. وبعد اشهر تزوجتها.. وبعد اشهر اخرى تم تعييني مديراً للقناة الفضائية بعد اقالة المدير السابق... حقيقة أنا من أوصيت باقالته.. وها هو الآن يقود سيارة أجرة ويسب الحظ العاثر... لا اعرف إن كان ما حدث عدالة إلهية أم حظا محضا أم تأثير الفراشة... لكن دعني أصدقك القول .. فبعد أن تم تعييني مديرا لهذه القناة تقدم للعمل معي شباب ذوو مواهب كبيرة ، لكن الموهبة وحدها لا تكفي يا صديقي فالقناة هذه خاصة .. بقاؤها مشتغلة يعتمد على عدد الاعلانات .. والاعلانات تعتمد على عدد المشاهدين...والمشاهدون يعتمدون على برامج التسلية وليس برامج الذكاء او الفلسفة او التحليلات العميقة أو المسرحيات الجادة... الجماهير كما قال جوستاف لوبون يمتلكون معايير جماعية ساذجة وعاطفة مسطحة ... الجماهير تحتاج لمن يخبرها بالكذب وليس بالحقيقة... والكذب هو ان تعتقد الفتاة أنها اصبحت جميلة بعد ان مسحت وجهها بالزبادي ووضعت خيارتين فوق عينيها كما أخبرتها مقدمة برنامج تجميلي سخيف....هذا هو الوضع...

***

(السيد صامويل بيكيت.... تحية طيبة... ارسل لك هذه الرسالة وأنت في قبرك... إن رسالتي تتلخص في سؤال واحد... كيف انقلبت الجماهير من رفضها لمسرحياتك الى إيمانها بمسرح العبث... مسرح الفوضى... كيف كانوا يلقون بزجاجات المياه الغازية في المسرح اعتراضا على فجاجة وخواء في انتظار جودو ثم صاروا بعد ذلك يتزاحمون لمشاهدتها وهم منشدهون كما لو كانوا يشاهدون آلهتهم تتجسد أمامهم؟ ... كيف وكيف وكيف...؟؟؟).
الصق طابعا بريديا ببصاقه ثم اودع الخطاب لدى موظف البريد العجوز النحيل الذي القى به بغير اكتراث إلى رزمة من الخطابات الأخرى المتكدسة وقال بصوت تيس وليد:
- عشرون جنيها..

***

لم تكد قدماه تحمل جسده من التعب ؛ لقد أفنى سنين عمره في كتابة كان يعتقد أنها وثبة في عالم الأدب المسرحي ، لكنه الآن لم يعد يعتقد هذا ، لا يمكن أن يكون كل العالم غبياً وهو وحده الذكي.. انه نرجسي تافه ومريض ويعتقد أنه كاتب بارع...وهو في الواقع لا شيء...
- قصتك هذه مكررة يا عزيزي... انا ككاتبة انفقت كل مرتبي على نشر خواطري الشعرية ، هل ترى هذه العرجة الصغيرة في قدمي .. لقد حرمتني من اهتمام النقاد الذكور بي .. النقاد الذكور والعالم الذكوري لا يهتم بأمثالي... الذكور هم من يحددوا لنا مستقبلنا الأدبي سلبا أو ايجابا...انا لست فيمنيست .. لا ولا احب هذا الوصف ولا تلك العدوانية تجاه الرجال.. فقصائدي تمجد الرجل .. نصوصي تدور حول أحضان صدورهم القاسية الدافئة ... خشونتهم التي تخفي طفولة وجزعا سرمديا داخلهم... لا لست فيمنيست يا صديقي علوب... لكنني اتحدث من واقعنا كأديبات .. كل شيء يعتمد على عطائنا قبل أن نأخذ شيئا ...
- مامعنى هذا؟ لقد رفضوا كل ابحاث انشتاين وقالوا بأنها تفتقد للمنهجية العلمية... ثم اختطفه الامريكان فتحول لأسطورة... من سيختطفنا نحن أيضا؟
- اينشتاين اختطفوه لأنه يهودي .. لو لم يكن يهوديا لما اكترث به أحد...
وضع أصابعه النحيلة فوق رأسه نصف الاصلع وقال:
- يا إلهي... العالم ليس فيه أبطال إذن... عالمنا مزيف بأكمله... مزيف بأكمله يا عبير..
قالت:
- هذه هي الحقيقة...ليس أمامك سوى ان تعترف بها لتعرف كيف تستفيد من معطياتها....
قال:
- هل تتزوجينني يا عبير؟
نظرت له بدهشة وقالت:
- ماذا تقصد؟
امسكها من يدها وقال:
- ستكونين أنت سجاحة وأنا مسيلمة... سنتزوج ليس حبا في الزواج ولكن لنتلاعب بالعالم....انت ايتها الشاعرة المضطهدة وانا المسرحي المغمور... سنستخدم اسلحة العالم نفسها ولكن بموهبتينا معا... هل توافقين على الزواج بي....

***

- خمسون عاما مضت يا عزيزتي؟
- نعم يا علوب... خمسون عاما مضت كلمح البصر...
- وهاهو العالم تحت ايدينا...
- العالم كله تحت ايدينا يا حبيب الروح...
- نعم... كل شوارع الأرض رسمت شكل اقدامنا...
- التحية للأرض يا حبيبي... التحية للأرض... الأرض أمنا الرؤوم الشفوق...
- هذه الأرض حملت معبد الإله العظيم ... الإله الذي أدار مسرحية الوجود السوداء باقتدار...
- الذي كتب قصائده على كؤوس الزهر والخمر .. وعلى مناقير العصافير الملونة الصغيرة شدى قدس اقداسه بالسر الأعظم...
- هل تسمعين انشاد الكهنة يصدر من نوافذ المعبد المطعمة بالزمرد والياقوت والذهب....
- أسمعها يا حبيبي.. اسمعها ...
- هل تشمين رائحة القرابين الزكية تنبعث من النصب؟
- أشمها يا حبيبي أشمها...
- هل تخشعين حين تسري ذاته الهيولى داخل شرايينك؟
- أخشع كسمكة في شباك الصياد يا حبيبي.. اخشع .. اخشع...
- هل تعلمين أين حفروا مقبرتنا معا؟
- حفروها في بهو المعبد يا حبيبي وعطروا الحفرة بماء الورد وبخروها بالصندل والقرنفل والعسل والملح.
- هل تعلمين ما هو قانون الكون يا حبيبة الروح والفؤاد؟
- نعم يا حشاشة الروح الخالدة في الجسد الفاني... هي الروح سر الأسرار وقانون الكون...
- اغمضي إذن عينيك .. واحتضنيني بدفء يا نبية الشوق الى الخلاص ... ولنمجد الإله التمجيدة الأخيرة...
غمغما بصوت واهن واحد:
(تمجدت يا إلهنا في ملكوتك ... تمجدت يا إلهنا في ملكوتك... تمجدت يا إلهنا.. في .. مل .. كو ... ت ....ك).

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
180
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى