شريف رزق - لغم المشهد.. شعر

I

وَحِيدًا ، في لقطةٍ ليليَّةٍ

أخْرُجُ منْ القصِيدَةِ ؛ لأدْخُلَ

جَحِيمَهَا

مُتدثِّرًا بهوَاءِ النِّهَايَاتِ

وَمُمتلِئًا بِعُوَاءِ ذِئْبٍ دَاخِلِي

وَبِحَشْدٍ مِنْ الأيَائِلِ وَالضِّبَاعِ

على مَقرُبَةٍ مِنِّي جُثَّتِي

في نَوْبةٍ شَرسَةٍ مِنْ السُّعَالِ

تَعْبُرُهَا المَنازلُ .

II

أينَ أنْتَ الآنَ يَا جَسَدِي ؟

، أنتظِرُكَ على قارعَةِ الظَّلامِ ، وَحْدِي

بلا مَأوى أوْ رَفيفٍ

وَأشْعُرُ أنَّني مُحَاصَرٌ

، بَيْنَ ضَحِكَاتٍ مَكتُومَةٍ تتقافَزُ مِنْ حَوْلِي

، وَرَوائِحِ شوَاءْ .



III

جُثَّتِي تُلوِّحُ في العَرَاءِ

لِغَيمَةِ لا تَرَاهَا .

IV

الحَرَائقُ تنهشُ جُثَّتي

وَأنَا أُقهقِهُ في العَرَاءْ .

V

تَتَفَجَّرُ أحْجَارٌ

في كلْيتِي .

VI

قِطَّةٌ

تتمسَّحُ بعوائِي .

VII

أيَّتُهَا السَّمَاءُ :

إلى أينَ يَتَوَالى سِحَابُكِ

بالرِّفاقْ ؟ .

VIII

تَتَهَشَّمُ المَرَايا في ضلوعِي

كُلَّمَا صَاحَ طَائرْ .

IX

فَوْقَ رَأسِي سَحَابَةُ دُخَانٍ ، تَتَّقِدُ .

X

هَوَاءُ القيامَةِ

يَحْمِلُنِي إلى الأقاصِي .

XI

في الكَوَابِيْسِ

دَائمًا

وَحْدِي .

XII

وَحْدِي

وَمُمْتلِئٌ بأشْبَاهِي

، بجنَازَاتِي الَّتي لاتَنْتَهِِي

وَوجُومِ أمِّي .

XIII

كَنَمِرٍ جريْحٍ

بانْتِظَارِ كَارثةٍ قادمَةٍ لامَحَالة

أوْ قيَامَةْ .

XIV

مِثْلَ أيِّ جُثَّةٍ لِي

أتفجَّرُ في العَرَاءِ

أوْ أتَحَوَّلُ إلى نَخْلَةٍ

أوْ غَيْمَةٍ

أوْ مَقْبَرَةْ .

XV

أتشَمَّمُ الحَرَائقَ في البعِيْدِ

أشتَهِي رَائِحَتِي

وَألمَحُ جُمْجُمَتِي تُضِيءُ

وَحْدَهَا

في الفَضَاءِ

أطلِقُ النَّارَ على أشْبَاحٍ

تُشْبِهُنِي

أحْتَسِي دَمِي

وَأشْعُرُ برَغْبَةٍ عَارمَةٍ في الانْفِجَارِ

أُريدُهُ انْفِجَارًا كَوْنيًّا شَامِلاً

تَشَقَّقُ الأرْضُ مِنْهُ

وَتَخِرُّ لَهُ الجِبَالُ صَرْعَى

وَتَتَشَظَّى السَّمَاءُ

باكِيَةً

على حُطَامِ المَشْهَدِ .

أريدُهَا لقْطَةً

بَانُورَامِيَّةً

هَائِلةً

لِلْجَحِيْمِ الأرْضِي .

XVI

أُريْدُ أنْ أُنظِّفَ قدمَيَّ مِنْ الشَّوَارِعِ

عَيْنَيَّ مِنْ الرُّؤى

دَمِي مِنْ العَنَاصِرِ المَوْرُوثَةِ

ذَاكِرَتِي مِنْ الأصْدِقَاءِ .

أشْتَهِي الخُروجَ في نزهَةٍ خَلويَّةٍ

مَعَ نيتشَه ، وَرَامبو ، وَشَاجَال .

تَصْحَبُنَا فِيَلَةٌ ، وَيَنَابيعُ ، وَغِزْلانٌ ، وَمَنَازلُ ، وَقِيَانٌ .

نلتقِي ، في الطَّريقِ ، بامْرئ القيسِ ، وَبيسوَّا ، وَابْنِ عَرَبِيِّ .

نَخْلَعُ أقدامَنَا في الصَّحَاري ، وَنَمْضِي

فيُدْركُنَا النَّفَّريُّ ، على ظَهْرِ غَيْمَةٍ

نَمْضِي إلى حَانَةِ الكَلْبِ

؛ حَيْثُ في انْتِظَارِنَا سركون بولص .

وَعِنْدَ مَطْلَعِ الفَجْرِ نَدْخُلُ بَيْضَةً صَغِيْرَةً

على شَاطِئِ تُرْعَةٍ مَهْجُورَةٍ .

I

بِصَدْرِه العَاري

على الشَّاطِئِ ، وَحْدَهُ

يَسْتقبِلُ قذائفَ المَوْجِ

مقعَدٌ شَاغِرٌ ، في الغرُوبْ .

II

قِطَارٌ مُشْتَعلٌ

لا يَتَوَقَّفُ عَنْ العُوَاءِ

دَاخِلِي .

III

اليَدُ الَّتي غَادرتْنِي ، وَحَلَّقَتْ في الهَوَاءِ

هِيَ اليدُ الَّتي تَحْمِلُ الآنَ جَمْرَة .

IV

كَانُوا هُنَا

قبلَ أنْ يَصْعَدُوا إلى الفَضَاءِ

حِجَارَةً ، تُرَفْرِفُ كَالقَطَا

تتأمَّلُ الفَرَاغَ

وَتَتَفتَّتُ أمْطَارًا

تَتَلاشَى في الغِيَابْ .

V

حَمَامَةٌ تُغَادرُ بَيْضَهَا

وَتُتَابِعُ طَائرَةَ الأبَاتِشي .

VI

في الحَدِيقَةِ يَنْبُتُ لِي عُشْبٌ

وَبَعْضِي يَصِيْرُ مَاءْ .

VII

عُوَاءٌ ذِئْبٍ وَحِيْدٍ في فَلاةٍ

بِأشْعَارِي

I

الهَوَاءُ الَّذي يُرَفرِفُ على عَتبَةِ البَيْتِ

وَيُلَفْلِفُ جَسَدِي ، كُلَّمَا عُدْتُ

، يَحْمِلُ رُوحَ أمِّي .

II

يُعَاودُنِي في كُلِّ فَجْرٍ

أنينٌ غَامِضٌ ، لا أعْلَمُ مِنْ أيْنَ .

III

مقْعَدٌ فارِغٌ

على مَقرُبَةٍ مِنْ السَّريرِ الفَارغِ

في مُوَاجَهَةِ صُورَةِ أمِّي

في الحُجْرَةِ المُكْتَظَّةِ بالغِيَابِ .

IV

أحَدَ عَشَرَ عَامًا

أحْمِلُ المَجْزَرَةَ في ضلُوعِي

وَأتَبَسَّمُ للجَميعِ .

V

إلى الآنَ لمْ أغَادِرْ الحُوْتَ

؛ الَّذي الْتَقَمَنِي

، وَتَوَغَّلَ في أعْمَاقِي

، وَأنَا ابْنُ خَمْسَةِ أعْوَامٍ .

VI

ضَبَابٌ يَتَصَاعَدُ مِنْ القََصِيدَةِ

ضَبَابٌ يَتَكاثَفُ بِي .

VII

لمَاذَا يتبعُنِي هَذَا الطَّائرُ أيْنَمَا رُحْتُ ؟

، لمَاذَا يُحَدِّقُ فيَّ ، وَكُلَّمَا رَاوَغْتُهُ يَصِيْحُ ؟.

VIII

في الشُّرفَةِ البَعِيدَةِ ، المُضَاءَةِ ،

وَهِيَ تُغَنِّي ،

سَيِّدَةٌ

تَنْشرُ أعْضَائِي على حَبْلِ الغَسِيل .

IX

على مقْعَدٍ ، في الشُّرفَةِ المُطِلَّةِ على المَيْدَانِ

رَأسِي على الطَّاولةِ أمَامِي

يتأمَّلُ انْفِجَاري ، في سَيَّارَةٍ مُفخَّخَةٍ

بَيْنَمَا أُقلِّبُ في كتابِ اللا طُمَأنِيْنَةِ لفرنادو بيسوَّا .

X

كُلّ ليْلَةٍ

أُشَيِّعُ جَسَدي إلى مَثْوَاهُ الأخِيْرِ

مُزْدَحِمًا بآلامٍ لا تُعَدُّ وَلا تُحْصَى

وَأتَلاشَى

في صَوْتِ جنَازَةٍ تَتَفَجَّرُ في رَأْسِي .

XI

تَتَحَوَّلُ أعْضَائِي إلى طيورٍ

تَتَجَمَّعُ عِنْدَ قَبْرِي ، في كُلِّ مَسَاء

I

لِمَاذَا يَمُوتُ الَّذينَ أحِبُّهُمْ فَجْأةً ؟ .

II

أكْثَرُ أنْحَائِي

ذَهَبَتْ تِبَاعًا

مَعَ المَوْتَى

وَخَلَّفتْنِي

مَقْبَرَةً جَمَاعيَّةً

مُثْقَلَةَ الخُطَى .

III

على مقْعَدٍ جَانبيٍّ بالمَقْهَى

أتَابِعُ المَارَّةَ

بقلقٍ مَا .

IV

هَذِهِ أمِّي

وَهَذَا أنَا

؛ الطَّائرُ الَّذي يَتَوَقَّفُ على شُبَّاكِهَا

في كُلِّ صَبَاحِ

مُتَلعثِمًا بأغْنِيَةٍ مَا .

V

تَتَسَاقَطُ أدْمُعِي

مِنْ سَحَابَةٍ على هَيْئَتِي .

VI

دَائِمًا ، في وِحْدَتِي

تَتَحَرَّرُ أعْضَائِي

مِنْ كلِّ قيدٍ .

دَائِمًا ، في وِحْدَتِي

تَتَحَرَّكُ كائِنَاتِي

في الشّقَّةِ وَحْدَهَا .

VII

كُنْتُ دُونَ العَاشِرَةِ بقليلٍ

حِيْنَ مَاتَ الدَّرويشُ الَّذي لمْ يُعْرَفْ لَهُ أهْلٌ

وَالَّذي قَضَى حَيَاتَهُ على مَقْرُبَةٍ مِنْ المَقابِرِ

في الجَنَازَةِ حَكَمَ على المُشَيِّعينَ أنْ يَطُوفوا بِهِ كُلَّ الشَوَارِعِ

ثمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَجْرُوا بِالنَّعشِ

ثمَّ حَكَمَ أنْ يَرْقُصُوا بِهِ

وَامْتَلأتْ الجنَازَةُ بالزَّغَاريدِ وَبالتَّصفيقِ

وَلِسَاعَاتٍ ظَلُّوا يَطُوفُونَ بِهِ الشَّوارعَ

وَحِيْنَ تَعِبَ الجَمِيعُ قَادَهُمْ إلى مَقْبَرَةٍ

أقامُوا حَوْلَهَا هَذَا المَسْجِدَ ، في مَدْخَلِ المَقَابر .

VIII

– يَا أمِّي ، إنَّهُ حَيٌّ لمْ يَمُتْ

، إنَّنِي أرَاهُ في كُلِّ ليلَةٍ في المَقْبَرَةِ

، مُنْكَمِشًا بَيْنَ المَوْتَى ، وَلا يَكُفُّ عَنْ البُكَاءْ .

– المَيِّتُ لا يَرْجِعُ يَا بُنَيََّ .

– افتَحُوا ، وَانْظُرُوه يَا أمِّي ، إنَّهُ يبكِي وَحْدَهُ .

– رَحِمَهُ اللهُ يَا بُنَيَّ ، كَانَتْ رُوحُهُ فيْكَ .

– إنَّهُ يُنادِينِي يَا أمِّي ، وَيَبْكِي ، صَدِّقِينِي .

– وَهَلْ ذَهَبْتَ إليْهِ يَا شَرِيفُ ؟

– إنَّنِي خَائِفٌ يا أمِّي ، وَأصْحُو كُلَّ يومٍ عَلى بُكائِهِ

، وَنِدَائِهِ لِي .

IX

كَأنَّهُ يَتَعَثَّرُ في كابوسٍ ، في زِحَامِ الشَّارعِ الجَدِيدِ

حِيْنَمَا اسْتَوقفتْهُ سَيَّارَةٌ عَسْكريَّةٌ كَبِيرَةٌ

نَادَوهُ باسْمِهِ ، وَأصْعَدُوه إلى السَّيارَةِ ، مُضطربًا

قَالُوا : أأنْتَ أبو عادل شفيق رزق ؟

وَمُنقبِضًا نَقَّلَ عَيْنيْهِ بينَهُمْ أبِي :

– مَالَهُ ؟

رَبَّتُوا على كتِفِهِ ، وَاجِمِيْنَ :

– شِدّْ حِيلَكَ ..

لمْ يُصَدِّقْ أبِي ، انْتَفَضَ

كَشَفوا لَهُ عَنْ وَجْهِهِ وَرَآهُ

كَانَتْ المَسَاجدُ تُعلِنُ وَفَاةَ أخِي

وَالصُّرَاخُ يقتربُ مِنْ بيتِنَا كَثِيفًا

أمِّي نَظَرَتْ إليَّ نظرَةً ثقيلَةً

وَخَاطبتْنِي بِصَوْتٍ يأتِي مِنْ الأقاصِي :

– عادل أخوك ؟

X

ضَبَابٌ يَتَصَاعَدُ مِنْ مَقْبَرَةِ العَائِلَةِ

ضَبَابٌ يَرْفَعُ مَقْبَرَةَ العَائِلَةِ .

I

يَبْدَأُ يَوْمِي بِانْقِبَاضٍ غَامِضٍ .

هذا النص

ملف
شريف رزق
المشاهدات
27
آخر تحديث

نصوص في : مختارات الأنطولوجيا

أعلى