عبد القادر وساط - في ضيافة شعراء المفضليات (3) مع الشاعر المُرَقِّش الأكبر

كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلا - بتوقيت الحالمين- حين دخلتُ خيمةَ المُرَقِّش الأكبر، المضروبة في عمق الصحراء، غير بعيد عن الخيام الأخرى لشعراء المُفَضَّليات .
كان معي ذلك الصديق الذي يصر دائما على مرافقتي في الأحلام، وهو محمد بن سلّام الجُمَحي، مؤلف ( طبقات فحول الشعراء). لكن المُرَقّش الأكبر أصيب بنوبة غضب حين رآه، وطلب منه أن يغادر الخيمة دون إبطاء. و لما سألتُه عن السبب الذي جعله يَطرد ابنَ سلام، أجابني قائلا: ( أيها الأخ الحالم، هذا الشخص ليس من أبناء زمني ومع ذلك فقد عرفتُه في الحين...إنه محمد بن سَلّام الجُمَحيّ، مؤلف كتاب " طبقات فحول الشعراء"... فهل تصدق أنه لم يُشرْ إليّ في كتابه هذا، لا من قريب و لا من بعيد؟... لقد حشرَ من هبّ ودبّ في مصَنّفه الرديء وأغفلني أنا، مثلما أغفل ابنَ أخي المرقش الأصغر...)
قلتُ محاولا تهدئته: ( لا عليك يا أخي، فلئن كان ابنُ سلام قد سها عن ذكرك في كتابه، فإن المفضل الضبي قد أفرد لك مكانة كبرى في مختاراته، إذْ أثبتَ لك تسع أو عشر قصائد... كما أنه أبدى عناية خاصة بابن أخيك المرقش الأصغر...ولا تنس أن الأصمعي هو الآخر قد اختار قصيدة جميلة لابن أخيك هذا...)
فلما سمع المرقش الأكبر كلامي هدأ قليلا وأخذ يزايله الغضب، ثم أشار إلي بالجلوس وهو يتمتم بكلام لم أفهمه. ولم تمض دقائق، حتى انضم إلينا شعراء آخرون من أصحاب المفضليات، عرفتُ منهم المرقش الأصغر والحادرة وسويد بن أبي كاهل وشبيب بن البرصاء وتأبط شرا...
ولم يكد يستقر بنا المجلس، حتى ملتُ على المرقش الأكبر وقلتُ له بصوت مسموع:
- لقد اختلف الناس في اسمك، يا مرقش... فابنُ قتَيبة يقول ربيعة بن سعد بن مالك، بينما يرى البعض أنك عمرو بن سعد بن مالك...
فلما سمع تأبط شرا كلامي، انبرى يقول بنبرة ساخرة:
- وما شأنك باسمه الحقيقي، أيها الحالم؟ لو تحدثنا عن شعره لكان أفضل...
ولم يكن ثمة بد من تغيير دفة الحديث، فقلتُ للمرقش الأكبر:
- يا أخي، بلغَتْنا عنك أخبار لا يصدقها عاقل، فمن ذلك أن السبع أكل أنفك وأنت مختبئ في أحد الكهوف، ومن ذلك أن عمك أبى أن يزوجك ابنته وأنه زوجها لشخص آخر، أثناء غيابك، فلما عدتَ من السفر دَلّك على قبر من القبور وزعمَ لك أنها مدفونة فيه!
ولاحظت أنه يصغي جيدا لكلامي، دون أن يجيب، فبدا لي أنه لا يريد الخوض في تلك المواضيع، ولهذا أردفتُ قائلا:
- والمهم عندنا هو أنك أحد عشاق العرب المشهورين وواحد من الشعراء المرموقين. وكم أحبُّ داليتك على الوافر:
( سرى ليلاً خيالٌ منْ سُلَيمى = فأرَّقني و أصحابي هُجُودُ)...
وعند هذا الحد ، قاطعني شبيب بن البرصاء قائلا:
- تلك قصيدة من عيون الشعر...
ثم إنه هبَّ واقفا و شرع ينشد منها الأبيات التالية:
فبتُّ أديرُ أمْري كلَّ حال = و أرْقُبُ أهلَها و هُمُ بَعيدُ
سَكَنَّ ببَلْدة و سكنْتُ أخرى = وقُطِّعَت المَواثقُ و العُهودُ
فلما بلغ شبيب في إنشاده البيتَ التالي:
فَما بالي أفي و يُخانُ عَهْدي = وما بالي أُصادُ و لا أصيدُ؟
علت أصوات الشعراء الحاضرين استحسانا لهذا البيت الرائع، وطالب تأبط شرا بالنداء على إحدى المغنيات حتى نسمع أداءها لهذه القصيدة الرائعة وللبيت الأخير بكيفية خاصة...
وهنا مال عليّ المرقش الأكبر وقال :
- ليت صديقك ابن سلام كان حاضرا معنا الآن...
والحق أني كنتُ قد نسيتُ ابنَ سلام، فلما سمعتُ ما قاله المرقش، قررتُ أن أخرج لأبحث عنه حول الخيام ...
لكن الحلم كان قد بلغ نهايتَه في تلك اللحظة بالذات....

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى