ميخائيل نعيمه

للروزنامة على الناس سلطان لا يُعانَد . وكذلك للعادات والتقاليد . ففي هذا اليوم من كلّ سنة تفرض الروزنامة على جانب كبير من سكان هذه المعمورة أن يطووا عاماً وينشروا عاماً . وتفرض العادات والتقاليد أن يستقبلوا العام الجديد بالكثير من الهرج والمرج ، وبالتهاني المعسولة ، والتمنيات الطيبة ، مشفوعة...
سألَتْه زوجته عند مغادرة البيت في ذلك الصباح إلى مقرّ عمله أن يأتيها في المساء بليرة إنكليزيّة ذهبيّة لتقدمها هديّة إلى ابنتهما الوحيدة في عيد ميلادها . وكان ذلك اليوم يوم مولدها الثاني عشر . فاغتبط الوالد بفكرة الوالدة ووعدها خيراً . وعند العصر عادت الصبية من مدرستها وفي وجهها الحلو ما ينمّ عن...
أنت الإنسانيَّة بكاملها. أنت ألِفُها وياؤها. منك تتفجر ينابيعها، وإليك تجري، وفيك تصبُّ. أنت حاكمها ومحكومها، وظالمها ومظلومها، وهادمها ومهدومها. أنت واهبها وموهوبها، وناكبها ومنكوبها، وصالبها ومصلوبها. أنت فقيرها وغنيُّها، وضعيفها وقويُّها، وظاهرها وخفيُّها. أنت جلاَّدها ومجلودها، وناقدها...
دموعُ العين قد جمدتْ ، وريح الفكر قد همدتْ ، فلِمْ ، يا قلبُ ، لِمْ يا قلبُ فيك النّار في لهبٍ وكنت أظنُّها خمدت ؟ ربيع العمر مذ ذهبا وريق الحبّ مذ نضبا ، أفقتَ ، وكنتَ يا قلبي بلا سمعٍ ولا بصرٍ كصخرٍ في الحشا رسبا فكم من مرّة هجما عليكَ الحبُّ فانهزما وكم ، كم قد جثا قلب أمامك حاملاً أملا فراح...
أيَّتها الكلمة! علَّمْتِني النطق، فنطقت. وعلَّمْتِني الكتابة، فكتبت. وكان ما نطقتُ به عوالمَ من السحر والسرِّ. وكان ما كتبتُه دنيواتٍ من الرموز والألغاز. ولو لم تكن لي قابليَّةُ النطق والكتابة لَما نطقتُ وكتبت. ولو لم تكن لي القابليَّةُ لفهم ما أنطق به وأكتبه لَما خُيِّل إليَّ أنَّني أفهمه...
ماتت التي ولدتني ، والموت يطوي الكلّ حتى الوالدات . ماتت وفي لحمي وعظمي ودمي بقايا حيّة من لحمها ومن عظمها ومن دمها ، وفي القلب من أنباضها أنباض ، وفي الصّدر من أنفاسها أنفاس . أما كُوّنتُ جسماً حيّاً في جسمها ومن جسمها الحيّ ؟ فكأنّ بعضي مات بموتها . وكأن بعضها ما يزال حيّاً في حياتي . فكلانا...
يتكلّم الكثير من الناس عن الحقّ والقوّة كما لو كانا في تنافس أبدي على السلطان في الأرض . فآناً يصرع الحقّ القوّة . وآونة تصرع القوّةُ الحقّ . وحتى اليوم ما ظفر جانب من الجانبين ظفراً لا غبار عليه ولا خذلان بعده . فالحرب بينهما أبداً سجال . وهنالك الذين يجعلون من الحقّ وصيفة للقوّة أوظلّاً...
دموعُ العين قد جمدتْ ، وريح الفكر قد همدتْ ، فلِمْ ، يا قلبُ ، لِمْ يا قلبُ فيك النّار في لهبٍ وكنت أظنُّها خمدت ؟ ربيع العمر مذ ذهبا وريق الحبّ مذ نضبا ، أفقتَ ، وكنتَ يا قلبي بلا سمعٍ ولا بصرٍ كصخرٍ في الحشا رسبا فكم من مرّة هجما عليكَ الحبُّ فانهزما وكم ، كم قد جثا قلب أمامك حاملاً أملا فراح...
هذه أُمورٌ تُحَسُّ ولا تُوصَف . حقّاً إنَّ حرفتي يا سَـيِّـدي أيُّـوب هي أعجَبُ حرْفة ، إنَّها حرْفةُ المَسكونَة بأسرها . أنتَ تَنسج باستمرار . أنا أنسجُ باستمرار . كلّ ما في الكون ينسج باستمرار ، في اللَّيل وفي النَّهار . عن وعي وعن غير وعي . حياتنا حياكة دائمَة يا سَيِّدي . وبتَداخَل النَّسيج...
رفع رئيس التحرير سماعة التلفون بيد مكهربة بالغضب . فقد كان منذ ساعتين يحاول كتابة مقال يدعم فيه مرشح حزبه في الانتخابات الجارية فما ينقاد له القلم . وكان قد مزّق الورقة العاشرة عندما رنّ جرس التلفون للمرّة العشرين . فتمنّى لو كانت السمّاعة في يده حجراً يهوي به على رأس الذي جاء يزعجه ويشوّش عليه...
علّمتني جدّتي في صغري أن أكره الغراب . أولاً لسواده الشبيه بالحداد . وثانياً لتنعابه المنذر بالبين . وثالثاً لأنّه خان سيدنا نوحاً ــ عليه السلام ــ يوم أطلقه في الفُلك ليأتيه بخبر عن الطوفان فلم يرجع . غير أني ما كرهت الغراب لسواده وتنعابه وخيانته قدر ما كرهته لأنّه ــ على زعم جدتي رحمها الله...
غــداً أردُّ هـبـاتِ الـنـاس للنـاس وعن غناهمُ أســتغني بإفلاســـي وأســـتردّ رهـونـاً لي بـذمّـتــهــم فقد رهنت لهم فكري وإحسـاسـي ورحت أتجر في أسواق كســبهـم فما كسبت ســوى همٍ ووســــواسِ وكـم فتحـتُ لهـم قلبـي فمـا لـبثـوا أن نصّبوا بَعْلهم في قدس أقداسـي غــداً أُعـيـد بـقـايــا الـطين...
ما نسيتُ لحظةً حبَس فيها العالم أنفاسه لدن أذيع عليه نبأ فتاة انطلقت وحدها في سفينة فضائية لتدور حول الأرض بضعة أيّام ، لا بضع ساعات . لقد كانت أوّل فتاة تخترق جوّ الأرض إلى الفضاء الخارجي حيث لا جبال ولا بحار ، ولا مروج ولا قفار ، ولا قرى ولا مدن ، ولا دروب ولا شعاب ، ولا أيّ أثر لنبات أو حيوان...
أيّها الرفيق الحبيب ! ما أفصحك ساكتاً ، وأعياني متكلماً ! وما أحراك بالوعظ وأحراني بالصمت والإصغاء ! لست أبكيك ، لأنك حيث أنت في غنى عن الدموع . فأنت حيّ في وجداني كما أنّك حي في وجدان البقاء . وإن يكن في عيني دموع فأنا أحق بها منك . لأنّك قد تجرّدت من شهواتك . أمّا أنا فلا أزال في مهبّ شهواتي...
أيّها الرفيق الحبيب ! ما أفصحك ساكتاً ، وأعياني متكلماً ! وما أحراك بالوعظ وأحراني بالصمت والإصغاء ! لست أبكيك ، لأنك حيث أنت في غنى عن الدموع . فأنت حيّ في وجداني كما أنّك حي في وجدان البقاء . وإن يكن في عيني دموع فأنا أحق بها منك . لأنّك قد تجرّدت من شهواتك . أمّا أنا فلا أزال في مهبّ شهواتي...

هذا الملف

نصوص
18
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى