علي السباعي - رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام

– كلكامش لا تعرض. انك لمن الخاسرين، واقصص ما جرى لك في دار السلام على الناس، لكل الناس.

– انا الشاطر كلكامش اني لمن الخاسرين سأقص عليكم مارأيت وما شعرت به تماماً كما رأيته وشعرت به، انه حدث بالطريقة التي اقصها عليكم:

لقد كنت من الخائبين، كنت خائباً في كل شيء، انا خائب حتى في العاب البنات، اذ كانت بنات محلتنا يتفوقن عليّ في كل العابهن، اه كم كنت خائباً ولحد الان مازلت خائباً، خائب انا في كل شيء وكما تعلمون الناس لا تريد العصفور الذي يزقزق بل تريد الاسد الذي يزأر وبالنسبة لي انفقت وقتي كله عصفوراً لا يزقزق، كثيراً ما حاولت في حياتي بلوغ النجاح، النجاح في اقتناص فرصة لتغيير نمط عيشتي ولكن فشلت في ادراك الطريقة الوحيدة التي توصلني الى ذلك الا وهي الخروج من طوق الدعة والراحة. وقد اتبعت حكمة ابناء قريتي \” الطائر الذي يلوذ بعشه لا خطر عليه من الصياد \” ولاول مرة خالفت حكمتي وقصدت مدينة السلام واعلموا انا بطبيعتي حمار، حمار لانني اتعثر بالاشياء ذاتها مرتين ولقد انفقت جل وقتي وان في رد الفعل ولم اكن ابداً فعلاً.

نحن في نهاية عام القرد ، وسندخل في سنة الارملة، وقلما تتشكل النجوم في برجي برج الجوزاء على نحوٍ ايجابي كما هو عليه حالياً، فالمريخ والمشتري يتحدان ليبعثا في نفسي الشجاعة انا الشاطر كلكامش، كانت غلطتي بألف حاولت ان احيط نفسي بالمجد مثل ايروسترات اذ دمر احدى عجائب الدنيا السبع بأحراقه معبد دلفي في اثينا كي يخلد اسمه!

فكانت لوعتي على نفسي مثل لوعة الشموع وهي تنير الزوراء اول ما يفعله المرء في بغداد شراء الكتب، قمت بشراء كتب كثيرة بعد تجوالي الطويل في مكتباتها ورزمتهن في كيس بلاستيكي اصفر، صارت الرزمة اشبه بصندوق والصندوق داخل كيس بلاستيكي، كنت انوء بحمل كتبي الثقيلات فرحاً، احملهن مسروراً بعدها حاولت الاستمتاع في هذا الجو المنعش بمنظر نصب الحرية وبعدها اعرج على حديقة الملك غازي سابقاً وحالياً حديقة الامة بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام ثمانية وخمسين وتسع مئة بعد الالف لاشاهد تحفة خالد الرحال تمثال الأم وبعدها اتطلع الى رائعة فائق حسن محاولة مني لتذكر ايام دراستي في معهد الفنون الجميلة وانا في طريقي لمرآب النهضة استعداداً لمغادرة بغداد كان الجو ينبي بالمطر كنت احب المطر فرائحة المطر تذكرني برائحة من احب، زليخة، كان شتاءً ممطراً خصباً وكان نهاري نهاراً وردياً جديداً نهضت دار السلام على مثله من قبل، هكذا بدأ الامر في مدينة السلام لم يكن يوماً ربيعياً استثنائياً بل كان يوماً شتائياً لم يكن خياري استمرار الرقابة رقابتي في يومي هذا امرٌ محتوم الا انني كسرته بالسير والتطلع الى نصب الحرية وجدارية فائق حسن بينما تغذ الشمس مسيرتها نحو نهاية الاخرى من يومي كان نهاري ممتعاً جداً في بغداد جاء في كتاب (بغداد مدينة السلام) لابن الفقيه الهمداني ان المفكر والفيلسوف احمد بن الطيب السرخسي احد تلامذة الكندي ذكر في كتاب له بغداد : (( انها مدينة العلم، شريفة المكان، كثيرة الاهل، واسعة الشكل، بعيدة القطر، جليلة الولاية، نبيهة السلطان، ينبوع الادب ومنبت الحكم، اهلها برد الافاق وخطباء البلاد، مافعل فيها من خير فمشهود وما اعلن فيها من شرً فمستور، منها الفقهاء والقضاة والامراء والولاة، اعتاد الخلافة ودار اهل الدعوة، وان لها جنساً من السعادة، ولاهلها نوع من الرياسة، وذلك انه قلما اجتمع اتنان متشاكلان، وكان احدهما بغدادياً، الا كان هو المتقدم في لطف الفطنة، وحسن الحيلة، لين المعاملة، جميل المعشر، حلو اللفظ ، فليح الحركات، طريف الشمائل)).

بدأت الشمس ، شمس الزرواء اليوم علية ومتعبة كان الجو فيها يتراوح بين ساعتها من خفيف ذي لون اصفر مشرق الى خفيف ذي لون اسود غامق، السماء مرشوشة بغيوم بنية بلون الطين، غيوم رصاصية ، وغيوم حمر، تلك كانت سماء بغداد اذ احتشدت فيها الغيوم مؤثثة بحشود المطر، ستمطر مطراً مترعاً بشقائق النعمان، تلك هي سماء دار السلام، بينما اسير فيها مثل سير عقرب الساعة في ساحة التحرير، امام نصب الحرية وقفت اتطلع خاشعاً ومبهوراً كمن يشاهد نصب الحرية لاول مرة في حياته موجودات النصب كانت بلون سحنتنا سمرتنا بلون طيننا من قبل كنت اتصور ان اللون يتحلل بالموشور ولانها مشغولات جواد سليم ومفردات جداريته، فعلمت ان اللون يتأتى وينبثق من الطين ذلك الخلق الهائل حيث خلق منه الانسان : (( انا خلقناه من طين لازب )) فتذكرت اليوم الذي مات فيه استاذي جواد سليم وانا بعد طالب في معهد الفنون الجميلة كان الجو فيها مثل هذا الجو الان اصفر معتم الى خفيف ذي لون بني لذيذ كان يتقدم المشيعين الشاعر الكبير خالد الرحال يبكي وبقوة سار المشيعون من منزل المرحوم في الوزيرية مروراً بالكسرة ومن امام معهدنا قلت مخاطباً نصب الحرية واعني جواد سليم:

– اذا عدت للحياة الان ماذا ستبدع؟

فتذكرت ما قرأته ذات يوم ، يوم زار ضابط الماني الفنان بيكاسو ايام الحرب العالمية الثانية في منزله يوم كانت المانيا تحتل فرنسا، نظر الضابط الالماني للوحة الــ ((جيرنيكا)) فاعجب بها الضابط الالماني ايما اعجاب، فقال لبابلو بيكاسو:

– احسنت صنع الــ ((جيرنيكا)) ياسيد بيكاسو.

اجابه بيكاسو بذكاء:

– لم اصنعها يا سيدي الضابط بل انتم الذين قد صنعتمونها.

كنت منذهلاً ماذا لو استفاق جواد سليم من رقدته الابدية؟ ماذا سيبدع في حياتنا الان؟ شاهدت سيارة همفي فوقها جندي امريكي صوب فوهة قناصته الى صدري فوق القلب فأكتشفت بأنني اكبر مغفل على وجه الارض اعيش كالنعامة . مثل النعامة كنت نعامة تدفن رأسها الصغير في الرمال ، فتظن انها بمنآى عن الخطر خطر الاخرين والاخرون هم الخطر، واذا بي مكشوف امام اذى الاخرين، والاخرون هم الاذى والخطر يداهمني من كل مكان يحيط بي ويترصدني. كنت نعامة تدفن رأسها الصغير توهم نفسها بأني في مأمن. قلبي يؤلمني. يؤلمني حين ارى امامي الجندي الامريكي من الفرقة الرابعة مدرعات يقف هو الاخر امام نصب الحرية في دار السلام مصوباً فوهة قناصته ذات الشعاع الليزري الاحمر فوق قلبي انه قدرنا ان نعيش حروباً لانهاية لها استدرت فأعطيت ظهري للجندي الامريكي على طريقة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال، رمال السلام ، فتذكرت مقطعاً شعرياً لشاعر سومري اسمه (( دنجي رامو)) رحت اردده انشده وانا اتفحص تفاصيل نصب الحرية، حتى كأن ما قاله قبل خمسة الاف سنة هو نفسه ما يقوله شعراء العراق اليوم، فأي دوامة لعينةٍ لم يبرأ منها هذا الوطن:

وا حسرتاه على ما اصاب \” لكش \”

وكنوزها

ما اشد ما يعاني الاطفال من البؤس

اي مدينتي

متى تستبدلين الوحشة بالفرح؟

امس، واليوم اطل الصباح البنفسجي نفسه، بنفسجي خالص مطلي بلون الزعفران وهدوء غريب يسود ساحة التحرير مازلتُ اعطي ظهري للجندي الامريكي معها ارتفعت نبضات قلبي احس به وكأنه يكاد ان يتوقف، انه قد توقف. اجل! يكاد ان يتوقف، فأبصرت لون السماء: كان بنفسجياً خالصاً وتارة ليلكاً او زعفرانياً مفرطاً في الجاذبية وكان الفضاء ايضاً بنفسجياً مائلاً الى الليلكي الجميل، يزداد انفراجاً حتى يتسع فينداح ، ينداح فيتسع ثم يتسع حتى يحل اول الضحى ، كان نهاراً زعفرانياً بأناقة باردة، وتحد بارد، وعقرب ساعتي يهرول مسرعاً ناحية الضحى ، ضحى هذا اليوم ببريق قصف الرعد الجاف، شعرت انني ازداد توتراً بدأت يداي بالارتجاف لزمن قصير، صمت فتوقفت ثم واصلت سيري ناحية حديقة الامة حالياً، وحديقة الملك غازي سابقاً ، تلك الحديقة التي غير اسمها مرتين مرة غير اسمها منذ ثورة الرابع عشر من شهر تموز سنة ثمان وخمسين وتسع مئة بعد الالف، وتغيرت معالمها بعد الخراب والتدمير عقب احداث عام الفين وثلاثة . ضوء الشمس مازال بنفسجياً ساطعاً من خلف غيوم زعفرانية قلت بما يشبه الاحتجاج:

– كيف هي الحياة يا ايها الشاطر كلكامش؟

ازداد اشتعال حتى صار بارقاً غزيراً كثير البرق، والسماء التي شطرها الى نصفين مكفهرة مبللة، منفرة وثقيلة ذات لون ازرق رمادي كلون حمامة اورفلية.

اصطبغت الاشياء كلها بلون الزعفران، معالم حديقة الامة ونافورةالبط والناس وتمثال الام والشجر والموجودات تلونت رؤوسها بالازرق الممزوج بالوردي المائل الى الليلكي، رحت اصغي الى ضربات الخوف التي اخذت تحتلي ولا يزال الخوف يسكنني ، فعلمت لحظتها ان الموت بشكل عام يجعلها اكثر يقظة لنبض الحياة وانا رجل يعيش على معتقدات قلبه وقناعاته تحت شمس ضحى الجمعة، غرة ضحى الجمعة كانت ساحة الطيران ضاجة مثلنا كالحة، والناس في الساحة يحثون الخطى مقتربين من بعضهم البعض ومبتعدين عن بعضهم البعض.

ما اروعك يا دار السلام وصلت مكان اصطفاف سيارات النهضة، لا احد في سيارة الكيا الا السائق خارجها ينادي: نهضة .. نهضة. صعدت السيارة بيدي كنزي الثمين: كتبي، داعبت مسامعي انشودة الهام المدفعي الجميلة جداً والمحببة الى قلبي : موطني .. موطني .. موطني. وضعت كيس كتبي الاصفر على المقعد الذي خلف السائق مباشرة بانتظار مجيء الاخرين القاصدين مرآب النهضة، في مثل هذا الوقت وقبل خروج الموظفين من اماكن عملهم يكون عدد الركاب قليلاً وكون اغلب عامة الناس من الكسبة في اعمالهم، والاغلب الاعم من الناس يتبضعون في مثل هذا الوقت، رحت انتظر ، طال انتظاري فترجلت من سيارة الكيا واجهتني مهيبة شامخة رائعة للفنان الكبير المرحوم فائق حسن، رحت اتأملها ، العمال الذاهبون للعمل والفلاحون الذاهبون للحقل، القفص مفتوح والطيور المتحررة بيد زليخة . اهٍ يا زليخة ياللاسى في تلك البارحة القديمة قادتني الحرب من ياقتي، ياقت قميصي المدني بعيداً عن زليخة ، زليخة التي احب كنت غض العود شاباً ارتديت الخاكي وهناك، هناك فقط في الحرب في جبهة القتال اثناء المنازلة واشتداد القصف تعود احزاني الى الناصرية، وملامحي السومرية التي تتجعد كالحمامة الاورفلية تعودان الى زليخة، لان زليخة التي اعشق كانت بداخلي حية، حية زليخة تنبض حلوة سمراء كنخلة عراقية لها عينا سوداوان واسعتان مثل شبعاد شابة ابداً تعزف على قيثارة قلبي، كانت زليخة شبعاد شابة ابداً مثل حياتي التي سرقتها الحروب.

وصلت امام جدارية استاذي فائق حسن انحنيت بكل قامتي لها ، انحنيت فتذكرت ذات يوم حينما كنت في النمسا وانا اتجول في احد شوارع فينا القديمة كان الجو بنياً مشوباً بالصفرة مر موكب امبراطور النمسا فتوقف كل من في الشارع، جاء وقوفي لتحية الامبراطور قرب بتهوفن، كان بتهوفن واقفا على الرصيف وانا بجانبة، الحظه بطرف عينّي السومريتين مسروراً، مر موكب الامبراطور من امامنا رفع الناس قبعاتهم احتراماً للامبراطور كما هي عادتهم للتعبير عن احترامهم للشخصيات السياسية والاجتماعية الكبيرة، مثلهم انا فعلت رفعت قبعتي انا عربي. لكن بتهوفن لم يرفع قبعته وبقي متوتراً عند مرور موكب الامبراطور التفت رجل واقف الى جانبه، وقال لبتهوفن:-

– ياسيد بتهوفن. لماذا لاترفع قبعتك احتراماً للامبراطور؟ اجابه بتهوفن باعتزاز:-

– اسمع ياهذا اذا مات الامبراطور فهناك الف رجل يستطيع كل واحد منهم ان يكون امبراطور. لكن اذا مات بتهوفن فمن يستطيع ان يخلفه من ابناء الجنس البشري في الموسيقى؟ فتساءلت في نفسي من سيخلف جواد سليم، فائق حسن، خالد الرحال، ومحمد مهدي الجواهري، بدر شاكر السياب، محمود بريكان، بلفد الحيدري، غائب طعمه فرمان، محمود جنداري، مهدي عيسى الصقر، وجليل القيسي في صورة الفنان الحقيقي؟ من؟ وقفت وجدارية فائق حسن مواجهين للحياة لاتجاه شروق الشمس، بعد شروقها، الشمس التي لمست بعد شروقها رأسينا، اعلى الجدارية، وراسي، وانزلقت على جسدينا: جسد الجدارية، وجسدي ثم التقت علينا لمعانها البهيج مثل بساط لامع تحت اقدامنا حقا كنت مبهورا ومبتهجا بتلك الرسومات ذوات الالوان الجميلة التي ابدعتها انامل فائق حسن، رغم الجو المنبي بالمطر ارتجفت خشوعا، انخلع قلبي من مكانه، نظرت وتلفت بشدة حولي، عاودت الالتفات بريبة وقلق كبيرين، كانت ساحة الطيران صامتة خالية الامن صوت الهام المدفعي واياي، وقف الناس بعيدين جدا قرب قواعد تماثيل ثورة مايس نظرت اليهم بقلق، وكان سائق سيارة الكيا التي حجزت فيها كان اكثرهم اصرارا وانفعالا على مناداتي، في البدء لم افهم الامر جيدا، ولم افسر حركاتهم ونداءاتهم التي تدعوني للقدوم ناحيتهم، فانا حمار بطبيعتي، المهم، فقد بدا الامر طبيعيا بل اكثر من الطبيعي، طبيعي جدا، طبيعي كمعرفتي تفاصيل وجهي، لم يكن الامر غريبا ان يناديني الاخرون، وليس بامكاني ان اخمّن سر اصرارهم على مناداتي، رايتهم مصرين على ان اكون بقربهم ان اذهب حيث هم، حثثت الخطى نحوهم بعد ان غادرت روحي بلادها، مشيت بمشي ازدادت التساؤلات، سالتهم بصوت تخالطة رعشة واضحة:-

– ماذا هناك؟

صمت الناس، صمتا مجبرين عليه، تغيرت معه الوانهم، الوان وجوههم كان خوفهم اسطوريا بينما كان الناس يتصورون بلادتي مشاكسة صبيانية، قال سائق الكيا محتّداً وبعصبية واضحة جدا حد الصراخ علي وعيناه جاحظتان في وجهي، ووجهه يستعير صفرة وجوة الناس الخائفين قربة، صرخ:-

– هناك عبوة ناسفة في سيارتي!!!

قالها وقد بانت طبقة بيضاء في زاوية فمة وهو يشير باصبعه الغليظ طويل الاظفر الى سيارته، الاطفال المشاكسون مرعوبون من حديث العبوة الناسفة، حديث الموت كانت راحات ايدي المشاكسين الصغار تجفف خوفهم في عيونهم قبل خوفهم في وجوههم لازالت غارقة في ما صنعت، فيما يجري وجدارية فائق حسن تنطلق منها طيور الحرية الى الخلف حيث تمثال الام الى الوراء حيث نصب الحرية، اعاد السائق ماقاله عليه ثانية:- رأيت العبوة الناسفة في سيارتي موضوعة خلف مقعدي مباشرة. التفت خلفي، ناحية سيارة الكيا، تقع عيناي على زليخة المراة المياسة التي حررت الطيور من جدارية فائق حسن، تبتسم المياسة تضحك ضحكاً مسموعاً تنشر موسيقاه في اذني، كنت اسمعها ابتسمت، تركتهم مغادراً تجمعهم لاجلب كتبي، كنزي، وانا اضحك بفرح طفولي مشاكس، شككت ان قطرات من المطر بدات تتساقط، ابتعدت عن حشد الناس قليلا، وقطرات المطر تقذفني الحمائم البيض تحلق عاليا، بعيدا، بعيداً جداً، عالم غريب قد داهمني، ابتعادي وضحكي ازادا غضب الناس امسكوني عنوه وبقوة محاولين منعي من الذهاب، وكسر عزمي، الحمائم البيض والغيوم مع الحمائم ذوات اللونين الازرق والرمادي تضرب سماء بغداد، انكسرت نظراتي، سالت نظراتي من جدارية فائق حسن على الاسفلت المترب على ساحة الطيران، وتجمدت عند حذائي، تساقطت فجاة قطرات من المطر محدثة صوتا عاليا، كان الشتاء مدرار المطر، رفعت راسي ولمحت تلك الاضاءة النادرة التي برقت على محيا الناس رغم الخوف، حدث استنفار كامل، استنفرت عيونهم وجذور قلوبهم، وهناك في الشرق امامي بدا شق وردي ضيق يقسم السماء نصفين وعلى جانبه كانت الغيوم الرمادية تمرح بجذل، فكانت السماء(القت مافيها وتخلت) فكان بالفعل شتاء كريما ومدرار المطر، فقلت ببلادة:-

– اتقصد الكيس الاصفر البلاستيك الكبير؟

اجاب بنفاد صبر:- نعم

قالها بشدة ونفاد صبر، فكررت عليه سؤالي ثانية وبكل برود وبلادة غليظتين:-

– اتعني الكيس البلاستيكي الاصفر الكبير الذي خلف مقعدك؟ يرفع صوته وعجب كبير يلتمع في عينيه اللوزتيين، وخداه الذان عدا بلون الطين. لكن نبرة العجب واضحة في صوتة يصرخ بعنف وهيجان:- نعم. نعم.

سحبني من ذراعي اليسرى، لم اعارضة، لم اساله ثانية عسى ان يفصح عن غضبه وعلام هو غاضب، امسك بخانقي وراح يخنقني بقوة يخنقني كانت اصابع يدية قوية غليظة متسخة ويضغط بقوة، بقوة.

ينظر السائق بعيني بحدة وقد تغيرت سحنة وجهي كثيرا لم افكر بسقوط المطر، سقط المطر فلم اكترث لسقوطة، لقد افسدوا علي استنشاق رائحة جسد زليخة حبيبتي مع رائحة المطر، شاهدت طيور فائق حسن السجينة وهي تغادر قفصها وتغني اغنية الحرية، طار قلبي هلعن حين اقتربت منه، الجميع ينظرون اليه والي مندهشين، كان يريد ان يميتني لبلادي، ان يهشم راسي الغبي ليسفح دمي فوق ساحة الطيران فوق بقايا قواعد المسروقة لقادة ثورة مايس، فوق جدران فائق حسن فوق الناس حتى تصبغ دار السلام كلها بدم الاحمر القاني، اللون الاحمر هو الملائم الان. الموضة اليوم لون الدم الاحمر كل شئ يفضح دمنا الاحمر تدخل الناس لتهدئتة معها قل انتفاخ ادراجة وناشدوه بان يتركني لحال سبيلي قبل ان اموت بين يديه شخص بصره نحو البعيد وهو يستغفر الله، فحمدت الله لتركه رقبتي رحت اعب الهواء عبا توقف امامي مباشرة لازال غضبة رطبا مبللا بالمطر المدرار الذي انهمر علينا، دفعت عيناة باستنشاق الهواء ثانية، لم تدمع عينا السائق ركز نظرة رجولية متحدية بعينين الدامعتين رأيت من بين دموعي شفتيه تتمتمان بحنق: مشاكس فاجبتة من خلال دموعي:-

– المشاكسون هم المقدامون في الحرب.

الشمس تسحب خيوطها مع اخر حبات المطر تتجمع في بقعة حمراء تخلف في رمادية السماء لوناً وردياً خفيفاً كأنها لون بني يذكرني بلون الطين توقف انهمار المطر تماماً ابيضت اعين الناس في ساحة الطيران لسماعهم ما قلت:

– انه كيسي وفيه كتبي التي اشتر…..

في البداية كان الصمت، بعدها سرى النبأ في ساحة الطيران فحرك سكونها وترقبها تراكض الناس نحوي واستجابوا لتلك الجلبة فشارك النبأ برفع اصواتهم وراح صغارهم يقذفونني بأقذر الشتائم، فاض السيل ، سيل الكبار متدافعاً بالاكتاف يضربوني انا بالتأكيد لم اقل شيئاً يجعلهم يضربوني وعيونهم قاسية تشع غضباً عنيفاً قد اشعل النار والغضب في عيونهم واوقدها في قلبي بعد ان كان لون وجوههم شاحباً صار لونهم احمر، ارتجفت، ارتجفت اصبحت الوان وجوههم حمر بلون الغضب، وفاض سيل الكبار متدافعاً بالاكتاف وبالايدي وبالمناكب يضربوني وبالرؤوس ينطحونني ويركلونني على شكل جماعات غير منظمة وعضوية، حزينة هي المرأة المياسة زليخة حبيبتي التي حررت الطيور من قفصها في رائعة فائق حسن لانهيال مطر الضربات والركلات والبصاق والشتائم عليّ، سحبت يدي اليمنى التي تقطر دماً سحبتها شددتها بقوة سحبتها كي لا اعيد ما فعلت لانني ندمت بعد ان اكتشفت بأنني الخاسر الوحيد في كل الذي قد جرى لانني لم التزم بحكمة ابناء قريتي: \” الطائر الذي يلوذ بعشه لا خطر عليه من الصياد \”.

فكنت بعد ضربات الناس وتقريعهم لي مثل صاحب الحوت منبوذاً في ساحة الطيران . الجندي الامريكي من الفرقة الرابعة مدرعات اشاهده من بين اقدام وايادي وسقيان الناس، قبالتي، وقد جعلته امامي وجعله كل الناس خلفهم وجعلنا كلنا تحت فوهة رشاشة وما زالت انشودة الهام المدفعي تصدح في رأسي : موطني … موطني … موطني ، وابناء وطني يضربونني ويصرخون بصوت غاضب هادر عالٍ: ارهابي.




علي السباعي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى