سمرقند الجابري - خمسة سي سي

ككل مرة وبلا وعي؛ ياتي صوت رئيسة الممرضات(سستر محاسن) كي يجبرني ان اسحب من الهواء خمس سي سي لادسها في وريد الطفل الصغير الملقى أمامي كي اضع نهاية اتفق عليها طرفان، توالت الحقن منذ سنواتي الخمس التي عملتها في مستشفى الولادة، فاكثر النساء في بلدي يحملن بأطفال مشوهين ويحلُمن لشهور طوال بأطفال أصحاء ولا علاقة بتوسلاتنا بالسماء فسموم الحرب اكبر من احلام الامهات.
لقد كنت ارى اشكالاً مؤلمة لحديثي الولادة ، انهم اقرب الى مخلوقات من جنس آخر مشوهي الخلقة، وبعد الحقن بربع ساعة اسلم الصغير الى مركز الابحاث وانا اعرف مسبقا بانه سينتهي اما الى قنينة فورمالين ليحفط او انى نفاية المستشفى التي تتجمع حولها القطط والكلاب ، سيقولون للام انه مات وان المهم هو سلامتها لتدخل الى المستشفى حالمة وتخرج مخدوعة .
كان الامر يصدر لي ،انا التي افضل ان تبتلعني طبقات الارض السبع على ان ازهق روح ملاك ، ولكني في خفارتي الليلية اسأل نفسي " كيف لاي ام ان تربي بين احضانها طفلا يشبه فاكهة الرقي بلا ملامح او طفلا باطراف كالماعز او وجه بعين واحدة؟.وبعد الكثير من التواء المعدة اشرب كوب الشاي واردد ايات من القرآن الكريم واكمل العمل...
انا اعيش في غرفة في ذات المستشفى بعد تهدم بيتي على كل افراد عائلتي ، لذا لم ابرح هذا المكان منذ جئت ، ودنو الشتاء يعني تكدس الاحلام عن ممر مليء بالاطفال يحمل بعضهم اغراضي وصوت مواء ونباح فاصحو محمومة، ستتر محاسن تقول اني لا اقرأ ما يكفي من الدعاء، ولكني لم اعتد على محو صورة حديث الولادة وهو يلفظ انفاسه الاخيرة بين يدي ممرضة لا رحمة في قلبها كي ارحمه من تشوهات سببتها كيمياء الحرب لارحام بريئة.
اكره يوم السبت ، لقد انهيت حياة خمسة اولاد لحد الان ، ولكن الام التي كانت تعاني علامات الطلق منذ يومين تؤلمني بتوسلاتها واحلامها، فكلما رأيتها تسير في الممر تحدث نفسها بدموع غزيرة وابتسامة اجمل من ندى الجنة:
:- " سأسميه علي كما اردت، ولكن المي يغلبني، نم في قبرك مرتاحاً لقد انهيت الشهور التسع ...وصرخت فجأة لاقترب منها واطمأنها بان البكر يطيل الجلوس فس بطن امه غنجا، فامسكت بيدي قائلة: سيفرح مصطفى كثيرا فلن يمحو ذكره ذئاب البعث انه يتخبط في بطني بقوة ، شجاع كأبيه ....فأنفجر انفها بالدماء وتراكظنا بها الى صالة العمليات وها هو صغيرها بين يدي يشبه اسماك دجلة بلا تفاصيل بشرية ، سحبت الهواء ، ونظرت الى الصغير فرميت الحقنة واجهشت بالبكاء ، كان سقف بيتي تهاوى على رأسي ثانية، فدخلت محاسن وسارعت الى حقنه ونظرت الي:
(إنه عراق الحزن يا فاطمة، اذهبي الى غرفتك الان ولا تعيدها).

تعليقات

الحرب شوهت من على الأرض وما في الأرحام من مخلوقات
نص رائع مشكورة عليه سيدتي .تقبلي تحياتي أستاذة سمرقند
ودمت في رعاية الله وحفظه.
 
أعلى