مبارك حسني - هي دوخة في كل الأحوال

خرج الرجل من الحانة وهو يرسم حرف لاماليف في مشيته. يسير ذات اليمين وذات الشمال متمايلا، لا ينتصب على وقفة، ولا تسعفه استقامة مرجوة.
الرجل خرج جد ثمل، تفوح منه رائحة الجعة على بعد أمتار طويلة. لكت وبالرغم من هذه الحالة، لم يرعو ولم ينتبه، وركب سيارته. يقول دائما بالكثير من الوثوق الواثق من وثوقيته، أنه حالما يجد جسده أمام المقود يستعيد وعيه بنفسه وتناسق له له حركات يديه وساقيه، فتنقاد له السيارة ويتعرف كافة أفعاله المشروطة وغير المشروطة. جد متعود يعني.
وهكذا ساق الرجل السيارة كما يؤكد، أو ساقته كما قد يلاحظ من ينظر إليه من الخارج، لا يهم. وكان الليل تقدم كثيرا، والشارع كان خلى تماما إلا من بعض القطط التائهة وكلاب حراسة أقل تيها.
كل شيء كان هادئا وساكنا، لكن الرجل كان ثملا بشكل كبير، وطبعا لم يستطع التحكم بما فيه الكفاية من أفعاله،واحدث الذي يجب أن يحدث. فطصدم شجرة في حاشية الشارع. كان منتظرا أن يحصل هذا. سكون الليل في الدار البيضاء دائما مخادع ولا بد من أمر يقطعه.
هكذا دوى الاصطدام بعنف، وانقسمت السيارة إلى نصفين، وتهشم محركها، وصار كومة لا تغني ولا تنفع. عاد الحديد إلى منبعه. "جات في الحديد" لا يهم.
أما الرجل فقد حمل إلى المستشفى في حالة غيبوبة كاملة. مضرج بالدماء وبقايا الحديد وترتب أسفل الشجرة وبعض خضرة أوراقها. لكن هل ارعوى؟ هذا هو المنتظر على كل حال، حين الوجود بين حافة الحياة والموت.
المهم أفاق الرجل بعد ثلاثة أيام. غادر منطقة الغيبوبة من حسن حظه، ولطفت به الأقدار فعاد إلى الحياة.
حين رف جفناه وفتح عينيه، رأى ممرضة بجانبه تعد حقنة. زار بعضرالاستغراب محياه، فسألها:
ـ لماذا تلبسين البياض يآنستي الحلوة؟
ردت عليه وقد زار الاستغراب محياها، استغراب مختلف طبعا:
ـ لأن عملي يحتم علي ذلك.
ـ آه، رد و هو يفرك عينيه المتعبتين.
ثم حدق حواليه. استطلع المكان حيث يوجد وعاود السؤال من جديد:
ـ أين أنا ؟
ـ في المستشفى.
من شفتيه وحاول حك ذقنه بأعلى صدره بشكل عفوي كأنه يبحث عن سلوك يسعفه في التذكر. أنقذته الممرضة من حيرته قائلة:
- ألا تذكر أنك صدمت شجرة؟ منذ أيام ثلاث وأنت لست من هذا الدنيا.
- فعلا؟
- لقد نجوت بأعجوبة.
ـ غريب...
أغلق عينيه مدة. ثم فتحهما، و بدا عليه كمن تذكر أمرا فجأة، وقال :
ـ لقد قلت له أن لا يضيف لي كأسا أخرى وأبى..وهاهي النتيجة.
ـ عمن تتحدث ؟ كأس ماذا؟
ـ صاحب الحان...في المرة القادمة لن أرضخ له بتاتا. أشرب كفايتي فقط..
ـ...
ارتسمت الحيرة على وجه الممرضة غير فاهمة.
ـ ليس من العقل تماما أن نتبع نزوات الآخرين..أليس كذلك أيتها الممرضة الجميلة ؟ أردف وهو ما يزال يتفكر كمتحسر على فعل غير منطقي.
هذه المرة، فغرت الممرضة فاها دهشة، وهي ترنو إلى الرجل المكفن في طبقات من البياض الطبي في كثير من الدهشة الغريبة. مثل مومياء طبعا نظيفة طبعا.
أخيرا هداها عقلها إلى أمر فقالت مع نفسها أن الطبيب المكلف بالمخدر ربما قد أكثر من الكمية اللازمة..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى