د. سيد شعبان - حكاية أم شرشر

مؤكد أنني مصاب بمرض نادر؛ تبينت هذا حين أخلدت إلى النوم؛ وجدت فيلة تجري وراءها كلاب ذات أنياب تنز دما، قطارات تسير تحت الماء؛ أطفال صغار يطلبون الحليب؛ نساء أثداؤها ضامرة، بدا ذلك المشهد مما يفوق الخيال؛ حاولت أن ألتقط خيطا يربط بين حالتي المرضية وبين تلك الهواجس؛ كلما تجمعت صورة تداخلت في جزئيات أخرى؛ يضرب حوت الماء فيخرج منه بركان لم أشاهده من قبل، أغوص في فراشي محاولا الهروب من تأثير تلك الحالة؛ يقهقه رجل تعلو رأسه صلعة تعكس ضوء الشمس التي غابت منذ فترة؛ بدأت أتساءل هل سرقها اللصوص؟
لست مهتما بالإجابة على أسئلتي التي تبدو عبثية؛ فأنا منشغل هذه الأيام بطلاء واجهة البيت الذي قد يداهمه الشتاء دون ترقب، أحاول رص حاجياتي التي اختزنتها؛ بعضكم قد يتساءل: هل هي غالية الثمن؟
يختفي لص وراء باب البيت، يبدو أنه يحسن فك شفرة القفل الحديدي ذي الأرقام المتهالكة، في حارتنا يسكن كل هؤلاء الذي نتغافل عنهم، إنهم يتحينون اللحظة المناسبة لينقضوا علينا؛ علي أن أتخلص من تلك المتلازمة التي تسكنني فتجعلني رجلا يخاف من خياله، بدأت في التوجس من الباعة الذين يحملون فوق ظهورهم الخضروات والفاكهة، هل يخفون بينها آلات قاتلة؟
مرة أخرى لست معنيا بتفسير هذا الشعور الذي انتابني، أهرع إلى مرآة الحائط لأنظر وجهي؛ هالني أن عيني اليمنى أكبر قليلا من أختها، تصرخ أمي: إنه من شر حسد جارتنا
أم شرشر تلك المرأة لا أكاد أنام حتى تزورني غير عابئة بما يحوطني من هواجس.
تفتح نافذة بيتها وتخرج لسانها بما تشتهي من كلام هو للصراخ أقرب، يتحاشاها الجيران؛ فلها عين تفلق الحجر، تختزن نمائم تكفي حارتنا سنة، تجيد مط شفتيها فهي في غناء عن غمزة بعينيها أو حركة بيديها، يقولون: إنها ملبوسة!
تحيرت فيمن قد يكون تلبسها؟
هل هو جني وجد ضالته في تلك المرأة التي ارتدت ثيابا مطرزة بالترتر، أو تهفهف بشعرها الذي يشبه لفافة من شعر شاتنا الرحمانية وقد تغافلنا عن قص وبرها، تقف أمام المرآة ساعة وساعة؛ تضع للشفاة أحمر وللخدود أخضر وللرموش مايسبي ويغري، لكنها نسيت لسانها الذي يدور في مغارة يسكنها عقرب.
يبدأ يومها بتصبيحة من شجار مع فطومة بائعة الخضروات تعيرها بذبول نضارتها وفقر يديها، ترش الماء بالملح في وجه من ينظر إلى واجهة بيتها الذي تصاغر حتى بدا كأنه نتوء مشوه في طريق العابرين في حارة تسكنها النسوان.
يدور عراك حول منشر الغسيل، قطرات الماء بالصابون تثير جلبة. صارحت أمي بأنني صرت رجلا يسد عين الشمس- لا تدري أن الشمس سرقت منذ زمن- وأن ابنتها تصلح أن تكون زوجة تجيد العجن والغسيل وللرجل فيها مآرب أخرى؛ حين ذكرت تلك الفتاة أمامي تلك الساعة عاودني الحلم المثقل بالفيلة والقطط والقطارات مما يعيش تحت ماء النهر.
كل هذا هين إلا أن تكون أم شرشر هي المرأة قد أبتلى بالزواج من ابنتها، تلوح أمامي صورتها: شعر متكوم وأصباغ وطلاء لأنثى فاتها قطار العمر، أتهرب من هذا كله بأن أنزوي في حجرتي البعيدة وأدس رأسي تحت الوسادة التي تقزمت منذ بلغت سن الفطام.
وهل أمتنع أن ألبي طلبها؟
ستتبعني لعناتها جيئة وذهابا، لن يكف لسانها الذي يشبه المبرد فلا يدعني إلا منكس الرأس، وقد يدركني البلل من كل ناحية؛ ما أفعل؟
أوهمت ابنتها بأن جهة ما تحتاج أن تستعين بخبرة أم شرشر؛ ففي برامج التلفاز متسع لذلك الرغي؛ فغير معقول أن يجهل الناس قدرتها في كشف السر؛ أو يضيع ذلك الكنز وينتهي في حارة تشبه القبو؟
ستكون نجمة بالليل ومؤكد أنها ستنشغل عن الغيبة ودس النميمة بين الدجاج والقطط، لكن لم أفطن أن الزمار يموت وإصبعه تتراقص؛ لقد أمسكت بي تلك البلهاء وأخذت بالصويت الحياني، لم تمض سحابة النهار حتى رأيتني زوجا لابنة أم شرشر.





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى