14- د. مدحت عبد الجواد - قراءة لقصة (في شارع شبرا) للدكتور سيد شعبان
تحية تقدير للناقد البارع عمرو الزيات حيث حرك رغبتي؛ لمطالعة هذه القصة عندما قرأت تعليقه، ولاسيما أنها عمل مغاير لكل ما سبق من أعمال للدكتور سيد شعبان.
تتجلى عبقرية القاص في مدى قدرته على انتقاء، واختيار بدائل أسلوبية بعينها، وتشكيلها وتوجيهها وجهة بذاتها؛ لتعبر عن مشاعره، ومدى قدرته على التأليف والمزج بين هذه البدائل؛ ليصبح عمله صورة لعالمه الأدبي، ومن هنا على الناقد رصد هذه البدائل والكشف عن جمالياتها، دون محاولة لتلمس أسباب الاختيارات التي قد يعجز المبدع نفسه عن تبريرها.
الأسلوب والإيقاع : ورد بالقصة ( 135 فعل )، ( 35 فعلا ماضيًا ) و( 100 فعل مضارع ) ولم يرد فيها فعل الأمر مطلقًا ..هذا يدلل على أن معدل الحركة باستخدام المضارع حوالي( 74 ٪ ) وهذا يعطي إشارة إلى مدي مايتصف به أسلوب المبدع من حيوية وحركة، كما يبين قوة حيوية القصة وتفاعلها الذي يبرز من خلال قوة المؤشر الأسلوبي الحركي ودمجه مع الألفاظ الإيقاعية .
- الصور البلاغية ( وردت الاستعارة 60 مرة – والكناية 70 مرة – والتشبيه والمجاز 10 مرات) هذا باعتبار تداخل الصور وصلاحيتها للتعبير عن أكثر من وجهة .
وهذا يعطينا دلالات قاطعة على قوة الجانب الدلالالي الأسلوبي في سرد الماتع دكتور سيد شعبان على أن هذه القيم تشكل نسبًا مرتفعة في الدلالات الكلية إذا ما قيست بعدد كلمات النص، من هنا نسطيع أن نقول أن تكثيف الأحداث والرمزية داخل النص جاءت ذات دلالات عالية وذلك لارتفاع معدلات الكناية داخل العمل وهى تشير للرمزية والتكثيف .
الموضوع والحبكة : تدور الأحداث داخل حافلة ركاب، انتقى المبدع شرائح اجتماعية بعينها؛ ليجعلهم ركابًا للحافلة، ومن ثم يصبحون محور الأحداث وأبطال العمل، ويمكننا تقسيم المشهد قسمين :
أ – داخل الحافلة : ( السائق – المحصل – شاب وفتاة – بائع متجول – امرأة متصابية – شيخ معمم وملتح )
ب – خارج الحافلة : ( لوحات إعلانية – ماسبيرو – رجال الأمن – المسؤولون – العامة نساء ورجال )
مغزى الموضوع : تكثيف الإحساس بالألم المنبعث من معاناة شرائح المجتمع المختلفة، مع بث روح الأمل من خلال تطلعات الشخصيات ورغباتها....
قام المبدع بتكثيف الأحداث بالظلال والإيحاءات الخارجية من خلال المشاهد خارج الحافلة .
من سمات السرد لدى المبدع ( الوصف ) : الوصف بالمقدمة كان تهيئة سريعة ومكثفة تمتاز بالجماليات الرائعة التي تأخذنا إلى عالم كئيب ينتظرنا داخل هذه الحافلة .
وصف الحافلة بالتهالك والقدم ، كما وصف الركاب يبين أننا في مجتمع مطحون يعاني الحياة وقسوتها.... كذلك وصف الرغبات ...ووصف اللقطات السريعة لكافة الأحداث وكأنه مصور يلتقط بعدسته صورًا هنا وهناك .
المفارقات التصويرية الرمزية : من أهم خصائص الأسلوب ومميزاته، تارة يجمع بين حالة الحافلة المتهالكة وحالة السائق المتعطلة مع زوجته ، ثم مفارقة لتبرز حالة الشباب والفتوة ورغبات الشاب والفتاة ، مفارقة أخرى تحوي اسقاطات رمزية ودينية تكشف عن فساد بعض رجال الدين وسقوطهم أمام الرغبات التي تمثلت في امرأة متصابية ...وهكذا
التكثيف : المعاناة من حرارة الجو والمعاناة من ضيق العيش ثم المعاناة من تبدل الحال في مقارنة بين الشباب والكهولة، وضياع العمر، والتعلق بالأمل والرغبات ثم الربط بين الإعلانات الكاذبة والأحاديث الخادعة ..
ترتيب أحداث تحدث ضجة حول حادث عابر؛ لإظهار دور وبطولة رجال الأمن في مقابل دور المسؤول الذي يتحين الفرص، ويستفيد من المواقف ويحقق منها المكاسب .
صورة الشائعات المقصودة التي تنتشر بسرعة؛ لتعبر عن قطاعات من الشعب وأحاديث وسلوكات العامة الذين يندفعون دون وعى إلى كل شيء .
التبئير : المبدع يروي بصيغة الغائب فالتبئير خارجى؛ لأن الرواية والأحداث تأتي بصيغة الغائب، وهذه الصيغة أتت مناسبة للأحداث حيث استطاع من خلالها أن ينفذ إلى عالم السائق الخفي ؛ ليكشف لنا أدق أسرار حياته الزوجية مع زوجته التي أصبحت عبئًا عليه ومعاناة، ويكشف عن ضياع عمره ، والكثير من الأحداث الخفية، ولن يستطيع أن يصنع المبدع هذه الروابط الخفية ويتجول دون هذا التكنيك الفني .
العنوان : منذ الوهلة الأولى يقدم تركيبًا يفتقد إلى أحد المتممات التي تحتاج إلى تنقيب؛ لتهدأ النفس، فالعنوان مثير للتساؤلات ...مجتزأ من التراث، مرتبط بالمتلقي الذي يعشق المناطق الشعبية، وخاصة المناطق التراثية، وهذا الحي يجمع بين عبق التاريخ الماضي والحاضر.
الزمان والمكان : أبدع المنشيء في توظيف الزمان والمكان فاختار شهر يونيو في فترة شديدة الحرارة وجعل الزمان متحركا مع الحدث كما في لفظة ( الآن )، ثم جعل المكان، وكأنه يطالع نظرية أينشتين فمكان داخل الحافلة، ومكان متحرك يتمثل في حركة الحافلة من شارع لآخر..
- من الجمال : ( الحافلة على غير عاداتها مصابة بالخرس )، كيف يوظف هذا العنصر؟
وكنت أتوقع أنه سيقدم فيما بعد شيئًا غير متوقع كان هو الباعث لاختلاف العادة .... وتكرر نفس المعنى ( حافلة مصابة بالخرس ) بعد عدة جمل ... لكن المفاجأة أنه وظف ذلك؛ ليصنع مفارقة لحالة الحافلة بعد تبدل حالة السائق والركاب، فلم تعد الحافلة مصابة بالخرس بل صارت صاحبة نشيطة بل صارت أحاديث المدينة .
- توقعات القاريء : إذا كان القاريء يتوقع أن يقدم له حلولا فهذا ليس من طبيعة المبدع في كل قصصه، وليس هذا من سمات القاص بل هو عمل المفكر والفلسفي، والمصلح الاجتماعي، أما القاص فإنه يطلق العنان ويرصد الأحداث ويعبر عن المشاعر ولا يتقمص دورًا ليس له .
- بنية الحبكة : وإن كانت بنية الحبكة تدور حول مشهد متكرر مألوف، وظاهرة لطالما تناولها الكتاب والأدباء إلا أن المبدع تناولها وفق منهجية مختلفة تتميز بالسرد الماتع والتناول العبقري ، لعلنا هنا أمام تكنيكات فنية تنبثق من جماليات اللغة، وتوظيف المفارقات، وتكثيف الأحداث والربط البارع من المبدع بين الأحداث المتشابهة من جهة للتكثيف، والمفارقة من جهة لإبراز المشاعر.
- الشخصيات : جمع بين الشخصيات البسيطة والمركبة، والعميقة للتغلغل في أعماق النفس البشرية والوصول إلى صراعات النفس وتضارب الرغبات وتنازعها.
الرموز : الرمز هو من أنواع الصورة وقد يشكل عقبة وحجر عثرة أمام القاريء غير الحصيف، لكن المبدع هنا يشكل الرمز بأسلوب يسير من خلال التصوير الاستعاري والكناية وغيرها من الأساليب اللغوية .
(في شارع شبرا)
للدكتور سيد شعبان
خرج من بيته والدنيا أشبه بحبل يلتف حول رقبته، يضغط على صدره هم ثقيل ،نظر في وجوه ركاب الحافلة، كل واحد منهم يعيش في عالمه؛ عيونهم تتحرك كما لو كانت تنظر إلى شيء ما، الرتابة تستبد بهم، يترك غبار الحافلة أثره على وجوه المارين، تبدو في حالة من العبث، علها أشبه بمدبنة خرجت لتوها من تحت أنقاض زلزال مدمر، أو تلك التي وقعت بين حربين.
تنتشر الكلاب في الحارات والأزقة والشوارع الرئيسة تتشمم كل شيء، تصدر نواحا أشبه بالعويل، يشاغب الذباب باعة الصحف فلم تعد القراءة غير سلعة بائرة؛ معظم الركاب موظفون في المصالح الحكومية، ثيابهم تكاد لا تختلف، صمت يخيم على وجوههم، حين تكون نهاية الشهر يتحدثون عن أحلام مؤجلة في عطلة نهاية الأسبوع؛ معظمهم يتعاطون أقراصا حمراء، لحظات وبعدها يبدون جثثا بلاحراك، لوحات الإعلانات تخاطب أناسا لم يرهم من قبل، فتاة تخرج لسانها وتضع يدها على خصرها، تبدو مثيرة؛ يتأوه السائق في حسرة، الحافلة على غير عادتها مصابة بالخرس، هواء الشارع في شهر يونيو يقتحم النوافذ الزجاجية مدخلا لهبا لا يحتمل، تبدو العمارات على الجانبين بقايا جبال في مشهد يضج بالعبث.
محصل التذاكر ينز العرق من وجهه، منديله المحلاوي تهرأ وتناثرث شراشيفه، صارت ياقة ثوبه أشبه بخرقة بالية، اقترب من نهاية الخدمة كما الحافلة التي تتداخل حوائطها، السائق يذهب عقله بعيدا حيث زوجته التي تعبث في عالمه المثقل بعجز يتكتمه.
حاول أن يجد دواء لعلته، تكمن مشكلته في صغر سنها، كان ميتا وحياته أن تأتيه أنثى تحرك ساكنه، افترست المدينة التي بلا قلب شبابه، وحين ضربه الزمن بمعوله لم يعد في جرابه ما يسد حاجتها!
جرب كل العقاقير؛ ما أفلح الأطباء ولا حتى دهن العطار؛ فحين يدب الوهن في الجسد يكون ذلك أمارة الرحيل قبل الأوان.
الآن غير بعيد منه، شاب يغازل فتاة، يداعبها بعينيه؛ تتحين مشاكسته من طرف خفي، يتورد خدها؛ يسرقان لحظة من حافلة مصابة بالخرس، عيناه تقتحم خلوتهما المتوهمة، يصعد بائع أشياء صغيرة، ينادى على بضاعته: أقلام، قطع بسكويت، عطور، حبات لبان، لعب أطفال؛ يمسك بواحدة منها ويلقى بها في الممر؛ كأنها ثعبان يتمطى، تهب امرأة متصابية تدعي الهلع، تصيح بصوت متكسر كله إثارة: انخلع قلبي!
في هذه اللحظة دبت في داخله رغبة ظلت مكتومة؛ أن يغازلها أراد أن يعيد ما مضى من زمنه، مرآة الحافلة أظهرت ما يفعله الركاب، تجاوب مع الفتى حين كان يعابث الفتاة اللاهية، امتعض من لحية الشيخ ذي العمامة، ينعطف بالحافلة يمينا جهة الساحل، يهب نسيم النهر ليخفف شيئا من ثقل الجو، يتطاير شعر الفتاة، يخرج من علبته سيجارة ويشعلها، يحرك المذياع على موجة إذاعة الأغاني تصدح مغنية بكلمات تثير كامن مشاعرهم، يتناسى الركاب محطات النزول، الحافلة تتمايل طربا، يكسر إشارة المرور، منذ سنوات لم يفعل هذا، يتمادى في السير، يشجعه الركاب، يتراقص بائع الأشياء الصغيرة، يحمل حقيبة ممتلئة لم تمس منذ ثلاث، يتجاوب الجميع مع صوت المذياع، يخترقون الميادين، يتنادى رجال المرور: حافلة مصابة بالجنون!
تقترب من ماسبيرو، تلتقط موجاته خبر تلك الحادثة التي لم تعهد المدينة لها مثيلا من قبل، على الشاشة نبأ عاجل: على المارين في شوارع المدينة توخي الحذر؛ حافلة فقد السائق السيطرة عليها!
في لحظات كانت كل الشوارع خاوية، رجال الأمن توزعوا في الميادين، طائرة تجوب سماء المدينة، صور الحافلة تبث تباعا، السائق صار حديث الناس.
لوحات الإعلانات على جانبي الطريق تحاصره، صور مغرية؛ حبوب منشطة تقتل عجزه وتفضحه، حاول أن يبتلع صمته، إنه بشر وله مثل الآخرين عالم مخملي!
وجدها فرصة ليظهر ﻷنثاه أن أحدا يهتم به، أخذ يتمايل طربا، تماهى معه الركاب، صاروا يتحدثون عما يعانون منه، أحدهم يكثر التسبيح ودعاء صرف الأخطار، الفتى الذي كان يعابث الفتاة يتصدر المشهد، يحدث الركاب عن متعة الحياة؛ أن يبحثوا عن الأمل؛ ينهره الشيخ: الموت نهاية الأحياء.
تغمزه المرأة المتصابية بعدما فاتها قطار الزواج، يسكت وقد سرى في جسده خدر لذيذ، تتساقط عمامته الخضراء على مقعدها فتستسلم لعبثه، يخرج عن وقاره في وصلة من موال الصبا، تشجعه المرأة التى اصطادت رجلا!
ينادي على محصل التذاكر أن يطلب من بائع الأشياء الصغيرة أن يوزع قطعا مما معه على الركاب بالمجان، يقترب السائق من ميدان العتبة، يتمادى الجميع في الغناء والرقص، توشك الحافلة أن تكون حديث المدينة، النسوة يحاولن ركوبها، يسابقهم الرجال، وجدها المسئولون وسيلة لتخفيف التذمر، فأفسحوا لها الطريق؛ ففي برامج الرغي المسائية فرصة لينشغل الناس بكل تلك الأخبار، على حين غفلة شد بائع الأشياء الصغيرة مقبض الحافلة التي توقفت؛ المرأة المتصابية أخذت تنوح؛ ضاع عقدي!
15- د هشام المنياوي - عن القصة القصيرة "ابن العنزة" لــ د. سيد شعبان:
نص من طينة ريفنا، نمط فني في السرد الذاتي متفرد، يطل الكاتب بكينونته في مفتتح النص ليضع نصه تحت تأطير (السيرة الذاتية ) لكنه ليس حكيا سرديا متتابعا على غرار ( الأيام ) وليس بمباشرية وتقريرية ما طرحه يحيى حقي في (خليها على الله ) وليس بمصارحة واعترافات ثروت أباظة ( أوراق العمر سنوات التكوين ) إنما هو طرح فني إبداعي يتماهى فيه الواقع بالخيال وينتزع الرمز من براثن الحقيقية حتى إن القارئ لا يكاد يفطن الرمزية الطرح في ( لبن العصفور ) و ( والثعلب الذي تسربل جلد العنزة ونسي ذيله يتدلى ) و(موت أشجار التوت ) و( تعرية أوراق الياسمين ) من فرط تماهي الرمز في الخيط السردي وتلك عبقرية لا يقدر عليها إلا الكبار من المبدعين ..!!
لا ينبغي على المرء أن يغادر قبل أن يثني على الاتساق المبهر بين العنوان المشوق للنص السردي ( ابن العنزة ) وبين تكنيك فك تلغيز العنوان الذي جاء بحرفية عالية حتى لا يكاد القارئ يلمح غرابة أو نفور أو تصنعا بل إنه ليومئ برأسه إعجابا وانبهارا
ابن العنزة... قصة قصيرة
بقلم د.سيد شعبان
حين يأتي الشتاء تتداعى الحكايات وتتجمع في ذاكرتي؛ تصير حملا ثقيلا أحاول التخلص منه، يكون السرد منفذا للبوح إلى تلك الزوايا الخفية، تلفت كل ناحية ألتمس طريقي بين الزروع والأشجار لا أكف عن العبث بأعشاش العصافير، تنهرني أمي؛ دع الأمهات يشبعن الصغار لبنا؛ ها أنا أبحث عن لبن العصفور، بات مستحيلا كما الأحلام الفضية.
أطير من كراس الرسم طائرة أمسك بمقودها؛ أرسم عليها حكاية الطفل الذي يحلم بأن يكون ابن السلطان ويطير فوق السحاب، تهب الريح فترتمي طائرتي وقد تناثرت؛ لم أمتلك يوما علبة ألوان؛ فتلك الأفواه الجائعة تحتاج الرغيف لا فرشاة يرسمون بها عالمهم الذي تطارده الغيلان.
نحن مثقلون بصور وحكايات أثرت فينا مما قصته الجدات أو خوفتنا به الأمهات، لكل منا طيف من أحلام ونتف من خيال جميل، لكن كل هذا يظل يرتعد من الجن يراهم فوق الأشجار وعند حنية الطريق وجوار البيوت الخربة وفي سكة المقطع تدور ساقيتها فتخرج أرانب بيضاء، يا لهذا العالم الساحر بما اشتمل عليه من طفولة تعبث بالأشياء، صورة تجمعت أجزاؤها من متفرقات فغدت جميلة!
ماأزال ذلك المندهش بما رأى تثقل ذاكرته أشياء صارت بعيدة، خبز أمي ورائحة بيتنا الطيني يوم يتساقط المطر فنغدو كأفراخ الحمام نبحث عن ركن نأوي إليه، تتداخل أجسادنا وتتلاحم عواطفنا يهب بعضنا لبعض الدفء عوض برودة الشتاء، نتقاسم الخبز ومن ثم نستمع لحكايات تعاد وتتكرر؛ العنزة حاز والأخرى ماز والثالة تضرب بالعكاز؛ الثعلب يرتدي جلد العنزة التي افترسها لكنه نسي أن يخفي ذيله، ومن يومها ونحن نوصد الباب جيدا مخافة أن يأتي ذلك المراوغ الذي يشتهي لحم الأطفال؛ في كل مكان من هذا العالم قطع لحم متناثرة لحملان عبثت بها رصاصات الثعالب والذئاب!
تأتي كل تلك الأوهام فأتخفى تحت لحافي، أغوص في حشية سريري، أبحث عن تلك الفتاة التي تراقصت على ضوء القمر، يسرح شعرها مع أشعة الشمس الذهبية يتماوج مع أغنيات فيروز ذات الوهج الدافيء؛ أين هي الآن؟
يبتعد العيد كلما أتى الشتاء؛ إنه يكره البرد ولا يحب الريح؛ لا يجد فيه الصغار مكانا للعب، تتسلل في لياليه المربوطة بحبال الرعب كل ذئاب الناحية؛ تنفذ فيه حبات القمح وتعبث الفئران في الثياب والأغطية؛ في الشتاء تموت أشجار التوت وتتعرى أوراق الياسمين.
أبحث عن جدتي فلا أجدها؛ ارتحلت إلى العالم العلوي؛ غادرت دون أن تتم حكاية العنزات الثلاث، بقي الثعلب يعبث في الحقول؛ لم تعد به حاجة أن يتخفى؛ تفرق الذين يوما كانوا الأطفال؛ منهم من صار أشبه بالغول ومنهم من باتت تسرق الحكايات لصغارها، طال الشتاء عن كل عام، يقولون إنه سيمكث في حارتنا ستة شهور؛ وفي المرة القادمة ستختفي الشمس، تتكاثر الثعالب حين تتسافح في لياليه الطويلة؛ حدث هذا حين كفت الديكة عن الصياح.
ترى هل أوصت الجدة بذلك الصغير؟
ما الذي جعل وشوشات الشجر وزقزقة العصافير تتحول إلى مفردات تنتظم في جمل؟
لم تسدل الستارة بعد، تتحرك شخوص المسرحية بعفوية، بائع الحليب يطرق البيوت لكن الصغار غابوا في السرداب، ساعي البريد اعتلت ذاكرته؛ ينسى البيوت ولم يعد يحمل تلك الرسائل البريئة؛ كلها حيل لآلة لا تعرف الحب، من يرسم نخلة تعانق السحاب وتسابق مأذنة الجامع الكبير؟
في كتاب سيدنا كنا نتلو السور والآيات نتمثل الجنة وفيها اللبن نهرا والعنب يتدلى كل حبة تقطر عسلا، تتعارك في النار الذئاب وتطاردها كلاب لها أنياب من حديد؛ والآن هل ما تزال ذاكرة الصغار تحتفظ بكل هذا؟
ألملم بقايا ذلك الطفل الذي كنته يوما، أعثر على بعض الأوراق والكراسات، وردة مجففة رسالة صبي إلى فتاته التي سكنت حلمه، رائحة الخبز الذي صنعته جدتي؛ حليب العنزة يوم أمسكت بها ومن ثم التقمت حلمتي ضرعها، أطلقوا علي ابن العنزة، سررت بهذا؛ كنت أشبهها في تسلق الأشجار والحوائط، أقفز ومن ثم أتراقص؛ ما أجمل كل تلك الألعاب!
هل تبقى للصغار فضاء يرسلون إليه أوراقهم تطير؟
16- أ. د. محمود المهدى - قراءة لنص (الملك لك ياصاحب الملك)
التناول النقدي والتحليل الفني للنص هو نص موازٍ، لا يقل عن النص الأصلي في التصريح بكل أعيانه، بل - أحيانا -تلتمع به ما وارته السطور من مرموزات ، حتى يشرعها كفلق الصبح.
بداية العنوان "الملك لك يا صاحب الملك" يوحي بالروح الإيمانية للمصريين حين تنزل بهم النوازل؛ فلا يكون منهم إلا التسليم لأمر الله سبحانه وتعالى والامتثال ، كما يعكس مدى تمكن التسليم بالقضاء والقدر في أنفسهم،وعدم الضجر حتى في أحلك الظروف.
أما السرد في جملته فهو عبارة عن محطات تتباين في وجهتها، وربما يكون ذلك انعكاسا لحالة الخوف المسيطر بسبب ما ذاع وانتشر من سرعة انتشار " كرونا"فجاء السرد منعزلا كهبات الخوف التي تعتريه من آن لآخر ، إلا أنه يسلكها جميعها. خيط دقيق لايدرك لأول وهله لاصطباغها بالرمزية ابتداءً.
والسردية مبناها على الرمز في محطاتها المختلفة ؛ حيث يعد تكرار دق التليفون في ساعة متأخرة من الليل رمزا للخطر المحدق بِنَا هذه الأيام، وما ينتج عنه من فوضى وهلع في قلوب الناس، وكأن دقاته السابقة إشارة لما ابتليت به مجتمعاتنا سابقا من جائحة لا تقل عن كرونا مثل: إنفلونزا الخنازير والطيور .... ، ولم يصدر منا وسيلة واحدة للتحكم فيها؛ ففوضنا فيها الأمر لله!، وقد أعيتنا - نحن الضعفاء - الحيل، وكلها هناك خلف هذا المحيط مع هذا اللعين- ترامب - الذي يحرك العالم بجنونه، كما يحركنا هذا الوباء بهلعه من آن لآخر، ثم تراه يصرح بما تزامن مع هذه الجائحة من أعاصير وأنواء ، وكأن الكاتب يذكرنا بأنها رسائل لنستعيد علاقتنا مع الله، ونحسن من حالنا معه .
ويتعلق بما سبق مرموزة أخرى؛ حيث تلك القطط والكلاب التي تأتلفك في وقت رخائك، وتغيب عنك إذا ضربتك الشدة، وهذا انعكاس لسياسة النفعية التي تحكم العالم وتسوده.
وعلى الرغم من أن الكاتب منفعل بما يموج به المجتمع، إلا أننا نراه ينكص على عقبيه عائدا لمسقط رأسه الذي نبت من ترابه، وتعمَّد في مائه، فلا يستطيع أن يبرحه أو ينفك عنه بوجدانه؛ وربما يعود ذلك لشدة ارتباطه بالبيئة التي نشأ فيها وتربى، ليتدثر بحديث أمه، وما عساها قد لمست من غريب سلوك كردة فعل لحالة الهلع واللا استقرار الطارئة؛ فيرجوها التكتم عنه، حتى لا يصل إلى الزوجة، وهذا إقحام دلف من اللاشعور إلى القلم، ولعل زخم الأحداث وانفلاتها ، ألقى بظلاله على حالته النفسية فجعلته يعاني مما يعاني منه الرجال في مثل هذه الظروف، أو في سنٍ متقدمة.
ويتأكد لنا ارتباط الكاتب بمسقط رأسه وما يموج فيه من مأثورات وحكايا تتملك على عقل الصبية، ثم تسافر معهم عبر رحلة العمر ، ولا تنفك عنهم حتى إذا بلغوا أشدهم ؛ فتراه يتملص من واقعه المر ويهرب إلى التدثر ببعض ثقافته التي تجمعت إليه في باكورة صباه ؛ حتى كانت له منهلا، فها هي القطة البيضاء التي تؤاخي الجن، وها هي العجوز تؤاخي الجن حيث تمدها بغريب الأخبار.
تعكس السردية بعض ما تنماز به البيئة الريفية من كرم فترك حجرة الطعام مشرعة، وكأنها تتهيأ للضيفان والسابلة من تلقاء نفسها، وهذا التدين الفطري الذي تعكسه استمرار الاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم، وكثرة التسبيح، وتلك الروح الدينية النابعة من العناية بالحيوانات الألفية ، والتوصية ببإطعامها ورعايتها،
تتوسع الاهتمامات حتى تتجاوز البيت إلى ما يجاوره من شجر، تسكنه البوم، وربما يكون ذلك رمز لما يحيط به من أشرار يترصدونه ليلا. - ويبحثون وراءه ليقفوا على أخباره - كما تفعل البوم دائما.- -
- اللغة سهلة تلائم سرعة الإيقاع الذي ينماز به السرد، والأسلوب سلس ألفاظه واضحة المعنى معبرة عنه دون مشقه.
- الصور والتشبيهات لا تبعد عن البيئة أبدا (باتت النساء تعاني ملوحة. يعاني الرجال من الجفاف. الليالي المخملية . شجار لاتُخمد ناره. ضربها الخرف)
وهي تعكس حالة الرجال والنساء في علاقتهم الحميمية ، ومدى تأثرها بالهلع والخوف والضغط النفسي، وبعض الصور مكرورة في سرديات الكاتب مثل : تعاني الملوحة. الليالي المخملية،كما تعكس بعض الصور الجدلية الأزلية لعلاقة الزوجة بأم زوجها (شجار لا تُخمَد ناره)-
- لم يكن الكاتب موفقا في وصم القطة البيضاء بمؤاخاة الجن ؛ والأفضل أن تكون سوداء ، كما تعكسها الثقافة الدينية.
- سرعة الانتقال من بيئة إلى بيئة دون تمهيد يظهر لنا تفكك الأحداث،ويطيح بالوحدة الموضوعية للسرد؛ إذا لم يدلف القارئ لما يرمز إليه الكاتب
17- د. أيمن تعيلب - ثلاث حركات تعيد بناء الوطن... قراءة في قصة (رجل يحرس الوطن) للكاتب الدكتور سيد شعبان
من المعروف أن السيطرة الفنية على أبعاد الشكل في الفن عموما وفن القصة القصيرة خصوصا مسألة فى غاية التعقيد والصعوبة لايستطيعها غير فنان متعدد القدرات التشكيلية والتوصيلية معا،كاتب قادر على السيطرة على أدوات فنه النتيجة الطبيعية للسيطرة على مطارح رؤاه وتطوحات أخيلته.
ونحب أن ننوه منذ البداية إلى أن فن القصة القصيرة فن مرهف مراوغ لا يستطيعه إلا من أوتى قوة الخيال وبراعة السرد وجزالة الأداء وسلاسة الروح، فالقصة القصيرة ليست ديباجة مرصعة، ولاألفاظا منسقة ، ولاأحداثا لافتة ولا حركة عنيفة، ولا عقدة دقيقة، ولا حبكة متينة ، بل هى همسة، أو لمسة حقيقية أو دمعة أو مسقط ظل أو إشعاع ضوء، ومن هنا كانت الصعوبة الجمالية التشكيلية الشائكة لدى كتاب القصة القصيرة. فإن أي خلل في شكل القصة القصيرة يؤدى إلى سقوطها بالكلية لأنها فن التكثيف اللغوى والتقطير الدلالى والتقشف التشكيلى، وإن أي خلل وإن دق يخل بالنسب الدلالية لمكونات الشكل الفني للقصة، الخلل هنا لا يجعل العمل الفنى شكليا فقط، وإنما يخل بالانسجام الجمالى والدلالى لمكونات التشكيل والتوصيل معا وكلاهما نتيجة طبيعية لاضطراب الرؤية لدى القاص فهى مشوشة لم تتبلور بعد في روحه ولم تنضج في لغته.
ولعل الذى دعانى أن أبدأ مع القارىء الكريم بهذه المقدمة قراءتى لقصة القاص الكبير الدكتور سيد شعبان المعنونة ( رجل يحرس الوطن) حيث تجلى مفهوم الشكل في القصة القصيرة في أبهى حلة وأدق تشكيل وأوجز توصيل إلى الدرجة التي جعلت من شكل القصة شكلا للرؤية نفسها التي أبدعها الكاتب.
بنى الكاتب شكله الجمالى والدلالى عبر ثلاث حركات لرجل يحرس الوطن، فقد استطاع الكاتب أن يبنى جملا قصيرة خاطفة بارقة لا يجمعها جامع سوى قدرة التخييل والترميز حيث يقود اللاوعى الجمالى الوعى التشكيلى فاتحا عبر كوى الخيال نوافذ رمزية لدلالات لاتنتهى،يبدأ الكاتب قصته بهذه الفقرة الرمزية الكثيفة
(منذ فترة تعاودني حالة من الخوف أنظر وجهي في المرآة فأجد أحدا غيري؛ عندما أحرك مقعدا من مكانه؛ يعود مرة ثانية؛ أسمع وقع خطوات في الحجرة المجاورة؛ يغلبني النعاس؛ تتحرك الجدران؛ تتراقص الأفلام؛ أردد الأدعية؛ تخرج من النافذة ثيابي؛ أدير مؤشر الإذاعة فأسمع صوتا يخرج من التلفاز يسخر من تلك الكلمات التي أدونها؛ حاولت الخروج من تلك الحالة؛ أخشى أن أصير خيال المآته؛ يبدو هذا لامفر منه؛ تراني النسوة في المدينة مثيرا؛ ألقت واحدة منهن بحبة برتقال أصابت وجهي؛ التفت إليها فإذا هي عرجاء؛ حين أمر من بوابة المدينة يطلب الرجل ذو النظارة السوداء بطاقة هويتي؛ يكاد يموت من الضحك؛ يشير إلى زميله؛ هذا الرجل بدون رقم؛ يطلب مني أن أخلع سترتي؛ ثمة وشم على ظهري؛ يشير إلى أنني كائن لاظل له!)
منذ اللحظة الأولى للقصة يتوطن الخوف،وهنا انفصلت الذات عن وجودها وانشرخ الوجود نصفين متصارعين لا يلتئمان أبدا، وهنا تتجلى البراعة البنائية منذ الكلمة الأولى للقصة،فمن هذه البداية المنشرخة سوف تتخلق أول بذرة لحالة الانقسام والانفصام والتمزق بين الوجه والمرآة، الرجل والوطن، يتبعها انشراخ الوجود وانقسام الكائنات وانفصال الموجودات ويعم الكون اغتراب سريالى عجيب، حيث تتقافز الثوب من النافذة ويخرج التلفاز من الكلمات، ويتجلى الإنسان بلا هوية بوصفه رقما مغيبا في غيابات التلاشى.
في هذه اللحظة تتخلى الأشياء عن مكنوناتها وتتلاشى الأسماء عن مسمياتها وتنقلب المعايير كلها رأسا على عقب،نرى ذلك في توالى هذه الصور السيريالية المتسارعة للذات المغتربة المترنحة( أمسكت بأغطية زجاجات الكولا؛ صنعت منها تاجا؛ زهوت بما فعلت؛ الآن أبدو أحد هؤلاء الذين يتصدرون المشهد؛ تتحدث عني نشرات الأخبار؛ ابتعدت خشية أن تنصب مفصلة تتدلى منها رقبتي! حالة من وسواس قهري؛ أحلام باتت تؤرقني؛ أبحث عن الحذاء؛ تتحرك أصابع قدمي كل في اتجاه؛ أرنبة أنفي تندس في النمائم؛ ينادي باعة الصحف على رجل تسرب من كتاب التاريخ)
هذه الذات التي انخلعت عن تاريخها وانطمست هويتها سوف تتفجر متشظية عبر شذرات تصويرية لا واعية علها تعيد بناء وجودها أو قل تعيد ترميم وطنها المتلاشى،ومن هنا جاءت الحركة الثانية في القصة حيث تتوالد التواريخ والأشياء والأحياء بصورة سيريالية مرعبة، إنها حالة انفجار الوعى الموازى لتلاشى الوطن ثم تسيد تيار اللاوعى بعد أن فقد الإنسان ظله وتلاشى وجوده، هنا يتخلق الوطن البديل في البناء القصصى حيث تتدفق من الذاكرة وجوه عديدة للوطن المتلاشى متمثلة في هذه الصور السيريالية المتلاحقة (يحوطه أولياء الله بألف دعاء وورد؛ يرجونه المهدي يخلصهم من قبضة الوالي؛ يعدو خلفي السياف؛ يقطر الدم من لحيته؛ إصبع يده مقطوع؛ تتدلى من شحمة أذنه سلسلة ذهبية؛ ينتابني الهلع؛ يوم كنت هناك؛ جموع تطوف حارات مصر عتيقة؛ جوعى وحدها أم هاشم تطعم المساكين؛ عطشى فمجرى العيون سكنته حيات تسعى! يدفعون بجواد أبيض؛ يحملونني فوقه؛ تمائم وابتهالات؛ تنبح خلفي كلاب سوداء؛ تسخر من ثيابي ابنة سيدنا الوالي!).
صور متلاحقة متدفقة مبنية على المفارقة بين صورة الولى الصالح المرجو للوطن وصورة الديكتاتور المتسلط على رقبة الرجل الصالح الموازى الجمالى للوطن الغائب، هذا التضاد بين المقدس والمدنس يبنى الحركة الثانية في القصة حيث الفن صراع وتوتر وهدم وبناء. وهنا تتجلى البراعة التشكيلية للقصة من حيث قدرتها على البناء والتشكيل وتوتير الجدل بين الشكل والدلالة،محققة بذلك مفاهيم التوازن والوحدة والاستمرار فى بنية الشكل القصصى بمعنى أن يتحقق فى النص هذا التوازن الحر الخلاق بين العناصر الجمالية والمعرفية المتصارعة التى تتفاعل من خلال وحدة انطباع إنسانى خاطف في القصة وهو حارس الوطن،وعندما تتحقق هذه المقدرة البنائية للقصة نرى الرمز القصصى ينفتح في نهاية القصة على دلالات لانهاية لها، فالفن الخلاق هو الظل الحائر المنتشر لا الشكل الواضح المحدد.نرى ذلك في الحركة الثالثة والنهائية للقصة، في قول الراوى:
(ألمح طيف أمي وسط تلك الجموع؛ تشير إلى جهة بعيدة؛ مغارة في جوف الجبل الأحمر؛ عليها جند غلاظ! يجوب الميدان رجل يشبه عمي أبوطيفة؛ ذلكم الرجل الذي جاء من زمن الأولياء؛ أشبه بالنخلة يتطوح ذراعاه في الهواء؛ يخرج من جلبابه لفافة التبغ؛ يردد أغنيته؛ أسمع نشيجه؛ كأنه جمل أصابه الحنين؛ ينادي على الذين عطروا المحروسة؛ يجري حتى يدرك مقام الحسين؛ أمكنة طاهرة؛ تفرد حمامة جناحيها؛ تتمايل ست الحسن والجمال؛ عند ضفة النهر قريبا من الميدان كانت صلاة الفجر؛ أبحث عنها تمسك بيدي؛ نظل بصدورنا نحرس حلم الوطن حتى تشرق الشمس!
هنا تتخلق ذات أخرى للوطن المتخيل بعد أن تلاشى الوطن الواقعى، وهنا تتجلى دلالات العنوان كأجلى ما يكون التجلى حيث يتجلى حارس الوطن فتشير خيالات الأمومة من بعيد من طرف خفى إلى صورة الوطن الغائب، الوطن الغارق في مغاراته البعيدة، الوطن الذى يذكرنا بعطر المحروسة حيث أولياء الله الصالحين وأجنحة الحمائم المرفرفة وبياض صلوت الفجر، وهنا يتجلى الشكل الرمزى للقصة بكثافة خصيبة حيث الشكل هنا ليس فى الرموز وليس في الاستعارات وليس في الصور والكلمات بل هو التعبير الكلى للرؤية والنمو العضوى للدلالة، (فليس المخطط الهندسى للقصة ـ هو شكل القصة ـ بل الشكل فى العمل الأدبى التعبير البنائى وليس المخطط الهندسى) كما يقول الناقد السورى خلدون الشمعة.
- ناقد مصري عميد أداب جامعة قتاة السويس سابقا
18- د. مصطفى السعيد - محاولة لقراءة "الولد ميمون"
ما بين "اعترافات كذاب" و"ورثة إبليس"، و"أقزام طوال" جاء هذا النص المبهر.
لم أجد في مفرداتي أبلغ من تلك العناوين -لألج أبواب تلك السردية الفريدة- والتي هي على الحقيقة لافتات لشاعر السخرية المدهشة أحمد مطر.
فالسارد هنا هو صاحب الاعتراف
يتساءل: هل يمكنني أن أكشف لكم سرا؟ ولا ينتظر الإجابة فهو يعني تقريرا "سأكشف لكم سرا"، ويمضي يردد مع مطر:
بملء إرادتي
ودونَما إرهابْ
أعترِفُ الآنَ لكم بأنّني كذَّابْ
ويعرض لنا مبرراته لهذا الاعتراف، وكأنه يتطهر مما اقترفه طوال سنين عمره المنصرمة خوفا من نهايته ويا لسخريته اللاذعة "وكل ما أخاف منه أن يقولوا: كان عظيما!"، وهو يكذب!
وخلال اعترافاته يقدم وصفا تفصيليا بل برنامجا نموذجيا مبينا الأهداف وخطوات التنفيذ مع الأمثلة المشروحة وكأنه من أولئك الذين علا طبلهم من أرباب "التنمية البشرية"!
وصاحبنا كما هتفت صاحبة "كشف المستور": على كل لون يا باتيستا!
فهو الإعلامي أرقط اللسان "يختزن مفردات لا قبل لأحد بها"، وهو الممثل المضحك الحاكم، وهو المخبر البصاص ذو الألف وجه، وكله من أجل الوطن.
ويراوغنا بين اعترافاته فهو الذي لا تخيل عليه ألاعيب الحاكم ولا يتملكه الوله بما يسبغ على نفسه من ألقاب وهالات تبهر أبصار غيره!
وها هو الحاوي الذي أتقن الرقص على شتى الحبال يصطنع بطولة زائفة، فلقد صار مطلوبا مطاردا من الحاكم!
وفي تغريبته لا تفارقه نفسه فهو هو المحتال صانع الأساطير المتعالي بها هنا وهناك "...، وصلت إلى هنا، في الحقيقة كل الأدوار التي أتقنتها هناك لم تؤد بصدق؛ يحلو لي الآن أن أكون حائك المدينة"! فهنا الذم المقصود به المدح.
وكأن مبدعنا جمع في اعترافات صاحبه الجميع في سلة واحدة: إعلام، وصحافة وسياسة كاشفا ما تحت الأقنعة مضمرا ما صرح به مطر:
وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشا، وباعكم فنونه
وقال : " إني راحل، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه"!
وما بين "وقت ناظره قريب"، و"الآلات والبطاقة الممغنطة" يمزج د. سيد شعبان ما بين الاقتباس من التراث وحداثة الحاضر وهو على ذلك في تضفير الحكاوي القديمة "القرد ميمون الذي يسرق الكحل من العين، و الفتاة التي تتحول إلى يمامة جميلة" مع "قناع الأناركية و القطار الآلي الذي يطير في السماء،... ويسابق الحيتان".
وكذا فهو "يضع طرف جلبابه بين أسنانه"، ويخدع الآلات الممغنطة!
وأختم بتلك الزخات الخارقة الحارقة والتي يطلقها أديبنا في لوحات تقطع نياط القلوب مميطة اللثام نزَّاعة لكل الأقنعة:
"..، ها إنها أكذوبة ترددها آلات الدعاية؛ يمجدون ذواتهم، يقدسون آباءهم، يرسمون من أوهامهم لوحات تعرض في صالونات القمار؛ يطول الليل بالجوعى؛ يفترس الشتاء قلوبهم، ومن ثم ينادون عاش الوطن!"
دام إبداعكم منيرا كاشفا.
---------
- أ. د. مصطفى السعيد
أستاذ الأمراض الجلدية والذكورة بطب المنصورة.
مهتم بالأدب والنقد
تلميذ د. إبراهيم عوض أستاذ الأدب والنقد بآداب عين شمس.
19- أ. د. عبد المنعم الملك عثمان - غوص في قصة (ناعم يا ملح) للقاص المصري الدكتور سيد شعبان
السردية عند دكتور سيد شعبان بلا شواطئ، ليس لها بداية ولا نهاية، مترامية الأطراف أشبه بمناخ خلوي لبدو، احتلوا قطعة من الأرض ووضعوا متاعهم فيها، متناثرا، فوضويا، لكنه متآلف، وهم في خلاءهم هذا، لا تحدهم جدران ولا يظلهم سقف.
والسرد عنده يتتابع بلا اتساق، فالعبارة لا تجر أختها، ولا الحدث يحدث عن بعده، تتساقط الجمل والعبارات في سرده على رأسك مثل كتل الأخشاب والقش والرمل، التي يجرها سيل التداعي.
فلا وجود لمتن حكائي عند دكتور سيد شعبان، إذ استبدله بمبنى حكائي خاص به، وهو استبدال يسم نصوصه ويعطيها ميزة.
والسرد عنده يجافي المنطقية، فلا بداية له، ولا توسط ولا نهاية، والأحداث السردية عنده تناوبية، يمكن رجها ونسفها وإعادة ترتيبها عشوائيا دون حدوث خلل.
ومعظم شخصياته طلسمية، غامضة، مفعمة بعبق التاريخ مثقلة بالحكمة، غيبية، ملامحها أحيانا تبدو مخيفة .. يصاحبها ضجيج مؤذي، وأحيانا مؤتلفة رائقة.
الألوان عنده لها دلالاتها الصارخة، ففي قصته (الببغاء) التي يقول فيها: (يبدو أن امرأة جاءت مسرعة في ليلة سوداء، تركب سيارة سوداء ؛ ترتدي نظارة سوداء؛ معها حقيبة سوداء، كل هذا السواد سهل لها أن تنزع سر حياتي؛ استدارت في سخرية؛ ثم قالت: الآن ما عاد منك نفع).
هنا يسرقك السواد إلى عوالم مدهشة، أو عوالم ساحرة، أو عوالم لأشخاص لهم مقدرات فوق التي يتمتع بها البشر، إنهم قادرون، وفاعلون ويحركون الأحداث،
والزمن عنده بلا ملامح، فهو يبتدر قصته بعبارة ليست لها تلابيب لتمسك بها، إذ يقول: (يرن الصوت في تتابع)، لكنه لا يبين لنا أي صوت هو، العلاقات الدلالية عنده تزاوج بين كائنات ليست من جنس واحد، (تلال الخوف والفقر)، القص عنده يوردك موارد الطلسمية، ويجرك جرا لعوالم غيبية، ويختلط الملح الأبيض الناعم بخشونة الحياة التي تتصبب عرقا، فجل رواته جدة تتعلق بالكرامات، وشيخ يبيع الحكمة.
(يرن الصوت في تتابع، يلفح الصيف وجوه المارة، لا وجود لصريخ ابن يومين)، عبارات رمى بها القاص في وجهنا لا نكاد نتبين منها إلا معنى واحدا: أن الحياة تمضي، رغم رتابتها، حتى أن كلاب السكك الضالة تلهث وتعب من بركة الماء الصفراء، كان ثمة فيضان، منذ أعوام لم يتجدد ماؤها، فالأحداث العظام هي من تجدد الرتم، وتحث الإيقاع.
والكاتب هنا مشارك في الأحداث، لقد سبق أن اتهم الطيب صالح بأنه مصطفى سعيد في موسم الهجرة للشمال، فلماذا لا يكون سيد شعبان هو الشاهد الصغير الذي بذاكرته التصويرية يسجل وينقل لنا هذه التفاصيل، إنه يستخدم ضمير المتكلم أحيانا، عندما يقول: نتجمع حين يهدنا التعب عند ضفة النهر، لن تخرج الجنية؛ إنه شهر مبارك، تصوم بالنهار، وتغازل القمر ليلا.
ولكنه في ذات الوقت يستخدم ضمير الغائب، عندما يصف مآلات وتصرفات شخوصه: فها هو هنا يصفها في لغة شعرية، قائلا عنها: تأتي في وهج الظهيرة، تحمل وعاء من خزف، تتمايل في دلال، يناغم بصوته: ناعم يا ملح!
تتراقص في مشيتها.
وهو تارة يدمج بين الأسلوبين، أسلوبي المتكلم والغائب، فيتشبب، ويسبق على النص دفقة من الرومانسية تخفف من وطء الطوطمية التي تمسك بعنقه: يتورد خداها، مثل الورد الأحمر وقد غازله الندى! ابنة عشرين عاما، حلوة، بل أجمل البنات، نظل نجري ونلعب.
فهو سارد يسير خلف شخوصه أحيانا، يصفهم بأدق التفاصيل، يغوص في دواخلهم ويتبنى مشاعرهم، بل يتخذ موقفا منهم: (من بعيد يأتي حاملا عصاه، إنه لا يعرف رمضان، يمسك بنا، تتابع ألفاظه مثل كوم السباخ سكنته الفئران، نجري في الحارة، لكننا لا نسكت، نظل نغني: مصلح يا ملح)
وهو يصاحبهم أحيانا أخرى مستخدما ضمير المتكلم، يتكلم عنهم بحياد لا يتبنى موقفا تجاههم، ولكنه يصف مظاهرهم، ولا يقول لنا لم كانوا هكذا: (يأتي صوت عجوز وقد أخرجها الخوف، تضرب الأرض بعصاها، تدوي في التراب خطواتها، تتماسك، تبتلع ريقها، تلوذ هربا).
تتخلص سرديات الدكتور سيد شعبان من مفهوم الحبكة، فلا وجود لحبكة تقليدية ولا حبكة عكسية ولا حبكة تنطلق من أسرها في منتصف المتن، ففضاؤها حر، وشخوصه بلا أدوار محددة، صناعة الموقف وبناء الحدث عندهم يمتثل للفعل المضاد تارة، وتارة يجري خلف صناعته، والقصة في تفاصيلها متناثرة يحتاج جمعها وتأملها إلى وقفات ووقفات.
ولك أن تحتار في قبض بطل قصته متلبسا بالسيطرة التامة على الأحداث، فالبطولة تطفو وتغطس حسب موقعها من الأحداث، ففي قصته هذه (ناعم يا ملح) كل شخص فيها يصلح أن يكون بطلا ومهيمنا، القاص نفسه، بائع الملح، الجدة، الجميلة المميلة التي لعبت بتوجهات النص، فأبدلت قتامتها تفاؤلا، واسترقت منه التفاتة من الغزل المريح.
ونسأل هل هناك توافق بين الصورة والرؤية عند سيد شعبان: حقيقة يمكن القول: إنه لا يمكن الحكم بسيطرة الصورة الخاصة بالقاص على السرد، أو على رؤى شخصياته من خلال قراءة في نص أو نصين.
لكن يمكن تبين أن الطقس العام لنصوصه ينطلق من تصور خاص للعالم من حوله، وأن البيئة التي تنطلق منها شخوصه، هي بيئة ذات ملامح واحدة متشابهة في معطياتها وشخوصها، لكنها متباينة في ردود أفعالها، ومتمايزة في ردود أفعالها عن البيئات الأخرى، مما يعطى القص عنده صفة الخصوصية، إذ يستنطق عوالما وأبعادا، ويصف حراكا لا علاقة له بجلبة العالم المتحضر ولا بصداماته المادية، فالصدام عنده تغلب عليه الميتافيزيقيا وتسيطر عليه الروح التلباثية.
ختاما: تخلص الكاتب من كثير من قيود القص، كالعقدة والحبكة والإثارة والتشويق وصناعة الفجوة الدرامية ثم سدها تدريجيا، ومن استنهاض المفارقة والطرافة في المواقف، معتمدا على تكثيف العبارة والوصف المتحيز مع أو ضد. والبعد عن الملمح التقليدي للقص سيظل يشكل خطورة على مدى فاعلية التلقي، وعلى الكاتب أن يتجاوز ذلك من خلال الوصف المتعمق واللغة الساخرة والناقدة على ألسنة الشخوص، إذ يلاحظ على الكاتب ميله لإشاعة جو من الغموض والطوطمية والتلباثية في فضاء أقاصيصه.
وتبقت الإشارة إلى حقيقة التألف بين النوبة شمالها وجنوبها في الطوطمية والطقوسية والغيبية والثقافة فقول: أم رمضان وراء الكوم تزرع ثوم!
يا خالة يا أم رمضان قومي اتسحري، بالجرجير والعيش الطري.
هو قول يقابله في السودان:
يا صائم رمضان قوم اتسحر
يا فاطر رمضان نوم اتندل
ناعم يا ملح
قصة قصيرة بقلم الكاتب المصري
د . سيد شعبان
يرن الصوت في تتابع، يلفح الصيف وجوه المارة، لا وجود لصريخ ابن يومين، بل حتى لا يفكر في مغادرة بيته المنزوي وراء تلال الخوف والفقر، حتى كلاب السكك الضالة تلهث وتعب من بركة الماء الصفراء، كان ثمة فيضان، منذ أعوام لم يتجدد ماؤها، تقال حكايات: إنهم بنوا سدا عاليا عند بلاد النوبة، ستأتي الخيرات لاحقا؛ هذه تميمة جدتي : كف مبتور مخلوط بدم أضحية العيد، لكنه يأتي على أية حال، وراءه سر يغلفه بألف حكاية، الفقراء يدخلون الجنة مبكرا، هذه كلمات الشيخ في ليلة النصف من شعبان، حين يتوقف المكان بسكانه، تزدحم أبواب السماء بأدعية المبتهلين، أراه كل يوم يجوب الحارة، يجتاز الأزقة المسكوكة عمدا؛ تنتهي بباب سد، يحمل جوال الملح، وللعرق في الصيف عناء، تلفح وجهه النار، تدفعه الحاجة إلى أن ينادي على بضاعته الكاسدة؛ ترى من يشترى الضنى وقد امتلأت الحياة رهقا: يا مصلح يا ملح!
صغيرا تبعته مثل ظل أعواد الذرة كنت أنا ذلك المغطى بكساء أزرق مثل النيل يوم كان يتهادى يحب المحروسة، يقبل شفتيها
ينظر إلى نافذة نصف مشرعة، تخرج يد بيضاء حلوة مثل حليب بقرة جدي، منديل يهفو به ألوان زاهية، حواشيه مطرزة بالخرز الفضي اللامع.
ينادي مرة ومرة، مصلح يا ملح!
تأتي في وهج الظهيرة، تحمل وعاء من خزف، تتمايل في دلال، يناغم بصوته: ناعم يا ملح!
تتراقص في مشيتها.
تصدر أبواب الحارة صريرها، تخرج همهمات والهة، تحدق عيون عطشى، ينساب العرق قطرات حارقة، يأتي صوت عجوز وقد أخرجها الخوف، تضرب الأرض بعصاها، تدوي في التراب خطواتها، تتماسك، تبتلع ريقها، تلوذ هربا.
يترك ملحه، يجرى في الناحية، يسقط منه كيس نقوده، تتناثر قروشه، نجري وراءه، نلهو بكلماته:
مصلح يا ملح
ناعم يا ملح!
يتورد خداها، مثل الورد الأحمر وقد غازله الندى!
ابنة عشرين عاما، حلوة، بل أجمل البنات، نظل نجري ونلعب، يأتي رمضان نلهو بكلماته، نسهر طوال الليل، فالحارة آمنة من العفاريت، لقد ربطها بسلسلة أكبر من قضيب القطار المصري؛ هكذا قال مولانا في الكتاب٠
أم رمضان وراء الكوم تزرع ثوم!
يا خالة يا أم رمضان قومي اتسحري، بالجرجير والعيش الطري.
نتجمع حين يهدنا التعب عند ضفة النهر، لن تخرج الجنية؛ إنه شهر مبارك، تصوم بالنهار، وتغازل القمر ليلا.
ننزل الماء، نمسك بالأسماك الصغيرة، نتذكر حكاية بائع الملح، نقلد حركاته، تضحك كما لو أن السماء أخرجت عصافير الجنة الخضراء تلهو .
من بعيد يأتي حاملا عصاه، إنه لا يعرف رمضان، يمسك بنا، تتابع ألفاظه مثل كوم السباخ سكنته الفئران، نجري في الحارة، لكننا لا نسكت، نظل نغني: مصلح يا ملح
تاعم يا ملح!
مضى أربعون شهرا، واحدا وراء آخر، بي للعب حنين؛ أرتدي الثوب الأزرق بلا سروال، أطلق ساقي تدب، ترى أين هي الآن؟!
أما تزال حمراء الخدين؟
يبدو أن الملح صار مجعدا مثل صوف الشاة، ضمر ثدياها، كانا مثل حبتي الرمان، تمزق منديلها ابتلعه البحر بملوحته.
انطفأت بلادي.
أم رمضان ما عادت تأكل الخبز الطري، مثل أعواد الحطب تذروها الريح كل مكان.
20- أ. د. فراس عبد الرزاق السوداني - قراءة في قصة «في شارع شُبرا»
خلَعَ المُبدع الدكتور شعبان على سرده «في شارع شُبرا» حُللَ الحُسن والبهاء مِن كلّ صنف ولون، بما أوتي من خيال القاصّ الموهوب ولغة الأديب المشبوب، فجاء نصّه هذا واسطة عقد نصوصه التي اطَّلعت عليها مذ جمعتنا صداقة فَسْبكيّة مباركة.
دقّةُ الوصف والتشخيص السمة الأبرز لهذا السرد، مع تشويق تنقطع دونه الأنفاس بكثرة التنقّل بين المشاهد المتوالية من جهة، والانتقال من وصف المشهد إلى الغور في أعماق الشخوص وترجيع صدى حواراتهم الداخليّة، أو نقل الحديث على ألسنتهم، من جهة ثانية.
والنصّ زاخر بالنقد محشوّ بالنصوص اللاذعة، وبعض هذا النقد يدلّ على وعي نادر من القاصّ بشتّى مناحي الحياة..
تأمّلوا معي نقده لحُمّى الإعلانات في مُدننا، إذ يقول: «لوحات الإعلانات تُخاطب أناساً لم يرهم مِن قبل»..
ثمّ ينتقل لنقد عِمرانها، قائلاً: «تبدو العِمارات على الجانبين بقايا جبال في مشهد يضج بالعبث»..
ويثنّي في ذات السياق قائلاً: «افترسَت المدينةُ التي بلا قلب شبابه»..
هذه النصوص الناقدة عجيبة مُعجبة، فقد استطاع بوعي الفنّان أن ينقد مآلات المدينة في نسيجها العِمرانيّ ومشهدها الحضريّ!!
أعجبني كثيراً تداخل الزمان والمكان في سرده، كقوله: «الآن.. غير بعيد منه» وأمثالها، وتقابل التشبيهات في نصّه وهو يصف محصّل التذاكر (الجابي) بقوله: «اقترب من نهاية الخدمة كما الحافلة التي تتداخل حوائطها»، فهذه التداخلات تشعرك باندماج الإنسان بزمانه ومكانه وبالجمادات من حوله، حتّى إنَّ نفحة من روحه لتضفي عليها شيئاً من روح!
فالجمادات عنده امتداد لحياة مَن يعيش فيها وبينها، فتتوهّم من مثل قوله: «يسرقان لحظة من حافلة مصابة بالخرس» بأنَّ الأصل في الحافة أن تتكلّم وتنطق وتعبّر. و«الحافلة -عنده- تتمايل طرباً» و«لوحات الإعلانات على جانبي الطريق تحاصر...» السائق.
وربما كان شغف القاصّ هنا بتحريك الجمادات وإنطاقها من نقده الخفيّ لأنماط عيشنا المعاصرة بتكنولوجيتها التي قرَّبت البعيد وأبعدت القريب، فلا يكاد الزوج يحكي مع زوجه ولا الولد مع والديه ولا الأخ مع أخيه ولا الصديق مع صديقه، ويجمعهم مكان واحد وتفرّقهم هواتف محمولة يتواصلون عبرها مع الأباعد من الناس!
وقد لاذ القاصّ بالكنايات، ليؤدّي الأغراض البلاغيّة من جهة، وليحافظ على مستوى نصّه الذوقيّ، من جهة ثانية..
تأمّلوا قوله: «كان ميتاً وحياته أن تأتيه أنثى تحرِّك ساكنه» وقوله: «يداعبها بعينيه» وأيضاً في قوله: «عيناه تقتحم خلوتهما المتوهَّمة».
في النصّ مقابلات مُبدعة أضفت على النصّ حياةً بما احتوت من مفارقة، كقوله: «تجاوب مع الفتى حين كان يُعابث الفتاة اللاهية.. امتعض من لحية الشيخ ذي العمامة»، فـ«عبث الفتى» ينفخ في مستكنّ الجمر تحت رماد الشباب الذاهب، و«لحية الشيخ» توقظه من هذا الشرود وتعيده إلى رشده الذي يؤرّقه، ولسان حاله يقول:
فلا يُبعد الله الشبابَ وقولَنا ** إذا ما صَبونا صَبوةً: سنتوبُ!
ويؤكّد على هذا المعنى من طرف خفيّ آخر، بقوله: «الفتى الذي كان يُعابث الفتاة يتصَّدر المشهد.. يحدث الركّاب عن مُتعة الحياة؛ أن يبحثوا عن الأمل.. ينهره الشيخ: الموت نهاية الأحياء».
ولا يخلو هذا النصّ الأخير من لمحة ناقدة لبعض دُعاة الدين المعاصرين الذين يقتلون في الناس الأمل بذكر الموت حيث يجب أن تُذكر الحياة، والحياة في سبيل الله أوّل مقاصد الشرع الحنيف؛ إذ الحياة خلقه والعيش فيها قيام بحقّ تكليفنا فيها!
آنسني كثيراً تضمينه البارع من فلم «Speed» الهوليوودي الشهير، في قوله: «على الشاشة نبأ عاجل: على المارين في شوارع المدينة توخي الحذر.. حافلة فقد السائق السيطرة عليها!»، وهي دليل آخر على وعي هذا الفنّان وتكريسه لمخزونه الثقافيّ في خدمة نصوصه.
هذه الثقافة التي يؤكّدها عدد من نصوص سرده هذا، فالسائق «يخرج عن وقاره في وصلة من موال الصَّبا»، والصّبا نغم حزين؛ لكنّ الحزن فيه مُطرب، وأصل الطرب في الحزن والفرح، كما هو معلوم.
ادّخر القاصّ نقده السياسيّ إلى آخر السرد، والتأخير كالتقديم يؤدّي معنى الاهتمام والتوكيد..
«توشك الحافلة أن تكون حديث المدينة، النسوة يحاولن ركوبها، يسابقهم الرجال.. وجدها المسئولون فرصة، أفسحوا لها الطريق!».
والرأي عندي أنَّ هذا النصّ الأخير هو مفتاح هذا السرد وغايته في آن، وإنّي لأتوهّمُ به «الحافلة» حياتنا المعاصرة بتناقضاتها، ومفارقاتها، وإيقاعها السريع، وحيرة أولي الأمر في إدارتها، ومحاولتهم لاستثمارها بما يضمن لهم كراسيّهم ومناصبهم، لا بما يؤدّي عنهم أماناتهم!!
ويأتي الختام ليزيّن لي وهمي الذي بُحت به إليكم هنا، فليس «بائع الأشياء الصغيرة» إلا واحداً من أولئك المسؤولين الذين يمكرون ويُغافلون ويسلبون، مُتَّكئين في ذلك كلّه على غباء الشعوب وغفلتهم..
«على حين غفلة شدَّ بائع الأشياء الصغيرة مقبض الحافلة.. توقَّفت، بعدما سلب عقد المرأة المتصابية!».
هذا نصّ مفعم بالحيويّة والنقد، موّار بالحياة، ولا غرو.. فالأديب من صُنّاع الحياة، والله تعالى أعلم بمراده من ذلك كلّه!
21- د. أحمد مجذوب الشريفي - قراءات نقدية متاهات السرد المجزأ وقـوانين الربـط والتجاور الدلالي
كتابات د. سيد شعبان عندما تقرأها تجد نفسك قد دخلت في متاهات، فالنص عادة متشعب الأحداث، دروبه قصيرة، يقفز بك من حدث ليقربك الي حدث آخر ثم يبعدك تماما من الحدث الأصلي ، قبل أن تلتقط أنفاسك تجده قد أعادك الى حدث سابق فلاحق فسابق، حتي تجده قد أوصلك الى فكرته الأساسية التي بني عليه نصه، صورة قريبة وأخري أقرب، يصور لك المشهد بوصف دقيق كأنك تراه، يجعلك تنازع الروح بسرد عجيب فتحتار أيكتب قصة؟ ، نعم هي كذلك و ان ابتعد بها عن القواعد المعروفة، ثم تبعد القصة كلية من تفكيرك و أنت تقرأ لتقول لنفسك لا هذا سرد نثري لأحداث نمت وتطورت من حدث واحد أو قل لا شيء، سرعان ما تتجمع لديك مقاطع تكون موضوعا.
اذا تتميز كتابات د. سيد بالتجزئيي و التقطيع غير المترابط (ظنا) ، لكنه مترابط من حيث الانتقالات بين الأحداث التي تعبر عن روح المكان بكل حركاته و انفعالات مجتمعه بشخوصه وحيواناته وجماده، و كأنه يفلت الحبل من هنا ليقبض ذاك الحبل ، فالمجتمع الريفي حركي ، فحدث هنا يربط حدث هناك، صورة هنا و أخري بعيدة "وحدة موضوع" لكنها تختلف في فهم د. سيد فوحدة موضوعه "الريف" ، "القرية" ، شخص واحد، لكنه كأنه يمثل القرية كلها، الهم، الفكر، الأكل، كل نمط الحياة واحد، لهذا يتموضع القارئ زمنا في انتظار ما سيحكيه السارد، وهذا ما يبدوا واضحا في كل كتابات د. سيد السردية، فقارئه يكون في حالة شبه مطمئنة، حين يرافق السارد، غير أن هذا الاطمئنان سرعان ما يتلاشي لصعود و هبوط السرد و تغير الزمان و المكان مرة نحو الماضي(استرجاع زمني)، ثم الحاضر و عين ترقب نحو المستقبل.
حيث تجد الانسان الريفي بكل مدلولاته العميقة المتجذرة في البعد الريفي، فحكاياته التي يسردها بوحدة و تعدد مواضيعها موغلة في التراث الشعبي والفلوكور المحلى ، نعم هو يفصح عن هذا بصورة مباشرة ، لأنك تجد انسانه وموضوعه بسيط، معفر بالتراب ، موشح بالطين، متسربل بما يلبسه جديدا كان أو قديما، و اغلبه قديم، منغمس في عالم السحر و الدجل و الشعوذة، و أولياء الله الصالحين، يرتدي الطين ثوبا ، يلفحك عرقه النقي الذي لا تشم رائحة العفن فيه ، فهو عرق فلاح ، عامل بناء ... الخ ، لاستمرار حركته لا يركد عرقه ، فتبخره الشمس سريعا ، ثم تتجدد جداوله ليخر في الجسم عرقا جديدا..
سرديات د. سيد شعبان تصلح لبناء دراما فكاتباته قريبة جدا الى كتابات السيناريو ، وانتقالات الكاميرا و مقاطع الصوت بكل مؤثراته ، يظهر ذلك جليا اذا قرأت بحواسك كلها و انت تستحضر المشاهد و كيفية معالجتها، فلديه مسألة تجزئة النص وتقسيمه إلى أجزاء إحدى المسائل الأساس في بناء عمله السردي، الذي يسمح فيه عالم الفيلم المجزأ إلى وحدات من الصور، بعزل أي جزئية يمكن لها أن تتمتع بنفس القدر الذي تتمتع به الكلمة، وبالتالي يمكن فصل أي صورة منفردة عن سياقها وتركيبهـا مع صـور أخـرى وفق قـوانين الربـط والتجاور الدلالي، بالتالى تكون سردياته تأخذ الاتجاهين الصوري و الكلامي ، فقد برع أن يحيل صورة المشهد الجامدة الى كلام، تفهم منه ثم تنتقل الى الصورة فيرسخ المشهد في ذهنك.
فمن سردياته "حدث مرة" نجد هذا الترابط في شخصياته " وإمعانا في الغرابة؛ ارتديت تلك الثياب، صرت رجلا آخر، احتفى بي المارون، بالغوا في احترامي؛ جاءوا إلي بحصان أبيض أركبوني فوقه، تجمع العشرات حولي، صاروا يتنادون: لقد عاد عرابي من جديد، أتحسس وجهي فإذا شارب كبير قد نبت، رأسي يعلوها طربوش سلطاني أحمر، أحقا عاد عرابي؟ "
لنقرأ من "رجل يسكن القمر" ونادرا ما يحدث هذا؛ يقال إنها شجرة تحفها عناية الله؛ تربض تحتها جنية منذ مئات الأعوام، جلس تحتها قطز وبيبرس يوم أن هزموا جحافل التتار، آوى إليها عبد الله النديم حين اختفى عن عيون الوشاة؛ في بلاد يتجمع فيها الفرح والقهر في مشهد واحد؛
و نقتطف من "التائه" (طافت بي أمي عيادات الأطباء، أزارتني مقامات الأولياء، ثم بعد غادرت الدنيا ولما ترى لي لسانا مثل كل الأطفال) لا ينتهي توهان السارد هنا بل في رجل يسكن القمر تستمر حالته كتائه " سرت أشبه بريشة تذروها الريح، هل أنا التائه من عالمه أو الهارب من أيامه؟ "و كذلك " جئت إلى هنا وحيدا، لم يكن يسمع بي أحد، في عالم مصاب بالجنون تبدو الأشياء بلا نفع"
اذا هكذا د. سيد شعبان ، سرده لا يخاطب العامة ، و كذلك لا يخاطب الخاصة ، اذا من يخاطب ، في تقديري يخاطب نفسه على الورق، فالانسان عندما يخاطب نفسه يصدقها، فعادة ما يركن الانسان الى نفسه لحظات الضيق و حتي الفرح، بالتالى يكتب بصوت مسموع ليفرغ تراكمات مجتمعات ريفية عاشها ، أشخاص علي هامش الحياة مر بهم أو مروا به ، لهذا قلت سابقا يدخلك في متاهات ، و متاهاته ليست اعتباطا لأن حياة هولاء الذين شغلوا فكره فكتب عنهم ، نفسها متاهات ، فالعامة لا يستهدفها بكتاباته هذه ، فالمتاهات التي يكتب بها تجعلهم يجفلون من القراءة و قد يحدث لديهم حالة من "الغبش الفكري" ، و لا الخاصة ، لأن للخاصة قواعد يصعب الخروج عنها فتكثر تساؤلاتهم ،عن و عن فيحدث هرج ذهني ، و علي هذا يتحاشي د. سيد هذا و ذاك فيكتب أو كأنه يكتب لنفسه ، محتفظا بمسافاته الجمالية لكل حالة سرد.
بين تفاصيل هذا السرد تتشكل المسافة الجمالية التي يقدمها ، بوصفه جنساً سردياً، تتحدّد هويته الفنية في تشكيلات العلاقة وماهيتها بين السرد والتلقي ، و ما هو متروك للقارئ المتلقي وفق مزاجه و ثقافته و اهتمامه ، فتتمدّد الدلالات باستخدام اسلوب الاستدعاء الحر ، أى التذكر أو الاسترجاع الحر وهو نموذج أساسي في الدراسة النفسية للذاكرة. وهنا هو ذروة الصراع المتشتت في هذا السرد ، من هنا قاد د.سيد شعبان نصوصه بتمدد دلالاتها و لم يضيع البوصلة بل فتح للقارئ استدعاء حر من خلال صور ومواقف واشتباكات ، قد تكون متشتتة ، ولكنها تلتصق بخيط خفي داخل السرد.
22- أ. د. حسام عقل عن القصة القصيرة 'شعبور،'
بلغت خطوات فساحا ً ، لاحد لإدهاشها وجمالها السردي المصقول ،، نمط السرد العجائبي ، الذي توظفه انتجاع لمساحة شديدة البكارة والجدة ،، القطط عند السواقي والمأذنة الخضراء وابنة الحاكم الممسوسة ، و غيرها من المكونات الغرائبية ، رسمت لوحة متعرجة مثيرة ، تخاطب الوعي و اللاوعي معا ،، أداؤك اللغوي الجامع بين الفحولة و العصرية و طزاجة المعجم الناضر ، أضاف ضميمة أسلوبية، لجمال اللقطة و غوايتها!
شعبور
ليتني كنت رساما؛ ساعتها كانت لغة الألوان تعبر أفضل من تلك الحروف، على أية حال تتداخل أجزاء حكايتنا لتكون لوحة عجائبية، أصوات مرعبة تتناهى إلى سمعي، واهنة لكنها تجسد رعبا؛ لم تكف الجدات عن تلك الحكايات الموغلة في الماضي.
ثمة ساقية تسكنها القطط الحمراء، لها عيون تومض بريقا في العتمة، تخرج تلك عند منتصف الليل تتمسح بأرجل القادمين، يقال إنها تتطاول حتى تبلغ حجم بقرة الهنادوة؛ أولئك قوم يعرفون بالطيبة وبسطة الجسم، ﻻيردون سائلا ولا يخذلون محتاجا، الناس في كفرنا يحتاطون منها، يعدون السمك ﻷجلها، رغم أنها لا تتناول طعاما ولا تحتاج إليه، يخافون منها، حين كنت صغيرا نازعتني نفسي أن أمسك بواحدة منها، يحلو اللعب بها، كمنت حتى إذا أظلمت الدنيا، خرجت أحمل سلة، أمسكتها بإحكام، أخذت معي حبلا وقناعا؛ حتى لا تعرفني أمها، في هذه الساعة لا يأمن الطفل على نفسه.
تسللت كنملة تدب دونما تصدر صوتا، جاءت واحدة نافرة شعرها، تمشي على رجليها الخلفيتين، لها رأس عنزة كبيرة، أذناها تتدليان يشبهان غطاء ماعون كبير.
تملكني الرعب؛ تشجعت، كيف لفتى أن تخيفه قطة، حين اقتربت منها، أحاطتني برجليها الأماميتين، تقفازت مسرعة مرة أمامي، أخرى من خلفي، يبدو أن خطرا يحيط بي، سردت لي جدتي حكاية لأنام:
رغيف خبز يتمدد كلما اقتربت منه أيدي الجوعى، يتسلل الواحد منهم من وراء أخيه، يحشون بطونهم بتلك الأرغفة الشهية قبل أن يأتي زمن الجوع المنتظر، يعدون لاحتفالية كبيرة، أضواء تختطف الأنظار، زينة في كل ناحية، يبدو ذلك من أبعد مسافة، فثمة مأذنة ضوءها أخضر كأنما هي جبل يشعلون به نارا، فالوالي يجهز قصرا كبيرا، يسرق الحرفية ويلقى بهم هناك، سيكون هناك سوق للشعر وآخر للعبيد وثالث تجري فيه الخيول، لن يدخله إلا التجار والأشراف، يتسارع الناس عند ديوان الوثائق؛ يبحثون عن سلسلة نسب شريف.
تكمن عند بوابة المتولي قطط وكلاب، الحراس يرقبون العابرين بعيون لا تطرف؛ يخشون من حادث غير متوقع؛ ميلاد ابنة حاكم المدينة، تجار الحلوى قدموا عرضا غير متوقع؛ باعة ألعاب الأطفال خفضوا أسعارهم، مراجيح مولد السيدة أم هاشم فيها اللفة بنصف ريال، لم يهتم بائع الخبز بكل هذا الاحتفاء، إنه يعاني كثيرا، الرغيف لا يقبل الاشتراك في الأعياد؛ بالخبز وحده يملأ الجوعى بطونهم، يتجرعون شربة ماء ثم يزهون بالحمد.
يبدو متعبا، ينام من الليل قليلا، لديه واجبات لابد أن يؤديها؛ يستطيع الناس أن يستغنوا عن الحلوى ولعب الأطفال، لا يمكن حدوث ذلك لصاحب الخبز، تجمع تجار المدينة، وشوا به إلى الحاكم؛ إنه لا يشعر بأهمية الاحتفاء بتلك المناسبة النادرة!
انحنى ظهره؛ خمسين عاما ويزيد يشعل الفرن بالفحم، تعلوه حدبة أشبه بحجر طاحونة الرحى، يدور رغيف في إثر رغيف، تتلقف بطون المجاورين في الأزهر؛ درب الأتراك يفضي إلى درب الجماميز، والقلعة سجن يقف على بابه أغوات يتوعدونهم بالعصي؛ يتلقونهم بسياط تترك وشما أزرق على أجساد المنفيين في دروب المحروسة.
انتهزها فرصة لينظر أيهم أكثر نفعا، طلب إليه الحضور، لم يأت بعد، زادت شكاية الآخرين؛ إنه يهزأ بتقاليد مولانا، يتكبر؛ يبدو مصابا بمرض العظمة، أسرها الحاكم في نفسه، يشعر بمرارة لا تنتهي، توسوس إليه زوجته: أصدر أمرا باستدعائه مربوطا في حصان البلدية، حافيا أو عريانا؛ فالناس هنا تتساءل: هل صار الخباز هو حاكم المدينة؟
أخذ يفكر في تلك الوشايات، يتحدث عن أثرها عليهم، يتناقلون شائعة: الخباز يحتال ليغير مجرى النهر؛ يعد لهذا الأمر منذ سنوات، يخدعنا بصنعته تلك؛ يوجد سرداب خفي يبدأ من خزانة الدقيق وينتهي عند مدخل الصحراء، يستخدم لتلك المهمة البدو والغجر، يبدوان متحاربين في الظاهر؛ عكس هذا يتعاونان ﻷجل هدف غامض، يطوف بمدينتا شعبور الساحر؛ يجمع أخبار الحاكم؛ يتعرف على موضع الضعف في مجرى العيون، يخفي أوراقا وأقلاما في عمامته.
أخذت الحادثة تسيطر على أذهان سكان الحارات القريبة من بوابة المتولي؛ كل يوم يخرج الخباز إلى النهر يأتي بالماء ليعجن أرغفة شهية؛ تتراقص في أفواه الجوعى؛ تمدهم بطاقة الحياة، يفرحون بها؛ تجعل بطونهم ممتلئة؛ يتجرعون الماء، يتناقص النهر كل يوم شبرا، فالسماء لم تأت بمطر جديد، باعة الحلوى يشتكون من بوار سلعتهم؛ لا حاجة لسكان حارة المغربلين أو السروجية بل ولا درب الهوى حتى درب سعادة بشيء منها؛ منع الحاكم إقامة موالد ﻷهل البيت؛ فالنهر في خطر!
صار شعبور ذلك النمام الذي يتسمع الأخبار، يضع أذنه حيث يكمن تحت نوافذ البيوت؛ فالمدينة أشبه ببلدة تتجاور، الحاكم يشغل كل شعبور ممزق الثياب، تبدو ريالته صنبور يدفع بالماء من سبيل أم عباس، تتقافز قرود الجبلاية المؤدية إلى الجبل الأحمر.
يتمايل شعبور في نواحي المحروسة، له شارب يقف عليه الصقر، تتدلى من رقبته خمسة وخميسة؛ أذنه اليمنى مثقوبة؛ يقولون: أمه لم يعش لها أولاد، جاءت به قومها في أمشير؛ كانت ليلة شديدة الريح، اشتعل فرن الخباز سبعة أيام، خرجت منه قطة سوداء لها ذيل طويل، زارها في المنام هاتف؛ أسميه شعبورا، له سر باتع، صنع الخباز فطيرة محشوة بالحمام، شعبور لا أب له، معاذ الله أن تكون حملت به من باب خفي؛ هجرها أبوه، كانت قطعة فحم تنتقل من بيت إلى آخر؛ توارث شعبور عنها زيغة العيون، والوشاية بمن أحسن إليه.
وسوس شعبور لحاكم المدينة؛ مقتلك في رغيف مخلوط بدم سلحفاة عجوز، أرسل في أنحاء المدينة أقتلوا كل سلحفاة أو ادفعوا به في فرن الخباز.
بنت الحاكم ممسوسة، عجز جن سليمان أن يداويها؛ شائعة أطلقها شعبور؛ بنت حلوة، خدها تفاح أحمر، شعرها يسبح في النيل،يتماوج في رقصة شمس الأصيل، جيدها أشبه بإصبع الموز، كيف لشعبور النمام أن يدخل القصر، أدار حيلة وراء أخرى.....
23- خليل الجيزاوي - عن قصة: "مولانا أبو الأرجاب الثلاثةّ" للدكتور سيد شعبان
"المرأة امرأة ولو كانت وزيرة، والرجل رجل حتى لو كان مولانا الشيخ أبو الأرجاب، هكذا يدهشنا الدكتور سيد شعبان بسرده الماتع، يسرد كأننا نرى مشهدا حيا يتحرك أمامنا على شاشة سينما الحياة، ويأخذك بوصفه الشيق حتى تشتم عطر المعلمة توحه وتسمع شخللة الغوايش في يدها وهي ترحب بالشيخ القادم، عله يبل ريقها بشمة وطله بعد جفاف ريقها الأنثوي من يوم رحيل زوجها الخامس، قصة قصيرة بامتياز وسرد يجذبك ولا تستطيع الفكاك منه إلا وأنت تقرأ الجملة الأخيرة، ومدد يا شيخنا أبو الأرجاب الذي شرف الرجال.. كل الرجال. "مولانا أبو الأرجاب الثلاثة انتفخت أوداجه وطالت لحيته في هذه العشرية التى ضرب أثداءها الجفاف؛ هل تراه يعاني مما يضرب الناس بسوطه؟ يجري الناس هلعا فثمة طاعون يهز العالم من حوله، رجال مكممون ونساء منقبات، فالموت على الأبواب وفي الشوارع، أما هو فيمد رجليه ويتمطى في جلسة لا يحسن غيره إلا أن يقلده. أخذ يمد فمه الذي يشبه زلومة الفيل ويغمسها في قدرة المعلمة توحة التي تقف عند ناصية حارة البهلوان في كفرنا السارح في النسيان؛ بنت بلد وتعرف الطريق إلى احتواش جنيهات نسوة الكفر أقراص الطعمية جعلتها موضع حديث النسوة؛ سر خلطتها لايعرفه غير مولانا أبو الأرجاب، شملولة وتخطف حلاوتها العين؛ وقف عند قدرتها وفتل شاربه الذي تساقطت منه بضعة شعرات؛ يقال ثمة صرصور يأتي بالليل ويقتنص واحدة كل آونة؛ حصيلة قدرتها تزيد كل يوم؛ تشخشخ بها الفضية. ضربة بغمزة عين؛ تزهو المعلمة التي تعرف كيف تصطاد حبات الفول من قدرة تعج بالعدس- - يمين الله يا سيدنا أبو الأرجاب لتنزل من على حمارك المحروس ذي الطلعة البهية؛ ادخل ياسيدنا وبارك مطرحنا؛ خمسة أرغفة في عين الحسودة تفيدة. تمطى أبو الأرجاب الثلاثة، في جنبه كتاب اصفرت أوراقه وتهرأت حواشيه؛ تمتم بكلمات سمعتها المعلمة احمر وجهها؛ تعرف مقصوده، سرت رعدة في جسدها؛ منذ أن ترملت بعد حسونة فحلها الخامس ضربتها الملوحة؛ لمعت عيناها في مرآة بجوارها؛ سرى الدم في خديها؛ فكت ضفيرتيها؛ أزاحت قمطة رأسها: حلو يا شال مولانا آه منك يا قلم أبو الأرجاب! ترش الملح سبع مرات، تعطر المطرح بماء الورد، مولانا سره باتع؛ في حارة البهلون العانس يفك بختها ويصرف كيد شيطانها، والمطلقة يحضر لها ابن الحظ؛ دارت به الأرض من حلاوتها؛ حصالة تلمع وأنثى تروي عطشه. ما ترك وليمة إلا وتصدرها؛ ينهش بأصابعه ويمرغ وجهه بدهنها؛ تنتفخ بطنه فيحبس بكوب من شاي معتق ينعدل به مزاجه. تخطو المعلمة فتبدو قدمها المحناة بدم غزالة؛ تتغنج فيلامس لحيته؛ يهتز ردفاها فتلمع عيناه؛ يهتف بصوته المتماوج: مدد يا أم هاشم! تسارع إلى حصالة فضيتها فتفرقها بين يديها فتبرق منها عيناه، يعتدل في جلسته؛ يظهر تمنعه، ترمي بشباكها: أنا الطبيب لكن عين الهوى جرحاني! عز الدوا ومن هواها شفائي! أطلق عليه أبو الأرجاب منذ وطئت قدمه كفرنا؛ بعضهم يراه مجذوبا يأتي بأفعال المجانين؛ يرفع عجيزته وقد يوشك أن يخلع هدومه؛ ساعتها ترجو النسوة أن الأرض لو تنشق فتبتلعهن! غير أن توحة المعلمة تنظر من طرف خفي؛ ترجوه فحلا ومن غيره في كفر البهلوان يصلح لها وقد اعتصرت قبله خمسة رجال. تتراقص في يديها غوايش الذهب وتتدلى شراشيف عقدها ذو الكف أبو خمسة وخميسة. يجري أبو الأرجاب فتنفك تكة سرواله؛ يبدو وتده عصاه الثانية يتوكأ عليها؛ تطرح كل واحدة من نسوان حارة البهلوان طرف جلبابها فتغشاه ساترا لعينيها؛ فضيحة على مرأى الجميع، غير أن توحة تشتهي بطرف خفي؛ سبجعلها عروسا بنت العشرين وقد أوشكت سن اليأس أن تضربها بمعولها الذي تذبل منه العيدان الغضة. تمني نفسها بليال مخملية؛ سترقص ما وسعها الجهد؛ تعرف أشكالا من زينة؛ ستغريه برائحة عطر اشترته من رضا العطار؛ هل تراها ستنال غرضها؟ تلطم خديها؛ لقد صارت حصالة نقودها صفرا تدوي فيه الريح!
"مولانا أبو الأرجاب الثلاثةّ"
للدكتور سيد شعبان
انتفخت أوداجه وطالت لحيته في هذه العشرية التى ضرب أثداءها الجفاف؛ هل تراه يعاني مما يضرب الناس بسوطه؟
يجري الناس هلعا فثمة طاعون يهز العالم من حوله، رجال مكممون ونساء منقبات، فالموت على الأبواب وفي الشوارع، أما هو فيمد رجليه ويتمطى في جلسة لا يحسن غيره إلا أن يقلده.
أخذ يمد فمه الذي يشبه زلومة الفيل ويغمسها في قدرة المعلمة توحة التي تقف عند ناصية حارة البهلوان في كفرنا السارح في النسيان؛ بنت بلد وتعرف الطريق إلى احتواش جنيهات نسوة الكفر أقراص الطعمية جعلتها موضع حديث النسوة؛ سر خلطتها لايعرفه غير مولانا أبو الأرجاب، شملولة وتخطف حلاوتها العين؛ وقف عند قدرتها وفتل شاربه الذي تساقطت منه بضعة شعرات؛ يقال ثمة صرصور يأتي بالليل ويقتنص واحدة كل آونة؛ حصيلة قدرتها تزيد كل يوم؛ تشخشخ بها الفضية.
ضربة بغمزة عين؛ تزهو المعلمة التي تعرف كيف تصطاد حبات الفول من قدرة تعج بالعدس-
- يمين الله يا سيدنا أبو الأرجاب لتنزل من على حمارك المحروس ذي الطلعة البهية؛ ادخل ياسيدنا وبارك مطرحنا؛ خمسة أرغفة في عين الحسودة تفيدة.
تمطى أبو الأرجاب الثلاثة، في جنبه كتاب اصفرت أوراقه وتهرأت حواشيه؛ تمتم بكلمات سمعتها المعلمة احمر وجهها؛ تعرف مقصوده، سرت رعدة في جسدها؛ منذ أن ترملت بعد حسونة فحلها الخامس ضربتها الملوحة؛ لمعت عيناها في مرآة بجوارها؛ سرى الدم في خديها؛ فكت ضفيرتيها؛ أزاحت قمطة رأسها: حلو يا شال مولانا
آه منك يا قلم أبو الأرجاب!
ترش الملح سبع مرات، تعطر المطرح بماء الورد، مولانا سره باتع؛ في حارة البهلون العانس يفك بختها ويصرف كيد شيطانها، والمطلقة يحضر لها ابن الحظ؛ دارت به الأرض من حلاوتها؛ حصالة تلمع وأنثى تروي عطشه.
ما ترك وليمة إلا وتصدرها؛ ينهش بأصابعه ويمرغ وجهه بدهنها؛ تنتفخ بطنه فيحبس بكوب من شاي معتق ينعدل به مزاجه.
تخطو المعلمة فتبدو قدمها المحناة بدم غزالة؛ تتغنج فيلامس لحيته؛ يهتز ردفاها فتلمع عيناه؛ يهتف بصوته المتماوج: مدد يا أم هاشم!
تسارع إلى حصالة فضيتها فتفرقها بين يديها فتبرق منها عيناه، يعتدل في جلسته؛ يظهر تمنعه، ترمي بشباكها: أنا الطبيب لكن عين الهوى جرحاني!
عز الدوا ومن هواها شفائي!
أطلق عليه أبو الأرجاب منذ وطئت قدمه كفرنا؛ بعضهم يراه مجذوبا يأتي بأفعال المجانين؛ يرفع عجيزته وقد يوشك أن يخلع هدومه؛ ساعتها ترجو النسوة أن الأرض لو تنشق فتبتلعهن!
غير أن توحة المعلمة تنظر من طرف خفي؛ ترجوه فحلا ومن غيره في كفر البهلوان يصلح لها وقد اعتصرت قبله خمسة رجال.
تتراقص في يديها غوايش الذهب وتتدلى شراشيف عقدها ذو الكف أبو خمسة وخميسة.
يجري أبو الأرجاب فتنفك تكة سرواله؛ يبدو وتده عصاه الثانية يتوكأ عليها؛ تطرح كل واحدة من نسوان حارة البهلوان طرف جلبابها فتغشاه ساترا لعينيها؛ فضيحة على مرأى الجميع، غير أن توحة تشتهي بطرف خفي؛ سبجعلها عروسا بنت العشرين وقد أوشكت سن اليأس أن تضربها بمعولها الذي تذبل منه العيدان الغضة.
تمني نفسها بليال مخملية؛ سترقص ما وسعها الجهد؛ تعرف أشكالا من زينة؛ ستغريه برائحة عطر اشترته من رضا العطار؛ هل تراها ستنال غرضها؟
تلطم خديها؛ لقد صارت حصالة نقودها صفرا تدوي فيه الريح!
24- منى مصطفى: د. سيد شعبان قلم ثري وموهبة في السرد
د. سيد شعبان قلم ثري وموهبة في السرد لا تسمح لك بترك القصة إن بدأتها حقيقة لم أقرأ قصة قصيرة كالتي يكتبها ... ربما ينسج من حدث واحد يُكتب في سطر واحد قصة ذات مشاهد مثيرة وكثيرة يذكرني بقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله (وإني لأقرأ الجملة الواحدة من التاريخ فأنسج حولها قصة كاملة ) ثم هو ينقلك من بيئة لأخرى بفن عجيب بل ينقلك من حالة الحزن للفرح للتعاطف للغضب في نفس المشهد وأنت لا تملك الا الاستسلام الكامل للسير معه فيما أراد أن ينقلك إليه... يعتمد على العاطفة في التأثير لا على كثرة أحداث القصة مما يجعل القاريء لا يتسرب اليه ملل ثم هو يرسم لك كل بيئة كأنه ابنها الذي لم يعرف غيرها ... وفي كل هذا يستخدم لغة راقية تأتمر بأمره دون أن تخذله في رسم المعنى أو الصورة أو العاطفة وكل ذلك في بيان جميل
=========
* دراسات نقدية عن سرد سيد شعبان (ملف)
1- محمد موسى العكادي - حول قصتي القصيرة ثرثرة العجائز
2- د. محمد موسى العكادي - سردية " في دفتر اليومية"
3- عمرو الزيات - كيف ننام ودسوق لا تنام؟!!
4- على أحمد: - جماليات السرد في قصص دكتور سيد شعبان
5- د. رامي هلال -قراءة في قصة (قرد إفريقي) للدكتور سيد شعبان.
6- أ. د. عزة شبل توظيف الحس الشعبي في بناء محلية القص 7- أ. د. أحمد فرحات - دكتور سيد شعبان .. السارد وحكايات الجدة
8- د. خالد سعيد - راو طيب وراو ماكر- قراءة في قصة شجرة المانجو للأديب سيد شعبان
9- محمود سلطان - د. سيد شعبان.. يفكك "أطر التقليد" ويبدع "فنا" جديدا!
10- د. آمال فرحات - دكتور سيد شعبان .. السارد وحكايات الجدة
11- محمد ناجي - السرد المموسق في سرد د. سيد شعبان:
12- د. محمد موسى العكادي - قراءة في "التائه" للكاتب: د.سيد شعبان
13- د. فائز أحمد - متلازمات السرد عند سيد شعبان
14- د. مدحت عبد الجواد - قراءة لقصة (في شارع شبرا) للدكتور سيد شعبان
15- د هشام المنياوي - عن القصة القصيرة "ابن العنزة" لــ د. سيد شعبان
16- أ. د. محمود المهدى - قراءة لنص (الملك لك ياصاحب الملك)
17- د. أيمن تعيلب - ثلاث حركات تعيد بناء الوطن... قراءة في قصة ( رجل يحرس الوطن) للكاتب الدكتور سيد شعبان
18- أ. د. محمود المهدى - قراءة لنص (الملك لك ياصاحب الملك)- د. مصطفى السعيد - محاولة لقراءة "الولد ميمون"
19- أ. د. عبد المنعم الملك عثمان - غوص في قصة (ناعم يا ملح) للقاص المصري الدكتور سيد شعبان
20- أ. د. فراس عبد الرزاق السوداني - قراءة في قصة «في شارع شُبرا» للدكتور سيد شعبان
21- د. أحمد مجذوب الشريفي - قراءات نقدية متاهات السرد المجزأ وقـوانين الربـط والتجاور الدلالي
22- أ. د. حسام عقل عن القصة القصيرة 'شعبور،'
23- خليل الجيزاوي - عن قصة: "مولانا أبو الأرجاب الثلاثةّ" للدكتور سيد شعبان
24- منى مصطفى: د. سيد شعبان قلم ثري وموهبة في السرد
تحية تقدير للناقد البارع عمرو الزيات حيث حرك رغبتي؛ لمطالعة هذه القصة عندما قرأت تعليقه، ولاسيما أنها عمل مغاير لكل ما سبق من أعمال للدكتور سيد شعبان.
تتجلى عبقرية القاص في مدى قدرته على انتقاء، واختيار بدائل أسلوبية بعينها، وتشكيلها وتوجيهها وجهة بذاتها؛ لتعبر عن مشاعره، ومدى قدرته على التأليف والمزج بين هذه البدائل؛ ليصبح عمله صورة لعالمه الأدبي، ومن هنا على الناقد رصد هذه البدائل والكشف عن جمالياتها، دون محاولة لتلمس أسباب الاختيارات التي قد يعجز المبدع نفسه عن تبريرها.
الأسلوب والإيقاع : ورد بالقصة ( 135 فعل )، ( 35 فعلا ماضيًا ) و( 100 فعل مضارع ) ولم يرد فيها فعل الأمر مطلقًا ..هذا يدلل على أن معدل الحركة باستخدام المضارع حوالي( 74 ٪ ) وهذا يعطي إشارة إلى مدي مايتصف به أسلوب المبدع من حيوية وحركة، كما يبين قوة حيوية القصة وتفاعلها الذي يبرز من خلال قوة المؤشر الأسلوبي الحركي ودمجه مع الألفاظ الإيقاعية .
- الصور البلاغية ( وردت الاستعارة 60 مرة – والكناية 70 مرة – والتشبيه والمجاز 10 مرات) هذا باعتبار تداخل الصور وصلاحيتها للتعبير عن أكثر من وجهة .
وهذا يعطينا دلالات قاطعة على قوة الجانب الدلالالي الأسلوبي في سرد الماتع دكتور سيد شعبان على أن هذه القيم تشكل نسبًا مرتفعة في الدلالات الكلية إذا ما قيست بعدد كلمات النص، من هنا نسطيع أن نقول أن تكثيف الأحداث والرمزية داخل النص جاءت ذات دلالات عالية وذلك لارتفاع معدلات الكناية داخل العمل وهى تشير للرمزية والتكثيف .
الموضوع والحبكة : تدور الأحداث داخل حافلة ركاب، انتقى المبدع شرائح اجتماعية بعينها؛ ليجعلهم ركابًا للحافلة، ومن ثم يصبحون محور الأحداث وأبطال العمل، ويمكننا تقسيم المشهد قسمين :
أ – داخل الحافلة : ( السائق – المحصل – شاب وفتاة – بائع متجول – امرأة متصابية – شيخ معمم وملتح )
ب – خارج الحافلة : ( لوحات إعلانية – ماسبيرو – رجال الأمن – المسؤولون – العامة نساء ورجال )
مغزى الموضوع : تكثيف الإحساس بالألم المنبعث من معاناة شرائح المجتمع المختلفة، مع بث روح الأمل من خلال تطلعات الشخصيات ورغباتها....
قام المبدع بتكثيف الأحداث بالظلال والإيحاءات الخارجية من خلال المشاهد خارج الحافلة .
من سمات السرد لدى المبدع ( الوصف ) : الوصف بالمقدمة كان تهيئة سريعة ومكثفة تمتاز بالجماليات الرائعة التي تأخذنا إلى عالم كئيب ينتظرنا داخل هذه الحافلة .
وصف الحافلة بالتهالك والقدم ، كما وصف الركاب يبين أننا في مجتمع مطحون يعاني الحياة وقسوتها.... كذلك وصف الرغبات ...ووصف اللقطات السريعة لكافة الأحداث وكأنه مصور يلتقط بعدسته صورًا هنا وهناك .
المفارقات التصويرية الرمزية : من أهم خصائص الأسلوب ومميزاته، تارة يجمع بين حالة الحافلة المتهالكة وحالة السائق المتعطلة مع زوجته ، ثم مفارقة لتبرز حالة الشباب والفتوة ورغبات الشاب والفتاة ، مفارقة أخرى تحوي اسقاطات رمزية ودينية تكشف عن فساد بعض رجال الدين وسقوطهم أمام الرغبات التي تمثلت في امرأة متصابية ...وهكذا
التكثيف : المعاناة من حرارة الجو والمعاناة من ضيق العيش ثم المعاناة من تبدل الحال في مقارنة بين الشباب والكهولة، وضياع العمر، والتعلق بالأمل والرغبات ثم الربط بين الإعلانات الكاذبة والأحاديث الخادعة ..
ترتيب أحداث تحدث ضجة حول حادث عابر؛ لإظهار دور وبطولة رجال الأمن في مقابل دور المسؤول الذي يتحين الفرص، ويستفيد من المواقف ويحقق منها المكاسب .
صورة الشائعات المقصودة التي تنتشر بسرعة؛ لتعبر عن قطاعات من الشعب وأحاديث وسلوكات العامة الذين يندفعون دون وعى إلى كل شيء .
التبئير : المبدع يروي بصيغة الغائب فالتبئير خارجى؛ لأن الرواية والأحداث تأتي بصيغة الغائب، وهذه الصيغة أتت مناسبة للأحداث حيث استطاع من خلالها أن ينفذ إلى عالم السائق الخفي ؛ ليكشف لنا أدق أسرار حياته الزوجية مع زوجته التي أصبحت عبئًا عليه ومعاناة، ويكشف عن ضياع عمره ، والكثير من الأحداث الخفية، ولن يستطيع أن يصنع المبدع هذه الروابط الخفية ويتجول دون هذا التكنيك الفني .
العنوان : منذ الوهلة الأولى يقدم تركيبًا يفتقد إلى أحد المتممات التي تحتاج إلى تنقيب؛ لتهدأ النفس، فالعنوان مثير للتساؤلات ...مجتزأ من التراث، مرتبط بالمتلقي الذي يعشق المناطق الشعبية، وخاصة المناطق التراثية، وهذا الحي يجمع بين عبق التاريخ الماضي والحاضر.
الزمان والمكان : أبدع المنشيء في توظيف الزمان والمكان فاختار شهر يونيو في فترة شديدة الحرارة وجعل الزمان متحركا مع الحدث كما في لفظة ( الآن )، ثم جعل المكان، وكأنه يطالع نظرية أينشتين فمكان داخل الحافلة، ومكان متحرك يتمثل في حركة الحافلة من شارع لآخر..
- من الجمال : ( الحافلة على غير عاداتها مصابة بالخرس )، كيف يوظف هذا العنصر؟
وكنت أتوقع أنه سيقدم فيما بعد شيئًا غير متوقع كان هو الباعث لاختلاف العادة .... وتكرر نفس المعنى ( حافلة مصابة بالخرس ) بعد عدة جمل ... لكن المفاجأة أنه وظف ذلك؛ ليصنع مفارقة لحالة الحافلة بعد تبدل حالة السائق والركاب، فلم تعد الحافلة مصابة بالخرس بل صارت صاحبة نشيطة بل صارت أحاديث المدينة .
- توقعات القاريء : إذا كان القاريء يتوقع أن يقدم له حلولا فهذا ليس من طبيعة المبدع في كل قصصه، وليس هذا من سمات القاص بل هو عمل المفكر والفلسفي، والمصلح الاجتماعي، أما القاص فإنه يطلق العنان ويرصد الأحداث ويعبر عن المشاعر ولا يتقمص دورًا ليس له .
- بنية الحبكة : وإن كانت بنية الحبكة تدور حول مشهد متكرر مألوف، وظاهرة لطالما تناولها الكتاب والأدباء إلا أن المبدع تناولها وفق منهجية مختلفة تتميز بالسرد الماتع والتناول العبقري ، لعلنا هنا أمام تكنيكات فنية تنبثق من جماليات اللغة، وتوظيف المفارقات، وتكثيف الأحداث والربط البارع من المبدع بين الأحداث المتشابهة من جهة للتكثيف، والمفارقة من جهة لإبراز المشاعر.
- الشخصيات : جمع بين الشخصيات البسيطة والمركبة، والعميقة للتغلغل في أعماق النفس البشرية والوصول إلى صراعات النفس وتضارب الرغبات وتنازعها.
الرموز : الرمز هو من أنواع الصورة وقد يشكل عقبة وحجر عثرة أمام القاريء غير الحصيف، لكن المبدع هنا يشكل الرمز بأسلوب يسير من خلال التصوير الاستعاري والكناية وغيرها من الأساليب اللغوية .
(في شارع شبرا)
للدكتور سيد شعبان
خرج من بيته والدنيا أشبه بحبل يلتف حول رقبته، يضغط على صدره هم ثقيل ،نظر في وجوه ركاب الحافلة، كل واحد منهم يعيش في عالمه؛ عيونهم تتحرك كما لو كانت تنظر إلى شيء ما، الرتابة تستبد بهم، يترك غبار الحافلة أثره على وجوه المارين، تبدو في حالة من العبث، علها أشبه بمدبنة خرجت لتوها من تحت أنقاض زلزال مدمر، أو تلك التي وقعت بين حربين.
تنتشر الكلاب في الحارات والأزقة والشوارع الرئيسة تتشمم كل شيء، تصدر نواحا أشبه بالعويل، يشاغب الذباب باعة الصحف فلم تعد القراءة غير سلعة بائرة؛ معظم الركاب موظفون في المصالح الحكومية، ثيابهم تكاد لا تختلف، صمت يخيم على وجوههم، حين تكون نهاية الشهر يتحدثون عن أحلام مؤجلة في عطلة نهاية الأسبوع؛ معظمهم يتعاطون أقراصا حمراء، لحظات وبعدها يبدون جثثا بلاحراك، لوحات الإعلانات تخاطب أناسا لم يرهم من قبل، فتاة تخرج لسانها وتضع يدها على خصرها، تبدو مثيرة؛ يتأوه السائق في حسرة، الحافلة على غير عادتها مصابة بالخرس، هواء الشارع في شهر يونيو يقتحم النوافذ الزجاجية مدخلا لهبا لا يحتمل، تبدو العمارات على الجانبين بقايا جبال في مشهد يضج بالعبث.
محصل التذاكر ينز العرق من وجهه، منديله المحلاوي تهرأ وتناثرث شراشيفه، صارت ياقة ثوبه أشبه بخرقة بالية، اقترب من نهاية الخدمة كما الحافلة التي تتداخل حوائطها، السائق يذهب عقله بعيدا حيث زوجته التي تعبث في عالمه المثقل بعجز يتكتمه.
حاول أن يجد دواء لعلته، تكمن مشكلته في صغر سنها، كان ميتا وحياته أن تأتيه أنثى تحرك ساكنه، افترست المدينة التي بلا قلب شبابه، وحين ضربه الزمن بمعوله لم يعد في جرابه ما يسد حاجتها!
جرب كل العقاقير؛ ما أفلح الأطباء ولا حتى دهن العطار؛ فحين يدب الوهن في الجسد يكون ذلك أمارة الرحيل قبل الأوان.
الآن غير بعيد منه، شاب يغازل فتاة، يداعبها بعينيه؛ تتحين مشاكسته من طرف خفي، يتورد خدها؛ يسرقان لحظة من حافلة مصابة بالخرس، عيناه تقتحم خلوتهما المتوهمة، يصعد بائع أشياء صغيرة، ينادى على بضاعته: أقلام، قطع بسكويت، عطور، حبات لبان، لعب أطفال؛ يمسك بواحدة منها ويلقى بها في الممر؛ كأنها ثعبان يتمطى، تهب امرأة متصابية تدعي الهلع، تصيح بصوت متكسر كله إثارة: انخلع قلبي!
في هذه اللحظة دبت في داخله رغبة ظلت مكتومة؛ أن يغازلها أراد أن يعيد ما مضى من زمنه، مرآة الحافلة أظهرت ما يفعله الركاب، تجاوب مع الفتى حين كان يعابث الفتاة اللاهية، امتعض من لحية الشيخ ذي العمامة، ينعطف بالحافلة يمينا جهة الساحل، يهب نسيم النهر ليخفف شيئا من ثقل الجو، يتطاير شعر الفتاة، يخرج من علبته سيجارة ويشعلها، يحرك المذياع على موجة إذاعة الأغاني تصدح مغنية بكلمات تثير كامن مشاعرهم، يتناسى الركاب محطات النزول، الحافلة تتمايل طربا، يكسر إشارة المرور، منذ سنوات لم يفعل هذا، يتمادى في السير، يشجعه الركاب، يتراقص بائع الأشياء الصغيرة، يحمل حقيبة ممتلئة لم تمس منذ ثلاث، يتجاوب الجميع مع صوت المذياع، يخترقون الميادين، يتنادى رجال المرور: حافلة مصابة بالجنون!
تقترب من ماسبيرو، تلتقط موجاته خبر تلك الحادثة التي لم تعهد المدينة لها مثيلا من قبل، على الشاشة نبأ عاجل: على المارين في شوارع المدينة توخي الحذر؛ حافلة فقد السائق السيطرة عليها!
في لحظات كانت كل الشوارع خاوية، رجال الأمن توزعوا في الميادين، طائرة تجوب سماء المدينة، صور الحافلة تبث تباعا، السائق صار حديث الناس.
لوحات الإعلانات على جانبي الطريق تحاصره، صور مغرية؛ حبوب منشطة تقتل عجزه وتفضحه، حاول أن يبتلع صمته، إنه بشر وله مثل الآخرين عالم مخملي!
وجدها فرصة ليظهر ﻷنثاه أن أحدا يهتم به، أخذ يتمايل طربا، تماهى معه الركاب، صاروا يتحدثون عما يعانون منه، أحدهم يكثر التسبيح ودعاء صرف الأخطار، الفتى الذي كان يعابث الفتاة يتصدر المشهد، يحدث الركاب عن متعة الحياة؛ أن يبحثوا عن الأمل؛ ينهره الشيخ: الموت نهاية الأحياء.
تغمزه المرأة المتصابية بعدما فاتها قطار الزواج، يسكت وقد سرى في جسده خدر لذيذ، تتساقط عمامته الخضراء على مقعدها فتستسلم لعبثه، يخرج عن وقاره في وصلة من موال الصبا، تشجعه المرأة التى اصطادت رجلا!
ينادي على محصل التذاكر أن يطلب من بائع الأشياء الصغيرة أن يوزع قطعا مما معه على الركاب بالمجان، يقترب السائق من ميدان العتبة، يتمادى الجميع في الغناء والرقص، توشك الحافلة أن تكون حديث المدينة، النسوة يحاولن ركوبها، يسابقهم الرجال، وجدها المسئولون وسيلة لتخفيف التذمر، فأفسحوا لها الطريق؛ ففي برامج الرغي المسائية فرصة لينشغل الناس بكل تلك الأخبار، على حين غفلة شد بائع الأشياء الصغيرة مقبض الحافلة التي توقفت؛ المرأة المتصابية أخذت تنوح؛ ضاع عقدي!
15- د هشام المنياوي - عن القصة القصيرة "ابن العنزة" لــ د. سيد شعبان:
نص من طينة ريفنا، نمط فني في السرد الذاتي متفرد، يطل الكاتب بكينونته في مفتتح النص ليضع نصه تحت تأطير (السيرة الذاتية ) لكنه ليس حكيا سرديا متتابعا على غرار ( الأيام ) وليس بمباشرية وتقريرية ما طرحه يحيى حقي في (خليها على الله ) وليس بمصارحة واعترافات ثروت أباظة ( أوراق العمر سنوات التكوين ) إنما هو طرح فني إبداعي يتماهى فيه الواقع بالخيال وينتزع الرمز من براثن الحقيقية حتى إن القارئ لا يكاد يفطن الرمزية الطرح في ( لبن العصفور ) و ( والثعلب الذي تسربل جلد العنزة ونسي ذيله يتدلى ) و(موت أشجار التوت ) و( تعرية أوراق الياسمين ) من فرط تماهي الرمز في الخيط السردي وتلك عبقرية لا يقدر عليها إلا الكبار من المبدعين ..!!
لا ينبغي على المرء أن يغادر قبل أن يثني على الاتساق المبهر بين العنوان المشوق للنص السردي ( ابن العنزة ) وبين تكنيك فك تلغيز العنوان الذي جاء بحرفية عالية حتى لا يكاد القارئ يلمح غرابة أو نفور أو تصنعا بل إنه ليومئ برأسه إعجابا وانبهارا
ابن العنزة... قصة قصيرة
بقلم د.سيد شعبان
حين يأتي الشتاء تتداعى الحكايات وتتجمع في ذاكرتي؛ تصير حملا ثقيلا أحاول التخلص منه، يكون السرد منفذا للبوح إلى تلك الزوايا الخفية، تلفت كل ناحية ألتمس طريقي بين الزروع والأشجار لا أكف عن العبث بأعشاش العصافير، تنهرني أمي؛ دع الأمهات يشبعن الصغار لبنا؛ ها أنا أبحث عن لبن العصفور، بات مستحيلا كما الأحلام الفضية.
أطير من كراس الرسم طائرة أمسك بمقودها؛ أرسم عليها حكاية الطفل الذي يحلم بأن يكون ابن السلطان ويطير فوق السحاب، تهب الريح فترتمي طائرتي وقد تناثرت؛ لم أمتلك يوما علبة ألوان؛ فتلك الأفواه الجائعة تحتاج الرغيف لا فرشاة يرسمون بها عالمهم الذي تطارده الغيلان.
نحن مثقلون بصور وحكايات أثرت فينا مما قصته الجدات أو خوفتنا به الأمهات، لكل منا طيف من أحلام ونتف من خيال جميل، لكن كل هذا يظل يرتعد من الجن يراهم فوق الأشجار وعند حنية الطريق وجوار البيوت الخربة وفي سكة المقطع تدور ساقيتها فتخرج أرانب بيضاء، يا لهذا العالم الساحر بما اشتمل عليه من طفولة تعبث بالأشياء، صورة تجمعت أجزاؤها من متفرقات فغدت جميلة!
ماأزال ذلك المندهش بما رأى تثقل ذاكرته أشياء صارت بعيدة، خبز أمي ورائحة بيتنا الطيني يوم يتساقط المطر فنغدو كأفراخ الحمام نبحث عن ركن نأوي إليه، تتداخل أجسادنا وتتلاحم عواطفنا يهب بعضنا لبعض الدفء عوض برودة الشتاء، نتقاسم الخبز ومن ثم نستمع لحكايات تعاد وتتكرر؛ العنزة حاز والأخرى ماز والثالة تضرب بالعكاز؛ الثعلب يرتدي جلد العنزة التي افترسها لكنه نسي أن يخفي ذيله، ومن يومها ونحن نوصد الباب جيدا مخافة أن يأتي ذلك المراوغ الذي يشتهي لحم الأطفال؛ في كل مكان من هذا العالم قطع لحم متناثرة لحملان عبثت بها رصاصات الثعالب والذئاب!
تأتي كل تلك الأوهام فأتخفى تحت لحافي، أغوص في حشية سريري، أبحث عن تلك الفتاة التي تراقصت على ضوء القمر، يسرح شعرها مع أشعة الشمس الذهبية يتماوج مع أغنيات فيروز ذات الوهج الدافيء؛ أين هي الآن؟
يبتعد العيد كلما أتى الشتاء؛ إنه يكره البرد ولا يحب الريح؛ لا يجد فيه الصغار مكانا للعب، تتسلل في لياليه المربوطة بحبال الرعب كل ذئاب الناحية؛ تنفذ فيه حبات القمح وتعبث الفئران في الثياب والأغطية؛ في الشتاء تموت أشجار التوت وتتعرى أوراق الياسمين.
أبحث عن جدتي فلا أجدها؛ ارتحلت إلى العالم العلوي؛ غادرت دون أن تتم حكاية العنزات الثلاث، بقي الثعلب يعبث في الحقول؛ لم تعد به حاجة أن يتخفى؛ تفرق الذين يوما كانوا الأطفال؛ منهم من صار أشبه بالغول ومنهم من باتت تسرق الحكايات لصغارها، طال الشتاء عن كل عام، يقولون إنه سيمكث في حارتنا ستة شهور؛ وفي المرة القادمة ستختفي الشمس، تتكاثر الثعالب حين تتسافح في لياليه الطويلة؛ حدث هذا حين كفت الديكة عن الصياح.
ترى هل أوصت الجدة بذلك الصغير؟
ما الذي جعل وشوشات الشجر وزقزقة العصافير تتحول إلى مفردات تنتظم في جمل؟
لم تسدل الستارة بعد، تتحرك شخوص المسرحية بعفوية، بائع الحليب يطرق البيوت لكن الصغار غابوا في السرداب، ساعي البريد اعتلت ذاكرته؛ ينسى البيوت ولم يعد يحمل تلك الرسائل البريئة؛ كلها حيل لآلة لا تعرف الحب، من يرسم نخلة تعانق السحاب وتسابق مأذنة الجامع الكبير؟
في كتاب سيدنا كنا نتلو السور والآيات نتمثل الجنة وفيها اللبن نهرا والعنب يتدلى كل حبة تقطر عسلا، تتعارك في النار الذئاب وتطاردها كلاب لها أنياب من حديد؛ والآن هل ما تزال ذاكرة الصغار تحتفظ بكل هذا؟
ألملم بقايا ذلك الطفل الذي كنته يوما، أعثر على بعض الأوراق والكراسات، وردة مجففة رسالة صبي إلى فتاته التي سكنت حلمه، رائحة الخبز الذي صنعته جدتي؛ حليب العنزة يوم أمسكت بها ومن ثم التقمت حلمتي ضرعها، أطلقوا علي ابن العنزة، سررت بهذا؛ كنت أشبهها في تسلق الأشجار والحوائط، أقفز ومن ثم أتراقص؛ ما أجمل كل تلك الألعاب!
هل تبقى للصغار فضاء يرسلون إليه أوراقهم تطير؟
16- أ. د. محمود المهدى - قراءة لنص (الملك لك ياصاحب الملك)
التناول النقدي والتحليل الفني للنص هو نص موازٍ، لا يقل عن النص الأصلي في التصريح بكل أعيانه، بل - أحيانا -تلتمع به ما وارته السطور من مرموزات ، حتى يشرعها كفلق الصبح.
بداية العنوان "الملك لك يا صاحب الملك" يوحي بالروح الإيمانية للمصريين حين تنزل بهم النوازل؛ فلا يكون منهم إلا التسليم لأمر الله سبحانه وتعالى والامتثال ، كما يعكس مدى تمكن التسليم بالقضاء والقدر في أنفسهم،وعدم الضجر حتى في أحلك الظروف.
أما السرد في جملته فهو عبارة عن محطات تتباين في وجهتها، وربما يكون ذلك انعكاسا لحالة الخوف المسيطر بسبب ما ذاع وانتشر من سرعة انتشار " كرونا"فجاء السرد منعزلا كهبات الخوف التي تعتريه من آن لآخر ، إلا أنه يسلكها جميعها. خيط دقيق لايدرك لأول وهله لاصطباغها بالرمزية ابتداءً.
والسردية مبناها على الرمز في محطاتها المختلفة ؛ حيث يعد تكرار دق التليفون في ساعة متأخرة من الليل رمزا للخطر المحدق بِنَا هذه الأيام، وما ينتج عنه من فوضى وهلع في قلوب الناس، وكأن دقاته السابقة إشارة لما ابتليت به مجتمعاتنا سابقا من جائحة لا تقل عن كرونا مثل: إنفلونزا الخنازير والطيور .... ، ولم يصدر منا وسيلة واحدة للتحكم فيها؛ ففوضنا فيها الأمر لله!، وقد أعيتنا - نحن الضعفاء - الحيل، وكلها هناك خلف هذا المحيط مع هذا اللعين- ترامب - الذي يحرك العالم بجنونه، كما يحركنا هذا الوباء بهلعه من آن لآخر، ثم تراه يصرح بما تزامن مع هذه الجائحة من أعاصير وأنواء ، وكأن الكاتب يذكرنا بأنها رسائل لنستعيد علاقتنا مع الله، ونحسن من حالنا معه .
ويتعلق بما سبق مرموزة أخرى؛ حيث تلك القطط والكلاب التي تأتلفك في وقت رخائك، وتغيب عنك إذا ضربتك الشدة، وهذا انعكاس لسياسة النفعية التي تحكم العالم وتسوده.
وعلى الرغم من أن الكاتب منفعل بما يموج به المجتمع، إلا أننا نراه ينكص على عقبيه عائدا لمسقط رأسه الذي نبت من ترابه، وتعمَّد في مائه، فلا يستطيع أن يبرحه أو ينفك عنه بوجدانه؛ وربما يعود ذلك لشدة ارتباطه بالبيئة التي نشأ فيها وتربى، ليتدثر بحديث أمه، وما عساها قد لمست من غريب سلوك كردة فعل لحالة الهلع واللا استقرار الطارئة؛ فيرجوها التكتم عنه، حتى لا يصل إلى الزوجة، وهذا إقحام دلف من اللاشعور إلى القلم، ولعل زخم الأحداث وانفلاتها ، ألقى بظلاله على حالته النفسية فجعلته يعاني مما يعاني منه الرجال في مثل هذه الظروف، أو في سنٍ متقدمة.
ويتأكد لنا ارتباط الكاتب بمسقط رأسه وما يموج فيه من مأثورات وحكايا تتملك على عقل الصبية، ثم تسافر معهم عبر رحلة العمر ، ولا تنفك عنهم حتى إذا بلغوا أشدهم ؛ فتراه يتملص من واقعه المر ويهرب إلى التدثر ببعض ثقافته التي تجمعت إليه في باكورة صباه ؛ حتى كانت له منهلا، فها هي القطة البيضاء التي تؤاخي الجن، وها هي العجوز تؤاخي الجن حيث تمدها بغريب الأخبار.
تعكس السردية بعض ما تنماز به البيئة الريفية من كرم فترك حجرة الطعام مشرعة، وكأنها تتهيأ للضيفان والسابلة من تلقاء نفسها، وهذا التدين الفطري الذي تعكسه استمرار الاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم، وكثرة التسبيح، وتلك الروح الدينية النابعة من العناية بالحيوانات الألفية ، والتوصية ببإطعامها ورعايتها،
تتوسع الاهتمامات حتى تتجاوز البيت إلى ما يجاوره من شجر، تسكنه البوم، وربما يكون ذلك رمز لما يحيط به من أشرار يترصدونه ليلا. - ويبحثون وراءه ليقفوا على أخباره - كما تفعل البوم دائما.- -
- اللغة سهلة تلائم سرعة الإيقاع الذي ينماز به السرد، والأسلوب سلس ألفاظه واضحة المعنى معبرة عنه دون مشقه.
- الصور والتشبيهات لا تبعد عن البيئة أبدا (باتت النساء تعاني ملوحة. يعاني الرجال من الجفاف. الليالي المخملية . شجار لاتُخمد ناره. ضربها الخرف)
وهي تعكس حالة الرجال والنساء في علاقتهم الحميمية ، ومدى تأثرها بالهلع والخوف والضغط النفسي، وبعض الصور مكرورة في سرديات الكاتب مثل : تعاني الملوحة. الليالي المخملية،كما تعكس بعض الصور الجدلية الأزلية لعلاقة الزوجة بأم زوجها (شجار لا تُخمَد ناره)-
- لم يكن الكاتب موفقا في وصم القطة البيضاء بمؤاخاة الجن ؛ والأفضل أن تكون سوداء ، كما تعكسها الثقافة الدينية.
- سرعة الانتقال من بيئة إلى بيئة دون تمهيد يظهر لنا تفكك الأحداث،ويطيح بالوحدة الموضوعية للسرد؛ إذا لم يدلف القارئ لما يرمز إليه الكاتب
17- د. أيمن تعيلب - ثلاث حركات تعيد بناء الوطن... قراءة في قصة (رجل يحرس الوطن) للكاتب الدكتور سيد شعبان
من المعروف أن السيطرة الفنية على أبعاد الشكل في الفن عموما وفن القصة القصيرة خصوصا مسألة فى غاية التعقيد والصعوبة لايستطيعها غير فنان متعدد القدرات التشكيلية والتوصيلية معا،كاتب قادر على السيطرة على أدوات فنه النتيجة الطبيعية للسيطرة على مطارح رؤاه وتطوحات أخيلته.
ونحب أن ننوه منذ البداية إلى أن فن القصة القصيرة فن مرهف مراوغ لا يستطيعه إلا من أوتى قوة الخيال وبراعة السرد وجزالة الأداء وسلاسة الروح، فالقصة القصيرة ليست ديباجة مرصعة، ولاألفاظا منسقة ، ولاأحداثا لافتة ولا حركة عنيفة، ولا عقدة دقيقة، ولا حبكة متينة ، بل هى همسة، أو لمسة حقيقية أو دمعة أو مسقط ظل أو إشعاع ضوء، ومن هنا كانت الصعوبة الجمالية التشكيلية الشائكة لدى كتاب القصة القصيرة. فإن أي خلل في شكل القصة القصيرة يؤدى إلى سقوطها بالكلية لأنها فن التكثيف اللغوى والتقطير الدلالى والتقشف التشكيلى، وإن أي خلل وإن دق يخل بالنسب الدلالية لمكونات الشكل الفني للقصة، الخلل هنا لا يجعل العمل الفنى شكليا فقط، وإنما يخل بالانسجام الجمالى والدلالى لمكونات التشكيل والتوصيل معا وكلاهما نتيجة طبيعية لاضطراب الرؤية لدى القاص فهى مشوشة لم تتبلور بعد في روحه ولم تنضج في لغته.
ولعل الذى دعانى أن أبدأ مع القارىء الكريم بهذه المقدمة قراءتى لقصة القاص الكبير الدكتور سيد شعبان المعنونة ( رجل يحرس الوطن) حيث تجلى مفهوم الشكل في القصة القصيرة في أبهى حلة وأدق تشكيل وأوجز توصيل إلى الدرجة التي جعلت من شكل القصة شكلا للرؤية نفسها التي أبدعها الكاتب.
بنى الكاتب شكله الجمالى والدلالى عبر ثلاث حركات لرجل يحرس الوطن، فقد استطاع الكاتب أن يبنى جملا قصيرة خاطفة بارقة لا يجمعها جامع سوى قدرة التخييل والترميز حيث يقود اللاوعى الجمالى الوعى التشكيلى فاتحا عبر كوى الخيال نوافذ رمزية لدلالات لاتنتهى،يبدأ الكاتب قصته بهذه الفقرة الرمزية الكثيفة
(منذ فترة تعاودني حالة من الخوف أنظر وجهي في المرآة فأجد أحدا غيري؛ عندما أحرك مقعدا من مكانه؛ يعود مرة ثانية؛ أسمع وقع خطوات في الحجرة المجاورة؛ يغلبني النعاس؛ تتحرك الجدران؛ تتراقص الأفلام؛ أردد الأدعية؛ تخرج من النافذة ثيابي؛ أدير مؤشر الإذاعة فأسمع صوتا يخرج من التلفاز يسخر من تلك الكلمات التي أدونها؛ حاولت الخروج من تلك الحالة؛ أخشى أن أصير خيال المآته؛ يبدو هذا لامفر منه؛ تراني النسوة في المدينة مثيرا؛ ألقت واحدة منهن بحبة برتقال أصابت وجهي؛ التفت إليها فإذا هي عرجاء؛ حين أمر من بوابة المدينة يطلب الرجل ذو النظارة السوداء بطاقة هويتي؛ يكاد يموت من الضحك؛ يشير إلى زميله؛ هذا الرجل بدون رقم؛ يطلب مني أن أخلع سترتي؛ ثمة وشم على ظهري؛ يشير إلى أنني كائن لاظل له!)
منذ اللحظة الأولى للقصة يتوطن الخوف،وهنا انفصلت الذات عن وجودها وانشرخ الوجود نصفين متصارعين لا يلتئمان أبدا، وهنا تتجلى البراعة البنائية منذ الكلمة الأولى للقصة،فمن هذه البداية المنشرخة سوف تتخلق أول بذرة لحالة الانقسام والانفصام والتمزق بين الوجه والمرآة، الرجل والوطن، يتبعها انشراخ الوجود وانقسام الكائنات وانفصال الموجودات ويعم الكون اغتراب سريالى عجيب، حيث تتقافز الثوب من النافذة ويخرج التلفاز من الكلمات، ويتجلى الإنسان بلا هوية بوصفه رقما مغيبا في غيابات التلاشى.
في هذه اللحظة تتخلى الأشياء عن مكنوناتها وتتلاشى الأسماء عن مسمياتها وتنقلب المعايير كلها رأسا على عقب،نرى ذلك في توالى هذه الصور السيريالية المتسارعة للذات المغتربة المترنحة( أمسكت بأغطية زجاجات الكولا؛ صنعت منها تاجا؛ زهوت بما فعلت؛ الآن أبدو أحد هؤلاء الذين يتصدرون المشهد؛ تتحدث عني نشرات الأخبار؛ ابتعدت خشية أن تنصب مفصلة تتدلى منها رقبتي! حالة من وسواس قهري؛ أحلام باتت تؤرقني؛ أبحث عن الحذاء؛ تتحرك أصابع قدمي كل في اتجاه؛ أرنبة أنفي تندس في النمائم؛ ينادي باعة الصحف على رجل تسرب من كتاب التاريخ)
هذه الذات التي انخلعت عن تاريخها وانطمست هويتها سوف تتفجر متشظية عبر شذرات تصويرية لا واعية علها تعيد بناء وجودها أو قل تعيد ترميم وطنها المتلاشى،ومن هنا جاءت الحركة الثانية في القصة حيث تتوالد التواريخ والأشياء والأحياء بصورة سيريالية مرعبة، إنها حالة انفجار الوعى الموازى لتلاشى الوطن ثم تسيد تيار اللاوعى بعد أن فقد الإنسان ظله وتلاشى وجوده، هنا يتخلق الوطن البديل في البناء القصصى حيث تتدفق من الذاكرة وجوه عديدة للوطن المتلاشى متمثلة في هذه الصور السيريالية المتلاحقة (يحوطه أولياء الله بألف دعاء وورد؛ يرجونه المهدي يخلصهم من قبضة الوالي؛ يعدو خلفي السياف؛ يقطر الدم من لحيته؛ إصبع يده مقطوع؛ تتدلى من شحمة أذنه سلسلة ذهبية؛ ينتابني الهلع؛ يوم كنت هناك؛ جموع تطوف حارات مصر عتيقة؛ جوعى وحدها أم هاشم تطعم المساكين؛ عطشى فمجرى العيون سكنته حيات تسعى! يدفعون بجواد أبيض؛ يحملونني فوقه؛ تمائم وابتهالات؛ تنبح خلفي كلاب سوداء؛ تسخر من ثيابي ابنة سيدنا الوالي!).
صور متلاحقة متدفقة مبنية على المفارقة بين صورة الولى الصالح المرجو للوطن وصورة الديكتاتور المتسلط على رقبة الرجل الصالح الموازى الجمالى للوطن الغائب، هذا التضاد بين المقدس والمدنس يبنى الحركة الثانية في القصة حيث الفن صراع وتوتر وهدم وبناء. وهنا تتجلى البراعة التشكيلية للقصة من حيث قدرتها على البناء والتشكيل وتوتير الجدل بين الشكل والدلالة،محققة بذلك مفاهيم التوازن والوحدة والاستمرار فى بنية الشكل القصصى بمعنى أن يتحقق فى النص هذا التوازن الحر الخلاق بين العناصر الجمالية والمعرفية المتصارعة التى تتفاعل من خلال وحدة انطباع إنسانى خاطف في القصة وهو حارس الوطن،وعندما تتحقق هذه المقدرة البنائية للقصة نرى الرمز القصصى ينفتح في نهاية القصة على دلالات لانهاية لها، فالفن الخلاق هو الظل الحائر المنتشر لا الشكل الواضح المحدد.نرى ذلك في الحركة الثالثة والنهائية للقصة، في قول الراوى:
(ألمح طيف أمي وسط تلك الجموع؛ تشير إلى جهة بعيدة؛ مغارة في جوف الجبل الأحمر؛ عليها جند غلاظ! يجوب الميدان رجل يشبه عمي أبوطيفة؛ ذلكم الرجل الذي جاء من زمن الأولياء؛ أشبه بالنخلة يتطوح ذراعاه في الهواء؛ يخرج من جلبابه لفافة التبغ؛ يردد أغنيته؛ أسمع نشيجه؛ كأنه جمل أصابه الحنين؛ ينادي على الذين عطروا المحروسة؛ يجري حتى يدرك مقام الحسين؛ أمكنة طاهرة؛ تفرد حمامة جناحيها؛ تتمايل ست الحسن والجمال؛ عند ضفة النهر قريبا من الميدان كانت صلاة الفجر؛ أبحث عنها تمسك بيدي؛ نظل بصدورنا نحرس حلم الوطن حتى تشرق الشمس!
هنا تتخلق ذات أخرى للوطن المتخيل بعد أن تلاشى الوطن الواقعى، وهنا تتجلى دلالات العنوان كأجلى ما يكون التجلى حيث يتجلى حارس الوطن فتشير خيالات الأمومة من بعيد من طرف خفى إلى صورة الوطن الغائب، الوطن الغارق في مغاراته البعيدة، الوطن الذى يذكرنا بعطر المحروسة حيث أولياء الله الصالحين وأجنحة الحمائم المرفرفة وبياض صلوت الفجر، وهنا يتجلى الشكل الرمزى للقصة بكثافة خصيبة حيث الشكل هنا ليس فى الرموز وليس في الاستعارات وليس في الصور والكلمات بل هو التعبير الكلى للرؤية والنمو العضوى للدلالة، (فليس المخطط الهندسى للقصة ـ هو شكل القصة ـ بل الشكل فى العمل الأدبى التعبير البنائى وليس المخطط الهندسى) كما يقول الناقد السورى خلدون الشمعة.
- ناقد مصري عميد أداب جامعة قتاة السويس سابقا
18- د. مصطفى السعيد - محاولة لقراءة "الولد ميمون"
ما بين "اعترافات كذاب" و"ورثة إبليس"، و"أقزام طوال" جاء هذا النص المبهر.
لم أجد في مفرداتي أبلغ من تلك العناوين -لألج أبواب تلك السردية الفريدة- والتي هي على الحقيقة لافتات لشاعر السخرية المدهشة أحمد مطر.
فالسارد هنا هو صاحب الاعتراف
يتساءل: هل يمكنني أن أكشف لكم سرا؟ ولا ينتظر الإجابة فهو يعني تقريرا "سأكشف لكم سرا"، ويمضي يردد مع مطر:
بملء إرادتي
ودونَما إرهابْ
أعترِفُ الآنَ لكم بأنّني كذَّابْ
ويعرض لنا مبرراته لهذا الاعتراف، وكأنه يتطهر مما اقترفه طوال سنين عمره المنصرمة خوفا من نهايته ويا لسخريته اللاذعة "وكل ما أخاف منه أن يقولوا: كان عظيما!"، وهو يكذب!
وخلال اعترافاته يقدم وصفا تفصيليا بل برنامجا نموذجيا مبينا الأهداف وخطوات التنفيذ مع الأمثلة المشروحة وكأنه من أولئك الذين علا طبلهم من أرباب "التنمية البشرية"!
وصاحبنا كما هتفت صاحبة "كشف المستور": على كل لون يا باتيستا!
فهو الإعلامي أرقط اللسان "يختزن مفردات لا قبل لأحد بها"، وهو الممثل المضحك الحاكم، وهو المخبر البصاص ذو الألف وجه، وكله من أجل الوطن.
ويراوغنا بين اعترافاته فهو الذي لا تخيل عليه ألاعيب الحاكم ولا يتملكه الوله بما يسبغ على نفسه من ألقاب وهالات تبهر أبصار غيره!
وها هو الحاوي الذي أتقن الرقص على شتى الحبال يصطنع بطولة زائفة، فلقد صار مطلوبا مطاردا من الحاكم!
وفي تغريبته لا تفارقه نفسه فهو هو المحتال صانع الأساطير المتعالي بها هنا وهناك "...، وصلت إلى هنا، في الحقيقة كل الأدوار التي أتقنتها هناك لم تؤد بصدق؛ يحلو لي الآن أن أكون حائك المدينة"! فهنا الذم المقصود به المدح.
وكأن مبدعنا جمع في اعترافات صاحبه الجميع في سلة واحدة: إعلام، وصحافة وسياسة كاشفا ما تحت الأقنعة مضمرا ما صرح به مطر:
وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشا، وباعكم فنونه
وقال : " إني راحل، ما عاد لي دور هنا، دوري أنا أنتم ستلعبونه"!
وما بين "وقت ناظره قريب"، و"الآلات والبطاقة الممغنطة" يمزج د. سيد شعبان ما بين الاقتباس من التراث وحداثة الحاضر وهو على ذلك في تضفير الحكاوي القديمة "القرد ميمون الذي يسرق الكحل من العين، و الفتاة التي تتحول إلى يمامة جميلة" مع "قناع الأناركية و القطار الآلي الذي يطير في السماء،... ويسابق الحيتان".
وكذا فهو "يضع طرف جلبابه بين أسنانه"، ويخدع الآلات الممغنطة!
وأختم بتلك الزخات الخارقة الحارقة والتي يطلقها أديبنا في لوحات تقطع نياط القلوب مميطة اللثام نزَّاعة لكل الأقنعة:
"..، ها إنها أكذوبة ترددها آلات الدعاية؛ يمجدون ذواتهم، يقدسون آباءهم، يرسمون من أوهامهم لوحات تعرض في صالونات القمار؛ يطول الليل بالجوعى؛ يفترس الشتاء قلوبهم، ومن ثم ينادون عاش الوطن!"
دام إبداعكم منيرا كاشفا.
---------
- أ. د. مصطفى السعيد
أستاذ الأمراض الجلدية والذكورة بطب المنصورة.
مهتم بالأدب والنقد
تلميذ د. إبراهيم عوض أستاذ الأدب والنقد بآداب عين شمس.
19- أ. د. عبد المنعم الملك عثمان - غوص في قصة (ناعم يا ملح) للقاص المصري الدكتور سيد شعبان
السردية عند دكتور سيد شعبان بلا شواطئ، ليس لها بداية ولا نهاية، مترامية الأطراف أشبه بمناخ خلوي لبدو، احتلوا قطعة من الأرض ووضعوا متاعهم فيها، متناثرا، فوضويا، لكنه متآلف، وهم في خلاءهم هذا، لا تحدهم جدران ولا يظلهم سقف.
والسرد عنده يتتابع بلا اتساق، فالعبارة لا تجر أختها، ولا الحدث يحدث عن بعده، تتساقط الجمل والعبارات في سرده على رأسك مثل كتل الأخشاب والقش والرمل، التي يجرها سيل التداعي.
فلا وجود لمتن حكائي عند دكتور سيد شعبان، إذ استبدله بمبنى حكائي خاص به، وهو استبدال يسم نصوصه ويعطيها ميزة.
والسرد عنده يجافي المنطقية، فلا بداية له، ولا توسط ولا نهاية، والأحداث السردية عنده تناوبية، يمكن رجها ونسفها وإعادة ترتيبها عشوائيا دون حدوث خلل.
ومعظم شخصياته طلسمية، غامضة، مفعمة بعبق التاريخ مثقلة بالحكمة، غيبية، ملامحها أحيانا تبدو مخيفة .. يصاحبها ضجيج مؤذي، وأحيانا مؤتلفة رائقة.
الألوان عنده لها دلالاتها الصارخة، ففي قصته (الببغاء) التي يقول فيها: (يبدو أن امرأة جاءت مسرعة في ليلة سوداء، تركب سيارة سوداء ؛ ترتدي نظارة سوداء؛ معها حقيبة سوداء، كل هذا السواد سهل لها أن تنزع سر حياتي؛ استدارت في سخرية؛ ثم قالت: الآن ما عاد منك نفع).
هنا يسرقك السواد إلى عوالم مدهشة، أو عوالم ساحرة، أو عوالم لأشخاص لهم مقدرات فوق التي يتمتع بها البشر، إنهم قادرون، وفاعلون ويحركون الأحداث،
والزمن عنده بلا ملامح، فهو يبتدر قصته بعبارة ليست لها تلابيب لتمسك بها، إذ يقول: (يرن الصوت في تتابع)، لكنه لا يبين لنا أي صوت هو، العلاقات الدلالية عنده تزاوج بين كائنات ليست من جنس واحد، (تلال الخوف والفقر)، القص عنده يوردك موارد الطلسمية، ويجرك جرا لعوالم غيبية، ويختلط الملح الأبيض الناعم بخشونة الحياة التي تتصبب عرقا، فجل رواته جدة تتعلق بالكرامات، وشيخ يبيع الحكمة.
(يرن الصوت في تتابع، يلفح الصيف وجوه المارة، لا وجود لصريخ ابن يومين)، عبارات رمى بها القاص في وجهنا لا نكاد نتبين منها إلا معنى واحدا: أن الحياة تمضي، رغم رتابتها، حتى أن كلاب السكك الضالة تلهث وتعب من بركة الماء الصفراء، كان ثمة فيضان، منذ أعوام لم يتجدد ماؤها، فالأحداث العظام هي من تجدد الرتم، وتحث الإيقاع.
والكاتب هنا مشارك في الأحداث، لقد سبق أن اتهم الطيب صالح بأنه مصطفى سعيد في موسم الهجرة للشمال، فلماذا لا يكون سيد شعبان هو الشاهد الصغير الذي بذاكرته التصويرية يسجل وينقل لنا هذه التفاصيل، إنه يستخدم ضمير المتكلم أحيانا، عندما يقول: نتجمع حين يهدنا التعب عند ضفة النهر، لن تخرج الجنية؛ إنه شهر مبارك، تصوم بالنهار، وتغازل القمر ليلا.
ولكنه في ذات الوقت يستخدم ضمير الغائب، عندما يصف مآلات وتصرفات شخوصه: فها هو هنا يصفها في لغة شعرية، قائلا عنها: تأتي في وهج الظهيرة، تحمل وعاء من خزف، تتمايل في دلال، يناغم بصوته: ناعم يا ملح!
تتراقص في مشيتها.
وهو تارة يدمج بين الأسلوبين، أسلوبي المتكلم والغائب، فيتشبب، ويسبق على النص دفقة من الرومانسية تخفف من وطء الطوطمية التي تمسك بعنقه: يتورد خداها، مثل الورد الأحمر وقد غازله الندى! ابنة عشرين عاما، حلوة، بل أجمل البنات، نظل نجري ونلعب.
فهو سارد يسير خلف شخوصه أحيانا، يصفهم بأدق التفاصيل، يغوص في دواخلهم ويتبنى مشاعرهم، بل يتخذ موقفا منهم: (من بعيد يأتي حاملا عصاه، إنه لا يعرف رمضان، يمسك بنا، تتابع ألفاظه مثل كوم السباخ سكنته الفئران، نجري في الحارة، لكننا لا نسكت، نظل نغني: مصلح يا ملح)
وهو يصاحبهم أحيانا أخرى مستخدما ضمير المتكلم، يتكلم عنهم بحياد لا يتبنى موقفا تجاههم، ولكنه يصف مظاهرهم، ولا يقول لنا لم كانوا هكذا: (يأتي صوت عجوز وقد أخرجها الخوف، تضرب الأرض بعصاها، تدوي في التراب خطواتها، تتماسك، تبتلع ريقها، تلوذ هربا).
تتخلص سرديات الدكتور سيد شعبان من مفهوم الحبكة، فلا وجود لحبكة تقليدية ولا حبكة عكسية ولا حبكة تنطلق من أسرها في منتصف المتن، ففضاؤها حر، وشخوصه بلا أدوار محددة، صناعة الموقف وبناء الحدث عندهم يمتثل للفعل المضاد تارة، وتارة يجري خلف صناعته، والقصة في تفاصيلها متناثرة يحتاج جمعها وتأملها إلى وقفات ووقفات.
ولك أن تحتار في قبض بطل قصته متلبسا بالسيطرة التامة على الأحداث، فالبطولة تطفو وتغطس حسب موقعها من الأحداث، ففي قصته هذه (ناعم يا ملح) كل شخص فيها يصلح أن يكون بطلا ومهيمنا، القاص نفسه، بائع الملح، الجدة، الجميلة المميلة التي لعبت بتوجهات النص، فأبدلت قتامتها تفاؤلا، واسترقت منه التفاتة من الغزل المريح.
ونسأل هل هناك توافق بين الصورة والرؤية عند سيد شعبان: حقيقة يمكن القول: إنه لا يمكن الحكم بسيطرة الصورة الخاصة بالقاص على السرد، أو على رؤى شخصياته من خلال قراءة في نص أو نصين.
لكن يمكن تبين أن الطقس العام لنصوصه ينطلق من تصور خاص للعالم من حوله، وأن البيئة التي تنطلق منها شخوصه، هي بيئة ذات ملامح واحدة متشابهة في معطياتها وشخوصها، لكنها متباينة في ردود أفعالها، ومتمايزة في ردود أفعالها عن البيئات الأخرى، مما يعطى القص عنده صفة الخصوصية، إذ يستنطق عوالما وأبعادا، ويصف حراكا لا علاقة له بجلبة العالم المتحضر ولا بصداماته المادية، فالصدام عنده تغلب عليه الميتافيزيقيا وتسيطر عليه الروح التلباثية.
ختاما: تخلص الكاتب من كثير من قيود القص، كالعقدة والحبكة والإثارة والتشويق وصناعة الفجوة الدرامية ثم سدها تدريجيا، ومن استنهاض المفارقة والطرافة في المواقف، معتمدا على تكثيف العبارة والوصف المتحيز مع أو ضد. والبعد عن الملمح التقليدي للقص سيظل يشكل خطورة على مدى فاعلية التلقي، وعلى الكاتب أن يتجاوز ذلك من خلال الوصف المتعمق واللغة الساخرة والناقدة على ألسنة الشخوص، إذ يلاحظ على الكاتب ميله لإشاعة جو من الغموض والطوطمية والتلباثية في فضاء أقاصيصه.
وتبقت الإشارة إلى حقيقة التألف بين النوبة شمالها وجنوبها في الطوطمية والطقوسية والغيبية والثقافة فقول: أم رمضان وراء الكوم تزرع ثوم!
يا خالة يا أم رمضان قومي اتسحري، بالجرجير والعيش الطري.
هو قول يقابله في السودان:
يا صائم رمضان قوم اتسحر
يا فاطر رمضان نوم اتندل
ناعم يا ملح
قصة قصيرة بقلم الكاتب المصري
د . سيد شعبان
يرن الصوت في تتابع، يلفح الصيف وجوه المارة، لا وجود لصريخ ابن يومين، بل حتى لا يفكر في مغادرة بيته المنزوي وراء تلال الخوف والفقر، حتى كلاب السكك الضالة تلهث وتعب من بركة الماء الصفراء، كان ثمة فيضان، منذ أعوام لم يتجدد ماؤها، تقال حكايات: إنهم بنوا سدا عاليا عند بلاد النوبة، ستأتي الخيرات لاحقا؛ هذه تميمة جدتي : كف مبتور مخلوط بدم أضحية العيد، لكنه يأتي على أية حال، وراءه سر يغلفه بألف حكاية، الفقراء يدخلون الجنة مبكرا، هذه كلمات الشيخ في ليلة النصف من شعبان، حين يتوقف المكان بسكانه، تزدحم أبواب السماء بأدعية المبتهلين، أراه كل يوم يجوب الحارة، يجتاز الأزقة المسكوكة عمدا؛ تنتهي بباب سد، يحمل جوال الملح، وللعرق في الصيف عناء، تلفح وجهه النار، تدفعه الحاجة إلى أن ينادي على بضاعته الكاسدة؛ ترى من يشترى الضنى وقد امتلأت الحياة رهقا: يا مصلح يا ملح!
صغيرا تبعته مثل ظل أعواد الذرة كنت أنا ذلك المغطى بكساء أزرق مثل النيل يوم كان يتهادى يحب المحروسة، يقبل شفتيها
ينظر إلى نافذة نصف مشرعة، تخرج يد بيضاء حلوة مثل حليب بقرة جدي، منديل يهفو به ألوان زاهية، حواشيه مطرزة بالخرز الفضي اللامع.
ينادي مرة ومرة، مصلح يا ملح!
تأتي في وهج الظهيرة، تحمل وعاء من خزف، تتمايل في دلال، يناغم بصوته: ناعم يا ملح!
تتراقص في مشيتها.
تصدر أبواب الحارة صريرها، تخرج همهمات والهة، تحدق عيون عطشى، ينساب العرق قطرات حارقة، يأتي صوت عجوز وقد أخرجها الخوف، تضرب الأرض بعصاها، تدوي في التراب خطواتها، تتماسك، تبتلع ريقها، تلوذ هربا.
يترك ملحه، يجرى في الناحية، يسقط منه كيس نقوده، تتناثر قروشه، نجري وراءه، نلهو بكلماته:
مصلح يا ملح
ناعم يا ملح!
يتورد خداها، مثل الورد الأحمر وقد غازله الندى!
ابنة عشرين عاما، حلوة، بل أجمل البنات، نظل نجري ونلعب، يأتي رمضان نلهو بكلماته، نسهر طوال الليل، فالحارة آمنة من العفاريت، لقد ربطها بسلسلة أكبر من قضيب القطار المصري؛ هكذا قال مولانا في الكتاب٠
أم رمضان وراء الكوم تزرع ثوم!
يا خالة يا أم رمضان قومي اتسحري، بالجرجير والعيش الطري.
نتجمع حين يهدنا التعب عند ضفة النهر، لن تخرج الجنية؛ إنه شهر مبارك، تصوم بالنهار، وتغازل القمر ليلا.
ننزل الماء، نمسك بالأسماك الصغيرة، نتذكر حكاية بائع الملح، نقلد حركاته، تضحك كما لو أن السماء أخرجت عصافير الجنة الخضراء تلهو .
من بعيد يأتي حاملا عصاه، إنه لا يعرف رمضان، يمسك بنا، تتابع ألفاظه مثل كوم السباخ سكنته الفئران، نجري في الحارة، لكننا لا نسكت، نظل نغني: مصلح يا ملح
تاعم يا ملح!
مضى أربعون شهرا، واحدا وراء آخر، بي للعب حنين؛ أرتدي الثوب الأزرق بلا سروال، أطلق ساقي تدب، ترى أين هي الآن؟!
أما تزال حمراء الخدين؟
يبدو أن الملح صار مجعدا مثل صوف الشاة، ضمر ثدياها، كانا مثل حبتي الرمان، تمزق منديلها ابتلعه البحر بملوحته.
انطفأت بلادي.
أم رمضان ما عادت تأكل الخبز الطري، مثل أعواد الحطب تذروها الريح كل مكان.
20- أ. د. فراس عبد الرزاق السوداني - قراءة في قصة «في شارع شُبرا»
خلَعَ المُبدع الدكتور شعبان على سرده «في شارع شُبرا» حُللَ الحُسن والبهاء مِن كلّ صنف ولون، بما أوتي من خيال القاصّ الموهوب ولغة الأديب المشبوب، فجاء نصّه هذا واسطة عقد نصوصه التي اطَّلعت عليها مذ جمعتنا صداقة فَسْبكيّة مباركة.
دقّةُ الوصف والتشخيص السمة الأبرز لهذا السرد، مع تشويق تنقطع دونه الأنفاس بكثرة التنقّل بين المشاهد المتوالية من جهة، والانتقال من وصف المشهد إلى الغور في أعماق الشخوص وترجيع صدى حواراتهم الداخليّة، أو نقل الحديث على ألسنتهم، من جهة ثانية.
والنصّ زاخر بالنقد محشوّ بالنصوص اللاذعة، وبعض هذا النقد يدلّ على وعي نادر من القاصّ بشتّى مناحي الحياة..
تأمّلوا معي نقده لحُمّى الإعلانات في مُدننا، إذ يقول: «لوحات الإعلانات تُخاطب أناساً لم يرهم مِن قبل»..
ثمّ ينتقل لنقد عِمرانها، قائلاً: «تبدو العِمارات على الجانبين بقايا جبال في مشهد يضج بالعبث»..
ويثنّي في ذات السياق قائلاً: «افترسَت المدينةُ التي بلا قلب شبابه»..
هذه النصوص الناقدة عجيبة مُعجبة، فقد استطاع بوعي الفنّان أن ينقد مآلات المدينة في نسيجها العِمرانيّ ومشهدها الحضريّ!!
أعجبني كثيراً تداخل الزمان والمكان في سرده، كقوله: «الآن.. غير بعيد منه» وأمثالها، وتقابل التشبيهات في نصّه وهو يصف محصّل التذاكر (الجابي) بقوله: «اقترب من نهاية الخدمة كما الحافلة التي تتداخل حوائطها»، فهذه التداخلات تشعرك باندماج الإنسان بزمانه ومكانه وبالجمادات من حوله، حتّى إنَّ نفحة من روحه لتضفي عليها شيئاً من روح!
فالجمادات عنده امتداد لحياة مَن يعيش فيها وبينها، فتتوهّم من مثل قوله: «يسرقان لحظة من حافلة مصابة بالخرس» بأنَّ الأصل في الحافة أن تتكلّم وتنطق وتعبّر. و«الحافلة -عنده- تتمايل طرباً» و«لوحات الإعلانات على جانبي الطريق تحاصر...» السائق.
وربما كان شغف القاصّ هنا بتحريك الجمادات وإنطاقها من نقده الخفيّ لأنماط عيشنا المعاصرة بتكنولوجيتها التي قرَّبت البعيد وأبعدت القريب، فلا يكاد الزوج يحكي مع زوجه ولا الولد مع والديه ولا الأخ مع أخيه ولا الصديق مع صديقه، ويجمعهم مكان واحد وتفرّقهم هواتف محمولة يتواصلون عبرها مع الأباعد من الناس!
وقد لاذ القاصّ بالكنايات، ليؤدّي الأغراض البلاغيّة من جهة، وليحافظ على مستوى نصّه الذوقيّ، من جهة ثانية..
تأمّلوا قوله: «كان ميتاً وحياته أن تأتيه أنثى تحرِّك ساكنه» وقوله: «يداعبها بعينيه» وأيضاً في قوله: «عيناه تقتحم خلوتهما المتوهَّمة».
في النصّ مقابلات مُبدعة أضفت على النصّ حياةً بما احتوت من مفارقة، كقوله: «تجاوب مع الفتى حين كان يُعابث الفتاة اللاهية.. امتعض من لحية الشيخ ذي العمامة»، فـ«عبث الفتى» ينفخ في مستكنّ الجمر تحت رماد الشباب الذاهب، و«لحية الشيخ» توقظه من هذا الشرود وتعيده إلى رشده الذي يؤرّقه، ولسان حاله يقول:
فلا يُبعد الله الشبابَ وقولَنا ** إذا ما صَبونا صَبوةً: سنتوبُ!
ويؤكّد على هذا المعنى من طرف خفيّ آخر، بقوله: «الفتى الذي كان يُعابث الفتاة يتصَّدر المشهد.. يحدث الركّاب عن مُتعة الحياة؛ أن يبحثوا عن الأمل.. ينهره الشيخ: الموت نهاية الأحياء».
ولا يخلو هذا النصّ الأخير من لمحة ناقدة لبعض دُعاة الدين المعاصرين الذين يقتلون في الناس الأمل بذكر الموت حيث يجب أن تُذكر الحياة، والحياة في سبيل الله أوّل مقاصد الشرع الحنيف؛ إذ الحياة خلقه والعيش فيها قيام بحقّ تكليفنا فيها!
آنسني كثيراً تضمينه البارع من فلم «Speed» الهوليوودي الشهير، في قوله: «على الشاشة نبأ عاجل: على المارين في شوارع المدينة توخي الحذر.. حافلة فقد السائق السيطرة عليها!»، وهي دليل آخر على وعي هذا الفنّان وتكريسه لمخزونه الثقافيّ في خدمة نصوصه.
هذه الثقافة التي يؤكّدها عدد من نصوص سرده هذا، فالسائق «يخرج عن وقاره في وصلة من موال الصَّبا»، والصّبا نغم حزين؛ لكنّ الحزن فيه مُطرب، وأصل الطرب في الحزن والفرح، كما هو معلوم.
ادّخر القاصّ نقده السياسيّ إلى آخر السرد، والتأخير كالتقديم يؤدّي معنى الاهتمام والتوكيد..
«توشك الحافلة أن تكون حديث المدينة، النسوة يحاولن ركوبها، يسابقهم الرجال.. وجدها المسئولون فرصة، أفسحوا لها الطريق!».
والرأي عندي أنَّ هذا النصّ الأخير هو مفتاح هذا السرد وغايته في آن، وإنّي لأتوهّمُ به «الحافلة» حياتنا المعاصرة بتناقضاتها، ومفارقاتها، وإيقاعها السريع، وحيرة أولي الأمر في إدارتها، ومحاولتهم لاستثمارها بما يضمن لهم كراسيّهم ومناصبهم، لا بما يؤدّي عنهم أماناتهم!!
ويأتي الختام ليزيّن لي وهمي الذي بُحت به إليكم هنا، فليس «بائع الأشياء الصغيرة» إلا واحداً من أولئك المسؤولين الذين يمكرون ويُغافلون ويسلبون، مُتَّكئين في ذلك كلّه على غباء الشعوب وغفلتهم..
«على حين غفلة شدَّ بائع الأشياء الصغيرة مقبض الحافلة.. توقَّفت، بعدما سلب عقد المرأة المتصابية!».
هذا نصّ مفعم بالحيويّة والنقد، موّار بالحياة، ولا غرو.. فالأديب من صُنّاع الحياة، والله تعالى أعلم بمراده من ذلك كلّه!
21- د. أحمد مجذوب الشريفي - قراءات نقدية متاهات السرد المجزأ وقـوانين الربـط والتجاور الدلالي
كتابات د. سيد شعبان عندما تقرأها تجد نفسك قد دخلت في متاهات، فالنص عادة متشعب الأحداث، دروبه قصيرة، يقفز بك من حدث ليقربك الي حدث آخر ثم يبعدك تماما من الحدث الأصلي ، قبل أن تلتقط أنفاسك تجده قد أعادك الى حدث سابق فلاحق فسابق، حتي تجده قد أوصلك الى فكرته الأساسية التي بني عليه نصه، صورة قريبة وأخري أقرب، يصور لك المشهد بوصف دقيق كأنك تراه، يجعلك تنازع الروح بسرد عجيب فتحتار أيكتب قصة؟ ، نعم هي كذلك و ان ابتعد بها عن القواعد المعروفة، ثم تبعد القصة كلية من تفكيرك و أنت تقرأ لتقول لنفسك لا هذا سرد نثري لأحداث نمت وتطورت من حدث واحد أو قل لا شيء، سرعان ما تتجمع لديك مقاطع تكون موضوعا.
اذا تتميز كتابات د. سيد بالتجزئيي و التقطيع غير المترابط (ظنا) ، لكنه مترابط من حيث الانتقالات بين الأحداث التي تعبر عن روح المكان بكل حركاته و انفعالات مجتمعه بشخوصه وحيواناته وجماده، و كأنه يفلت الحبل من هنا ليقبض ذاك الحبل ، فالمجتمع الريفي حركي ، فحدث هنا يربط حدث هناك، صورة هنا و أخري بعيدة "وحدة موضوع" لكنها تختلف في فهم د. سيد فوحدة موضوعه "الريف" ، "القرية" ، شخص واحد، لكنه كأنه يمثل القرية كلها، الهم، الفكر، الأكل، كل نمط الحياة واحد، لهذا يتموضع القارئ زمنا في انتظار ما سيحكيه السارد، وهذا ما يبدوا واضحا في كل كتابات د. سيد السردية، فقارئه يكون في حالة شبه مطمئنة، حين يرافق السارد، غير أن هذا الاطمئنان سرعان ما يتلاشي لصعود و هبوط السرد و تغير الزمان و المكان مرة نحو الماضي(استرجاع زمني)، ثم الحاضر و عين ترقب نحو المستقبل.
حيث تجد الانسان الريفي بكل مدلولاته العميقة المتجذرة في البعد الريفي، فحكاياته التي يسردها بوحدة و تعدد مواضيعها موغلة في التراث الشعبي والفلوكور المحلى ، نعم هو يفصح عن هذا بصورة مباشرة ، لأنك تجد انسانه وموضوعه بسيط، معفر بالتراب ، موشح بالطين، متسربل بما يلبسه جديدا كان أو قديما، و اغلبه قديم، منغمس في عالم السحر و الدجل و الشعوذة، و أولياء الله الصالحين، يرتدي الطين ثوبا ، يلفحك عرقه النقي الذي لا تشم رائحة العفن فيه ، فهو عرق فلاح ، عامل بناء ... الخ ، لاستمرار حركته لا يركد عرقه ، فتبخره الشمس سريعا ، ثم تتجدد جداوله ليخر في الجسم عرقا جديدا..
سرديات د. سيد شعبان تصلح لبناء دراما فكاتباته قريبة جدا الى كتابات السيناريو ، وانتقالات الكاميرا و مقاطع الصوت بكل مؤثراته ، يظهر ذلك جليا اذا قرأت بحواسك كلها و انت تستحضر المشاهد و كيفية معالجتها، فلديه مسألة تجزئة النص وتقسيمه إلى أجزاء إحدى المسائل الأساس في بناء عمله السردي، الذي يسمح فيه عالم الفيلم المجزأ إلى وحدات من الصور، بعزل أي جزئية يمكن لها أن تتمتع بنفس القدر الذي تتمتع به الكلمة، وبالتالي يمكن فصل أي صورة منفردة عن سياقها وتركيبهـا مع صـور أخـرى وفق قـوانين الربـط والتجاور الدلالي، بالتالى تكون سردياته تأخذ الاتجاهين الصوري و الكلامي ، فقد برع أن يحيل صورة المشهد الجامدة الى كلام، تفهم منه ثم تنتقل الى الصورة فيرسخ المشهد في ذهنك.
فمن سردياته "حدث مرة" نجد هذا الترابط في شخصياته " وإمعانا في الغرابة؛ ارتديت تلك الثياب، صرت رجلا آخر، احتفى بي المارون، بالغوا في احترامي؛ جاءوا إلي بحصان أبيض أركبوني فوقه، تجمع العشرات حولي، صاروا يتنادون: لقد عاد عرابي من جديد، أتحسس وجهي فإذا شارب كبير قد نبت، رأسي يعلوها طربوش سلطاني أحمر، أحقا عاد عرابي؟ "
لنقرأ من "رجل يسكن القمر" ونادرا ما يحدث هذا؛ يقال إنها شجرة تحفها عناية الله؛ تربض تحتها جنية منذ مئات الأعوام، جلس تحتها قطز وبيبرس يوم أن هزموا جحافل التتار، آوى إليها عبد الله النديم حين اختفى عن عيون الوشاة؛ في بلاد يتجمع فيها الفرح والقهر في مشهد واحد؛
و نقتطف من "التائه" (طافت بي أمي عيادات الأطباء، أزارتني مقامات الأولياء، ثم بعد غادرت الدنيا ولما ترى لي لسانا مثل كل الأطفال) لا ينتهي توهان السارد هنا بل في رجل يسكن القمر تستمر حالته كتائه " سرت أشبه بريشة تذروها الريح، هل أنا التائه من عالمه أو الهارب من أيامه؟ "و كذلك " جئت إلى هنا وحيدا، لم يكن يسمع بي أحد، في عالم مصاب بالجنون تبدو الأشياء بلا نفع"
اذا هكذا د. سيد شعبان ، سرده لا يخاطب العامة ، و كذلك لا يخاطب الخاصة ، اذا من يخاطب ، في تقديري يخاطب نفسه على الورق، فالانسان عندما يخاطب نفسه يصدقها، فعادة ما يركن الانسان الى نفسه لحظات الضيق و حتي الفرح، بالتالى يكتب بصوت مسموع ليفرغ تراكمات مجتمعات ريفية عاشها ، أشخاص علي هامش الحياة مر بهم أو مروا به ، لهذا قلت سابقا يدخلك في متاهات ، و متاهاته ليست اعتباطا لأن حياة هولاء الذين شغلوا فكره فكتب عنهم ، نفسها متاهات ، فالعامة لا يستهدفها بكتاباته هذه ، فالمتاهات التي يكتب بها تجعلهم يجفلون من القراءة و قد يحدث لديهم حالة من "الغبش الفكري" ، و لا الخاصة ، لأن للخاصة قواعد يصعب الخروج عنها فتكثر تساؤلاتهم ،عن و عن فيحدث هرج ذهني ، و علي هذا يتحاشي د. سيد هذا و ذاك فيكتب أو كأنه يكتب لنفسه ، محتفظا بمسافاته الجمالية لكل حالة سرد.
بين تفاصيل هذا السرد تتشكل المسافة الجمالية التي يقدمها ، بوصفه جنساً سردياً، تتحدّد هويته الفنية في تشكيلات العلاقة وماهيتها بين السرد والتلقي ، و ما هو متروك للقارئ المتلقي وفق مزاجه و ثقافته و اهتمامه ، فتتمدّد الدلالات باستخدام اسلوب الاستدعاء الحر ، أى التذكر أو الاسترجاع الحر وهو نموذج أساسي في الدراسة النفسية للذاكرة. وهنا هو ذروة الصراع المتشتت في هذا السرد ، من هنا قاد د.سيد شعبان نصوصه بتمدد دلالاتها و لم يضيع البوصلة بل فتح للقارئ استدعاء حر من خلال صور ومواقف واشتباكات ، قد تكون متشتتة ، ولكنها تلتصق بخيط خفي داخل السرد.
22- أ. د. حسام عقل عن القصة القصيرة 'شعبور،'
بلغت خطوات فساحا ً ، لاحد لإدهاشها وجمالها السردي المصقول ،، نمط السرد العجائبي ، الذي توظفه انتجاع لمساحة شديدة البكارة والجدة ،، القطط عند السواقي والمأذنة الخضراء وابنة الحاكم الممسوسة ، و غيرها من المكونات الغرائبية ، رسمت لوحة متعرجة مثيرة ، تخاطب الوعي و اللاوعي معا ،، أداؤك اللغوي الجامع بين الفحولة و العصرية و طزاجة المعجم الناضر ، أضاف ضميمة أسلوبية، لجمال اللقطة و غوايتها!
شعبور
ليتني كنت رساما؛ ساعتها كانت لغة الألوان تعبر أفضل من تلك الحروف، على أية حال تتداخل أجزاء حكايتنا لتكون لوحة عجائبية، أصوات مرعبة تتناهى إلى سمعي، واهنة لكنها تجسد رعبا؛ لم تكف الجدات عن تلك الحكايات الموغلة في الماضي.
ثمة ساقية تسكنها القطط الحمراء، لها عيون تومض بريقا في العتمة، تخرج تلك عند منتصف الليل تتمسح بأرجل القادمين، يقال إنها تتطاول حتى تبلغ حجم بقرة الهنادوة؛ أولئك قوم يعرفون بالطيبة وبسطة الجسم، ﻻيردون سائلا ولا يخذلون محتاجا، الناس في كفرنا يحتاطون منها، يعدون السمك ﻷجلها، رغم أنها لا تتناول طعاما ولا تحتاج إليه، يخافون منها، حين كنت صغيرا نازعتني نفسي أن أمسك بواحدة منها، يحلو اللعب بها، كمنت حتى إذا أظلمت الدنيا، خرجت أحمل سلة، أمسكتها بإحكام، أخذت معي حبلا وقناعا؛ حتى لا تعرفني أمها، في هذه الساعة لا يأمن الطفل على نفسه.
تسللت كنملة تدب دونما تصدر صوتا، جاءت واحدة نافرة شعرها، تمشي على رجليها الخلفيتين، لها رأس عنزة كبيرة، أذناها تتدليان يشبهان غطاء ماعون كبير.
تملكني الرعب؛ تشجعت، كيف لفتى أن تخيفه قطة، حين اقتربت منها، أحاطتني برجليها الأماميتين، تقفازت مسرعة مرة أمامي، أخرى من خلفي، يبدو أن خطرا يحيط بي، سردت لي جدتي حكاية لأنام:
رغيف خبز يتمدد كلما اقتربت منه أيدي الجوعى، يتسلل الواحد منهم من وراء أخيه، يحشون بطونهم بتلك الأرغفة الشهية قبل أن يأتي زمن الجوع المنتظر، يعدون لاحتفالية كبيرة، أضواء تختطف الأنظار، زينة في كل ناحية، يبدو ذلك من أبعد مسافة، فثمة مأذنة ضوءها أخضر كأنما هي جبل يشعلون به نارا، فالوالي يجهز قصرا كبيرا، يسرق الحرفية ويلقى بهم هناك، سيكون هناك سوق للشعر وآخر للعبيد وثالث تجري فيه الخيول، لن يدخله إلا التجار والأشراف، يتسارع الناس عند ديوان الوثائق؛ يبحثون عن سلسلة نسب شريف.
تكمن عند بوابة المتولي قطط وكلاب، الحراس يرقبون العابرين بعيون لا تطرف؛ يخشون من حادث غير متوقع؛ ميلاد ابنة حاكم المدينة، تجار الحلوى قدموا عرضا غير متوقع؛ باعة ألعاب الأطفال خفضوا أسعارهم، مراجيح مولد السيدة أم هاشم فيها اللفة بنصف ريال، لم يهتم بائع الخبز بكل هذا الاحتفاء، إنه يعاني كثيرا، الرغيف لا يقبل الاشتراك في الأعياد؛ بالخبز وحده يملأ الجوعى بطونهم، يتجرعون شربة ماء ثم يزهون بالحمد.
يبدو متعبا، ينام من الليل قليلا، لديه واجبات لابد أن يؤديها؛ يستطيع الناس أن يستغنوا عن الحلوى ولعب الأطفال، لا يمكن حدوث ذلك لصاحب الخبز، تجمع تجار المدينة، وشوا به إلى الحاكم؛ إنه لا يشعر بأهمية الاحتفاء بتلك المناسبة النادرة!
انحنى ظهره؛ خمسين عاما ويزيد يشعل الفرن بالفحم، تعلوه حدبة أشبه بحجر طاحونة الرحى، يدور رغيف في إثر رغيف، تتلقف بطون المجاورين في الأزهر؛ درب الأتراك يفضي إلى درب الجماميز، والقلعة سجن يقف على بابه أغوات يتوعدونهم بالعصي؛ يتلقونهم بسياط تترك وشما أزرق على أجساد المنفيين في دروب المحروسة.
انتهزها فرصة لينظر أيهم أكثر نفعا، طلب إليه الحضور، لم يأت بعد، زادت شكاية الآخرين؛ إنه يهزأ بتقاليد مولانا، يتكبر؛ يبدو مصابا بمرض العظمة، أسرها الحاكم في نفسه، يشعر بمرارة لا تنتهي، توسوس إليه زوجته: أصدر أمرا باستدعائه مربوطا في حصان البلدية، حافيا أو عريانا؛ فالناس هنا تتساءل: هل صار الخباز هو حاكم المدينة؟
أخذ يفكر في تلك الوشايات، يتحدث عن أثرها عليهم، يتناقلون شائعة: الخباز يحتال ليغير مجرى النهر؛ يعد لهذا الأمر منذ سنوات، يخدعنا بصنعته تلك؛ يوجد سرداب خفي يبدأ من خزانة الدقيق وينتهي عند مدخل الصحراء، يستخدم لتلك المهمة البدو والغجر، يبدوان متحاربين في الظاهر؛ عكس هذا يتعاونان ﻷجل هدف غامض، يطوف بمدينتا شعبور الساحر؛ يجمع أخبار الحاكم؛ يتعرف على موضع الضعف في مجرى العيون، يخفي أوراقا وأقلاما في عمامته.
أخذت الحادثة تسيطر على أذهان سكان الحارات القريبة من بوابة المتولي؛ كل يوم يخرج الخباز إلى النهر يأتي بالماء ليعجن أرغفة شهية؛ تتراقص في أفواه الجوعى؛ تمدهم بطاقة الحياة، يفرحون بها؛ تجعل بطونهم ممتلئة؛ يتجرعون الماء، يتناقص النهر كل يوم شبرا، فالسماء لم تأت بمطر جديد، باعة الحلوى يشتكون من بوار سلعتهم؛ لا حاجة لسكان حارة المغربلين أو السروجية بل ولا درب الهوى حتى درب سعادة بشيء منها؛ منع الحاكم إقامة موالد ﻷهل البيت؛ فالنهر في خطر!
صار شعبور ذلك النمام الذي يتسمع الأخبار، يضع أذنه حيث يكمن تحت نوافذ البيوت؛ فالمدينة أشبه ببلدة تتجاور، الحاكم يشغل كل شعبور ممزق الثياب، تبدو ريالته صنبور يدفع بالماء من سبيل أم عباس، تتقافز قرود الجبلاية المؤدية إلى الجبل الأحمر.
يتمايل شعبور في نواحي المحروسة، له شارب يقف عليه الصقر، تتدلى من رقبته خمسة وخميسة؛ أذنه اليمنى مثقوبة؛ يقولون: أمه لم يعش لها أولاد، جاءت به قومها في أمشير؛ كانت ليلة شديدة الريح، اشتعل فرن الخباز سبعة أيام، خرجت منه قطة سوداء لها ذيل طويل، زارها في المنام هاتف؛ أسميه شعبورا، له سر باتع، صنع الخباز فطيرة محشوة بالحمام، شعبور لا أب له، معاذ الله أن تكون حملت به من باب خفي؛ هجرها أبوه، كانت قطعة فحم تنتقل من بيت إلى آخر؛ توارث شعبور عنها زيغة العيون، والوشاية بمن أحسن إليه.
وسوس شعبور لحاكم المدينة؛ مقتلك في رغيف مخلوط بدم سلحفاة عجوز، أرسل في أنحاء المدينة أقتلوا كل سلحفاة أو ادفعوا به في فرن الخباز.
بنت الحاكم ممسوسة، عجز جن سليمان أن يداويها؛ شائعة أطلقها شعبور؛ بنت حلوة، خدها تفاح أحمر، شعرها يسبح في النيل،يتماوج في رقصة شمس الأصيل، جيدها أشبه بإصبع الموز، كيف لشعبور النمام أن يدخل القصر، أدار حيلة وراء أخرى.....
23- خليل الجيزاوي - عن قصة: "مولانا أبو الأرجاب الثلاثةّ" للدكتور سيد شعبان
"المرأة امرأة ولو كانت وزيرة، والرجل رجل حتى لو كان مولانا الشيخ أبو الأرجاب، هكذا يدهشنا الدكتور سيد شعبان بسرده الماتع، يسرد كأننا نرى مشهدا حيا يتحرك أمامنا على شاشة سينما الحياة، ويأخذك بوصفه الشيق حتى تشتم عطر المعلمة توحه وتسمع شخللة الغوايش في يدها وهي ترحب بالشيخ القادم، عله يبل ريقها بشمة وطله بعد جفاف ريقها الأنثوي من يوم رحيل زوجها الخامس، قصة قصيرة بامتياز وسرد يجذبك ولا تستطيع الفكاك منه إلا وأنت تقرأ الجملة الأخيرة، ومدد يا شيخنا أبو الأرجاب الذي شرف الرجال.. كل الرجال. "مولانا أبو الأرجاب الثلاثة انتفخت أوداجه وطالت لحيته في هذه العشرية التى ضرب أثداءها الجفاف؛ هل تراه يعاني مما يضرب الناس بسوطه؟ يجري الناس هلعا فثمة طاعون يهز العالم من حوله، رجال مكممون ونساء منقبات، فالموت على الأبواب وفي الشوارع، أما هو فيمد رجليه ويتمطى في جلسة لا يحسن غيره إلا أن يقلده. أخذ يمد فمه الذي يشبه زلومة الفيل ويغمسها في قدرة المعلمة توحة التي تقف عند ناصية حارة البهلوان في كفرنا السارح في النسيان؛ بنت بلد وتعرف الطريق إلى احتواش جنيهات نسوة الكفر أقراص الطعمية جعلتها موضع حديث النسوة؛ سر خلطتها لايعرفه غير مولانا أبو الأرجاب، شملولة وتخطف حلاوتها العين؛ وقف عند قدرتها وفتل شاربه الذي تساقطت منه بضعة شعرات؛ يقال ثمة صرصور يأتي بالليل ويقتنص واحدة كل آونة؛ حصيلة قدرتها تزيد كل يوم؛ تشخشخ بها الفضية. ضربة بغمزة عين؛ تزهو المعلمة التي تعرف كيف تصطاد حبات الفول من قدرة تعج بالعدس- - يمين الله يا سيدنا أبو الأرجاب لتنزل من على حمارك المحروس ذي الطلعة البهية؛ ادخل ياسيدنا وبارك مطرحنا؛ خمسة أرغفة في عين الحسودة تفيدة. تمطى أبو الأرجاب الثلاثة، في جنبه كتاب اصفرت أوراقه وتهرأت حواشيه؛ تمتم بكلمات سمعتها المعلمة احمر وجهها؛ تعرف مقصوده، سرت رعدة في جسدها؛ منذ أن ترملت بعد حسونة فحلها الخامس ضربتها الملوحة؛ لمعت عيناها في مرآة بجوارها؛ سرى الدم في خديها؛ فكت ضفيرتيها؛ أزاحت قمطة رأسها: حلو يا شال مولانا آه منك يا قلم أبو الأرجاب! ترش الملح سبع مرات، تعطر المطرح بماء الورد، مولانا سره باتع؛ في حارة البهلون العانس يفك بختها ويصرف كيد شيطانها، والمطلقة يحضر لها ابن الحظ؛ دارت به الأرض من حلاوتها؛ حصالة تلمع وأنثى تروي عطشه. ما ترك وليمة إلا وتصدرها؛ ينهش بأصابعه ويمرغ وجهه بدهنها؛ تنتفخ بطنه فيحبس بكوب من شاي معتق ينعدل به مزاجه. تخطو المعلمة فتبدو قدمها المحناة بدم غزالة؛ تتغنج فيلامس لحيته؛ يهتز ردفاها فتلمع عيناه؛ يهتف بصوته المتماوج: مدد يا أم هاشم! تسارع إلى حصالة فضيتها فتفرقها بين يديها فتبرق منها عيناه، يعتدل في جلسته؛ يظهر تمنعه، ترمي بشباكها: أنا الطبيب لكن عين الهوى جرحاني! عز الدوا ومن هواها شفائي! أطلق عليه أبو الأرجاب منذ وطئت قدمه كفرنا؛ بعضهم يراه مجذوبا يأتي بأفعال المجانين؛ يرفع عجيزته وقد يوشك أن يخلع هدومه؛ ساعتها ترجو النسوة أن الأرض لو تنشق فتبتلعهن! غير أن توحة المعلمة تنظر من طرف خفي؛ ترجوه فحلا ومن غيره في كفر البهلوان يصلح لها وقد اعتصرت قبله خمسة رجال. تتراقص في يديها غوايش الذهب وتتدلى شراشيف عقدها ذو الكف أبو خمسة وخميسة. يجري أبو الأرجاب فتنفك تكة سرواله؛ يبدو وتده عصاه الثانية يتوكأ عليها؛ تطرح كل واحدة من نسوان حارة البهلوان طرف جلبابها فتغشاه ساترا لعينيها؛ فضيحة على مرأى الجميع، غير أن توحة تشتهي بطرف خفي؛ سبجعلها عروسا بنت العشرين وقد أوشكت سن اليأس أن تضربها بمعولها الذي تذبل منه العيدان الغضة. تمني نفسها بليال مخملية؛ سترقص ما وسعها الجهد؛ تعرف أشكالا من زينة؛ ستغريه برائحة عطر اشترته من رضا العطار؛ هل تراها ستنال غرضها؟ تلطم خديها؛ لقد صارت حصالة نقودها صفرا تدوي فيه الريح!
"مولانا أبو الأرجاب الثلاثةّ"
للدكتور سيد شعبان
انتفخت أوداجه وطالت لحيته في هذه العشرية التى ضرب أثداءها الجفاف؛ هل تراه يعاني مما يضرب الناس بسوطه؟
يجري الناس هلعا فثمة طاعون يهز العالم من حوله، رجال مكممون ونساء منقبات، فالموت على الأبواب وفي الشوارع، أما هو فيمد رجليه ويتمطى في جلسة لا يحسن غيره إلا أن يقلده.
أخذ يمد فمه الذي يشبه زلومة الفيل ويغمسها في قدرة المعلمة توحة التي تقف عند ناصية حارة البهلوان في كفرنا السارح في النسيان؛ بنت بلد وتعرف الطريق إلى احتواش جنيهات نسوة الكفر أقراص الطعمية جعلتها موضع حديث النسوة؛ سر خلطتها لايعرفه غير مولانا أبو الأرجاب، شملولة وتخطف حلاوتها العين؛ وقف عند قدرتها وفتل شاربه الذي تساقطت منه بضعة شعرات؛ يقال ثمة صرصور يأتي بالليل ويقتنص واحدة كل آونة؛ حصيلة قدرتها تزيد كل يوم؛ تشخشخ بها الفضية.
ضربة بغمزة عين؛ تزهو المعلمة التي تعرف كيف تصطاد حبات الفول من قدرة تعج بالعدس-
- يمين الله يا سيدنا أبو الأرجاب لتنزل من على حمارك المحروس ذي الطلعة البهية؛ ادخل ياسيدنا وبارك مطرحنا؛ خمسة أرغفة في عين الحسودة تفيدة.
تمطى أبو الأرجاب الثلاثة، في جنبه كتاب اصفرت أوراقه وتهرأت حواشيه؛ تمتم بكلمات سمعتها المعلمة احمر وجهها؛ تعرف مقصوده، سرت رعدة في جسدها؛ منذ أن ترملت بعد حسونة فحلها الخامس ضربتها الملوحة؛ لمعت عيناها في مرآة بجوارها؛ سرى الدم في خديها؛ فكت ضفيرتيها؛ أزاحت قمطة رأسها: حلو يا شال مولانا
آه منك يا قلم أبو الأرجاب!
ترش الملح سبع مرات، تعطر المطرح بماء الورد، مولانا سره باتع؛ في حارة البهلون العانس يفك بختها ويصرف كيد شيطانها، والمطلقة يحضر لها ابن الحظ؛ دارت به الأرض من حلاوتها؛ حصالة تلمع وأنثى تروي عطشه.
ما ترك وليمة إلا وتصدرها؛ ينهش بأصابعه ويمرغ وجهه بدهنها؛ تنتفخ بطنه فيحبس بكوب من شاي معتق ينعدل به مزاجه.
تخطو المعلمة فتبدو قدمها المحناة بدم غزالة؛ تتغنج فيلامس لحيته؛ يهتز ردفاها فتلمع عيناه؛ يهتف بصوته المتماوج: مدد يا أم هاشم!
تسارع إلى حصالة فضيتها فتفرقها بين يديها فتبرق منها عيناه، يعتدل في جلسته؛ يظهر تمنعه، ترمي بشباكها: أنا الطبيب لكن عين الهوى جرحاني!
عز الدوا ومن هواها شفائي!
أطلق عليه أبو الأرجاب منذ وطئت قدمه كفرنا؛ بعضهم يراه مجذوبا يأتي بأفعال المجانين؛ يرفع عجيزته وقد يوشك أن يخلع هدومه؛ ساعتها ترجو النسوة أن الأرض لو تنشق فتبتلعهن!
غير أن توحة المعلمة تنظر من طرف خفي؛ ترجوه فحلا ومن غيره في كفر البهلوان يصلح لها وقد اعتصرت قبله خمسة رجال.
تتراقص في يديها غوايش الذهب وتتدلى شراشيف عقدها ذو الكف أبو خمسة وخميسة.
يجري أبو الأرجاب فتنفك تكة سرواله؛ يبدو وتده عصاه الثانية يتوكأ عليها؛ تطرح كل واحدة من نسوان حارة البهلوان طرف جلبابها فتغشاه ساترا لعينيها؛ فضيحة على مرأى الجميع، غير أن توحة تشتهي بطرف خفي؛ سبجعلها عروسا بنت العشرين وقد أوشكت سن اليأس أن تضربها بمعولها الذي تذبل منه العيدان الغضة.
تمني نفسها بليال مخملية؛ سترقص ما وسعها الجهد؛ تعرف أشكالا من زينة؛ ستغريه برائحة عطر اشترته من رضا العطار؛ هل تراها ستنال غرضها؟
تلطم خديها؛ لقد صارت حصالة نقودها صفرا تدوي فيه الريح!
24- منى مصطفى: د. سيد شعبان قلم ثري وموهبة في السرد
د. سيد شعبان قلم ثري وموهبة في السرد لا تسمح لك بترك القصة إن بدأتها حقيقة لم أقرأ قصة قصيرة كالتي يكتبها ... ربما ينسج من حدث واحد يُكتب في سطر واحد قصة ذات مشاهد مثيرة وكثيرة يذكرني بقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله (وإني لأقرأ الجملة الواحدة من التاريخ فأنسج حولها قصة كاملة ) ثم هو ينقلك من بيئة لأخرى بفن عجيب بل ينقلك من حالة الحزن للفرح للتعاطف للغضب في نفس المشهد وأنت لا تملك الا الاستسلام الكامل للسير معه فيما أراد أن ينقلك إليه... يعتمد على العاطفة في التأثير لا على كثرة أحداث القصة مما يجعل القاريء لا يتسرب اليه ملل ثم هو يرسم لك كل بيئة كأنه ابنها الذي لم يعرف غيرها ... وفي كل هذا يستخدم لغة راقية تأتمر بأمره دون أن تخذله في رسم المعنى أو الصورة أو العاطفة وكل ذلك في بيان جميل
=========
* دراسات نقدية عن سرد سيد شعبان (ملف)
1- محمد موسى العكادي - حول قصتي القصيرة ثرثرة العجائز
2- د. محمد موسى العكادي - سردية " في دفتر اليومية"
3- عمرو الزيات - كيف ننام ودسوق لا تنام؟!!
4- على أحمد: - جماليات السرد في قصص دكتور سيد شعبان
5- د. رامي هلال -قراءة في قصة (قرد إفريقي) للدكتور سيد شعبان.
6- أ. د. عزة شبل توظيف الحس الشعبي في بناء محلية القص 7- أ. د. أحمد فرحات - دكتور سيد شعبان .. السارد وحكايات الجدة
8- د. خالد سعيد - راو طيب وراو ماكر- قراءة في قصة شجرة المانجو للأديب سيد شعبان
9- محمود سلطان - د. سيد شعبان.. يفكك "أطر التقليد" ويبدع "فنا" جديدا!
10- د. آمال فرحات - دكتور سيد شعبان .. السارد وحكايات الجدة
11- محمد ناجي - السرد المموسق في سرد د. سيد شعبان:
12- د. محمد موسى العكادي - قراءة في "التائه" للكاتب: د.سيد شعبان
13- د. فائز أحمد - متلازمات السرد عند سيد شعبان
14- د. مدحت عبد الجواد - قراءة لقصة (في شارع شبرا) للدكتور سيد شعبان
15- د هشام المنياوي - عن القصة القصيرة "ابن العنزة" لــ د. سيد شعبان
16- أ. د. محمود المهدى - قراءة لنص (الملك لك ياصاحب الملك)
17- د. أيمن تعيلب - ثلاث حركات تعيد بناء الوطن... قراءة في قصة ( رجل يحرس الوطن) للكاتب الدكتور سيد شعبان
18- أ. د. محمود المهدى - قراءة لنص (الملك لك ياصاحب الملك)- د. مصطفى السعيد - محاولة لقراءة "الولد ميمون"
19- أ. د. عبد المنعم الملك عثمان - غوص في قصة (ناعم يا ملح) للقاص المصري الدكتور سيد شعبان
20- أ. د. فراس عبد الرزاق السوداني - قراءة في قصة «في شارع شُبرا» للدكتور سيد شعبان
21- د. أحمد مجذوب الشريفي - قراءات نقدية متاهات السرد المجزأ وقـوانين الربـط والتجاور الدلالي
22- أ. د. حسام عقل عن القصة القصيرة 'شعبور،'
23- خليل الجيزاوي - عن قصة: "مولانا أبو الأرجاب الثلاثةّ" للدكتور سيد شعبان
24- منى مصطفى: د. سيد شعبان قلم ثري وموهبة في السرد