دراسات نقدية في سرد الدكتور سيد شعبان
تجميع وتقديم
نقوس المهدي
تجميع وتقديم
نقوس المهدي
على سبيل التوطئة
يكتسب هذا الكتاب أهميته من منحيين إثنين، الأول أن القصاص والكاتب المصري د. سيد شعبان راكم تجربة أدبية في غاية الأهمية، ومن أكثر الساردين جنوحاً إلى الكتابة عن الهامش المصري والمهمشين، والغوص في سحيق المجتمع المصري سعيا وراء صدفاته، وتقصي هواجس المواطن البسيط ومكابداته، والأولياء، مؤمنا بصوفية اللغة، وإكسير القداسة فيها، وروحانية الكلمات، والسرد المموسق، والحكي المرن، والأسلوب اللبن السلس الموظف في صياغة النصوص، المتخفف من أعباء المعاجم، باجتراح نمط اسلوبي متين وانسيابي لم يسبق إليه أحد، لدرجة أنني تمنيت صادقا لو أنى أستطيع قراءة كل سردياته..
يقول الناقد المغربي عبدالرحيم جيران في مقالته "لماذا نحكي": (أكيد أن هناك ضرورات وجودية وأنثروبولوجية وراء فعل الحكي وصناعة الحكاية. لكن تبقى هناك أسئلة مؤرقة تتصل بالسحر الذي يمارسه فعل الحكي على الإنسان، في كل العصور والمجتمعات على اختلاف حظها من الحضارة: هل لأن مرض الزمان غير قابل للشفاء، كما تذهب إلى ذلك حنا أرندت، حين حديثها عن انصرام الحياة؟ هل يتعلق الأمر بوظيفة من وظائف الذاكرة الإنسانية، كما يتصورها برغسون، والتي تتمثل في حماية الذات- سواء أكانت فردية أم جماعية- من الأخطار المحدقة بها ومن الاندثار أيضا؛ ومن ثمة ينشئ حكي الغياب، ووضع الحكاية في زمان ماضٍ)
والاخير يكمن في أهمية هذا الكتاب الذي يضم عشرين دراسة وافية ومركزة حررها كوكبة من خيرة النقاد والأكاديميين حول المنجز السردي للأديب د. سيد شعبان. المكون من ست مجموعات قصصية، وذاكرةٍ مثقلة بالحكايات. نشتم بين تفاصيلها طراوة الريف المصري، وبساطة الكائنات، وجمالية الأسلوب، وكيمياء الحداثة، وعبق التاريخ وأصالته، واستعادة الذاكرة الجمعية، وتبني القيم الإنسانية، والتركيز على الإرث الحضاري، ذلك ان الكاتب يتقمص فكرة نصه، والذي يعكس بدوره معاناته واحساسه بواقعه المعاش.
يقول الناقد علي أحمد في مقاله التاي تتناول "جماليات السرد في قصص دكتور سيد شعبان"
(لا أسلم تسليمًا قاطعًا لأصحاب الآراء التي تعزل النص عن صاحبه، وتفصل بينهما فصلًا وكأن النص هبط من السماء أو مات صاحبه، ولن أدخل في جدل مع أصحاب هذه الآراء، ولكن يقيني أن النص يظل أبدًا ودائمًا يحمل صفات وسلوكات صاحبه ، ويظل ترجمان مشاعره التي تأثرت بالبيئة المحيطة بها، غير أني في ذات الوقت لا أحب من يطيلون الوقوف عند هذا المنحى ويثقلونه بالأعباء، وينحون بالنص على هذه الفكرة يلحون عليها حتى تصبح منتهى غايتهم.)
كنت قد كتبت ذات اعتراف أن الدكتور سيد شعبان ابن جادو، كاتب محبول من أسرار الحكايات وخباياها.. خزان أحداث ورؤى، ومرويات ونصوص طاعنة في غرائبيتها، وفنان خبير بأسرار الكتابة، وبتصوير جزئيات الحياة ويحولها الى مادة اساسية تمتح نسغها من صميم الأرياف والأمكنة القصية، ويشخصن أبطالها وظلالها من صلصال أرض مصر وأديمها، يخلط الواقع المعاش بسحر الخرافة والاسطورة وبأخبار التراث وذوي الكرامات والدراويش، الى درجة خلق الإدهاش في نفس المتلقي، وإنعاش ذاكرته بأنفس الذكريات، وربطه بجذوره وأصوله الريفية، فيأخذك على صهوة الخيال لعوالم ساحرة، فضاءات مخفورة بوعول اللغة وبيانها، والجمل القصيرة، وبسحر التعابير وفصاحتها، فضاءات لم ترصدها عدسات الكاميرات ولا عيون المصورين، حتى ليخيل للقارىء المتمرس النبيه للنصوص الجميلة أنه محشور داخل الأحداث، أو واحدا من أبطال النص.
يورد ذ. عمرو الزيات في مقالته: كيف ننام ودسوق لا تنام؟!!:
(تجئ القصة بضمير المتكلم الذي يرى نفسه أحد هؤلاء وابن تلك البيئة بكل ما تحمله من مقومات وموروث، يرصد ويصور، وهو تاريخ تلك المدينة؛ لكنه لا يتدخل في الأحداث، ولا يحجر عليك – أيها القارئ - وأنت تتابع، ثمّة فروق بين ماضي و دسوق وحاضرها " الوجوه هنا مصابة بالعتمة؛ يطول الليل تحت سياط القهر؛ باعة الخضروات والفاكهة يتكدسون كما لو أنهم صاروا كتلا خرسانية؛ شارع سعد ذلك النهر من البشر لم يعد يسكنه غير السراب؛ وقع الخطوات وصور المعروضات كل هذا أخرس؛ رائحة اللحم المشوي وألوان الثياب والمحلات تضج بالزبائن كل هذا الآن بات صامتا؛ أتذكر بعض هؤلاء الذين مروا من هنا؛ وجوههم تثير أسئلة لن تجد غير إجابة واحدة: الموت!)
تجدر اللإشارة إلى أن الفارق المشترك في سرديات الدكتور سيد شعبان ان خميرة إبداعه مجبولة من أدب الطيب صالح وصوفيته من جهة، وأسلوبية يحيى حقي وما بعد نجيب محفوظ من ناحية أخرى، حيث نلمس وضوح بصمته في قصصه القصيرات كما يعترف بذلك، في مقالته التي تستلف عنوانها من المسرح البريشتي، "سيدنا نجيب محفوظ وتابعه الطيب صالح": (ين تقرأ لنجيب محفوظ نصا سرديا فأنت مقدم على مغامرة لاتؤمن عواقبها، هذه تجربة أمر بها؛ أحاول التخلص من إسر قبضته؛ أتهيب نصوصه التي تحتمل أكثر من وجه للتأويل)
فهو منجذب بشخصية الطيب صالح، متاثر به وبكتاباته وبشخوصه لحد الوله، لما ينماز به أدب الطيب صالح من تعمق وانغماس في الحياة السودانية، هذا الجمع لدى د. سيد شعبان بين الهوى السوداني، والهوية المصرية التي جسدها في الالتحام اللصيق بالأشخاص والامكنة والغيطان والأرياف، وتفاصيل الحياة المصرية، جعلاه مسكونا بروحين.
يقول د. سيد شعبان عن تأثره بالطيب صالح: (لا أعلم أديبا تربطني به آصرة غيره؛ على أية حال لست من أقربائه؛ وإن كانت سحنتي كما يراني الآخرون أشبه بسمرته، تلك القرابة جاءتني من سريان نصوصه بل شخصياته في سردي، أزعم أنني أسايره حتى لايعترضني جني ممن سكنوا كرمكول وأمدوه بحكاياته التي لايكاد يقربها إنسي، هو مبدع على طريقته من صوغ عباراته وانفساح أفقه في المعالجة، أراني أحد مجاذيبه، قد يسخر قاريء من هذا الذي ينتسب إلى عمنا الطيب صالح، للحقيقة لم أدع شبها به، غير أنني مفتون بسرده الذي سطره عبر قصصه ورواياته.) ولأنه فوق هذا (جاء الطيب صالح بسرد مغاير، تستطيع أن تصفه بأديب الجنوب مقابل أدباء الشمال).
وفي إطار الحديث عن ميكانيزمات ودينامية النقد المشترك في مجمل دراسات هذا الكتاب، نجوس بين بعض ما ورد فيها، حيث تتنوع هذه الدراسات وتنماز بعمق الرؤية وجمالية الطرح، وصدق النوايا، الشبيهة بمفتاح لعوالم سحرية، يقول د. أيمن تعيلب، في دراسته القيمة: ثلاث حركات تعيد بناء الوطن... قراءة في قصة (رجل يحرس الوطن) للكاتب الدكتور سيد شعبان
(ونحب أن ننوه منذ البداية إلى أن فن القصة القصيرة فن مرهف مراوغ لا يستطيعه إلا من أوتى قوة الخيال وبراعة السرد وجزالة الأداء وسلاسة الروح، فالقصة القصيرة ليست ديباجة مرصعة، ولاألفاظا منسقة ، ولاأحداثا لافتة ولا حركة عنيفة، ولا عقدة دقيقة، ولا حبكة متينة ، بل هى همسة، أو لمسة حقيقية أو دمعة أو مسقط ظل أو إشعاع ضوء، ومن هنا كانت الصعوبة الجمالية التشكيلية الشائكة لدى كتاب القصة القصيرة. فإن أي خلل في شكل القصة القصيرة يؤدى إلى سقوطها بالكلية لأنها فن التكثيف اللغوى والتقطير الدلالى والتقشف التشكيلى، وإن أي خلل وإن دق يخل بالنسب الدلالية لمكونات الشكل الفني للقصة، الخلل هنا لا يجعل العمل الفنى شكليا فقط، وإنما يخل بالانسجام الجمالى والدلالى لمكونات التشكيل والتوصيل معا وكلاهما نتيجة طبيعية لاضطراب الرؤية لدى القاص فهى مشوشة لم تتبلور بعد في روحه ولم تنضج في لغته.
ولعل الذى دعانى أن أبدأ مع القارىء الكريم بهذه المقدمة قراءتى لقصة القاص الكبير الدكتور سيد شعبان المعنونة ( رجل يحرس الوطن) حيث تجلى مفهوم الشكل في القصة القصيرة في أبهى حلة وأدق تشكيل وأوجز توصيل إلى الدرجة التي جعلت من شكل القصة شكلا للرؤية نفسها التي أبدعها الكاتب.)
ونتابع استظهارنا لبعض الدراسات حيث يكتب أ. د. أحمد فرحات في دراسته: دكتور سيد شعبان .. السارد وحكايات الجدة
(في زمن ناء ببضاعة مزجاة ، وكثرت فيه منابر الإعلام ، وسهل نشر ما يكتبه الإنسان على صفحات التواصل الاجتماعي ، ظنا من بعضهم أن ما يكتبه أدب راق ، وما هو في معظمه إلا ترهات ، وشطحات خيال لم يكتمل ولم تصقله موهبة أو تزينه لغة فصيحة، في مثل هذا الزمن ، يخرج علينا فارس مارد يتقن اللغة ، يملك ناصيتها ؛ ليعبر عن مراده في ثوب قشيب، إنه الدكتور سيد شعبان، هذا السارد الممتلئ بحكايات الجدة ، لسرده طابع متميز ، تتعدد قصصه وحكاياته.)
فبما يكتب محمود سلطان: د. سيد شعبان.. يفكك "أطر التقليد" ويبدع "فنا" جديدا!:
(قرأت بعض ما كتبه نقاد كبار، بشأن "أدبيات" المبدع الكبير.. الكبير حقا وليس مجازا .. المتفرد "حقا" وليس مجاملة مني.. صديقي الطيب الودود، حامل "رسالة القرى" و"الريف المهمش" بكل مخزونه الإنساني الذي لا يزال مهدرا.. الدكتور سيد شعبان.)
وختاما، فبقدر ما سرتني دعوة د. سيد شعبان لتحبير هذه المقدمة، سرني كثيرا أن أصوغ هذه الانطباعات السريعة، منوهين بجهود النقاد الأفاضل في تبيان خبايا النصوص وتفكيكها، واسهامهم في هذا الإنجاز النقدي المتبصر والعميق الذي كنت أطمح ان اتطرق لكافة نقودهم القيمة والعميقة بحسب ما بقتضيه المقام لولا مخافة الإطالة..
نقوس المهدي - المغرب
1- محمد موسى العكادي - حول القصة القصيرة "ثرثرة العجائز" للدكتور سيد شعبان
دار نقاش ذات مرة بيني و بعض الأدباء حول (ما أكثر ما يقلل قيمة القص فنيا ؟و تشعبت الآراء و تعددت ،
لكنني كنت مصرا أن آفة القص (المباشرة)و أدعيت أن المباشرة تحول القص إلى حكي يقتل الموهبة ويهب عيون المتلقين سباتا ومهربا.
وأكدت أن كثيرا من الأقلام المعاصرة استطاعت أن تقتل هذه الآفة ،وتجعل القص سردابا غامضا جميلا لا يمله المتلقي تخيلا و تلقيا،فطلب مني بعضهم أن أستدل بنص يثبت نظريتي -و إن كنت مجرد ناقل -فوعدت بعد حين.
وهاهو نص(ثرثرة العجائز)
ينجز وعدي ،ويحل وثاقي.
نص بديع بهي ،يقول بجلاء
:سر جمال النص ليس بقوة الحدث أو جدته أو ابتكاره ،
بل بكيف ينقل،فما يخلد النص ،هو :كيف حدث ؟وكيف نقل لنا المبدع ديناميكية هذا (الحدوث).
وعند إمعان الحس والنظر في هذا النص ندرك أن الدكتور سيد شعبان واحد من القلة المميزة التي تمتلك ناصية القص وتجعل السهل البسيط عصيا مهيبا لا يتأتى لغير ذي حنكة و ملكة.
القصة في حد ذاتها ملك عام مشاع تناولتها كثير من الأقلام ،قصة الوهم ومن يبيعه ومن يشتريه،قصة المبروك المصنوع والمتصنع
،قصة الأمل في غير موضعه،و الرعي في غير مرتعه،قصة قديمة جديدة ،لكن هذا القلم يجعلك تطالعها ألف مرة ،دون أن تكل أو تقنع؛
لأنه قلم ارتكز على حرفية عالية وموهبة بادية، والدليل
على ذلك يستوجب بيان النقاط الأتية:
*الألفاظ لها دلالات خاصة في عبارات هذا النص، فلنفهم ونتذوق دلالة :(مغبرا)و(ركام)و(يتلمظ)في عباراتها(مغبرا بحرارة صيف...)و(ما تتركه النسوة من ركام وشايات يطلقنها..)و (حيث بقايا رماد كان يتلمظ نارا) ،لم تكن هذه الكلمات وليدة صدفة عابرة بل كانت مقصودة بمهارة للدلالات يرمي إليها المبدع ؛فمغبرا وصف حسي لحال معنوي فما أوجزها من لفظة ،وما أوضحه من معنى! و ركام تؤكد مع الإطلاق :الكثرة والقوة والاندفاع وبالتالي الأثر السلبي، ويتلمظ مع مجيئها من رماد توحي بشر دفين يستوجب الحيطة والحذر ،وما تناولته هنا من دلالات الألفاظ على سبيل التمثيل والنص زاخر بمثلها
كمالا وعبقرية اختيار.
*العبارات بها إيحاء وتكثيف عال لمعان خفية جلية ، ويكفيني من ذلك مثالان أو ثلاثة:
-(الشمس تتغذى على حطب القلوب اليابسة) ياله من تحذير وتنفير! ياله من تنويه للخروج من وصف خطير!
-(الليلة الفائتة تسللت إلى حجرة جدتي الطينية..)ما أوفى هذه العبارة!كأنما ترسم لنا بعدا من أبعاد البطل الراوي ،حتى نعرفه ونألفه ونطمئن له،كأنما هو تسلل إلى الماضي لربطه بالحاضر ؛إذ يستحضر وصية جدته.
-(أو تلتهم الشياه الغافية وراء أبواب ضربها السوس)
ما أوضح المعنى ،وما أجمل الصياغة!الغافية إشارة أمن وطمأنينة دون إفراط ؛فخشية الالتهام حاضرة،
حيث أن الأبواب ضربها السوس بعد أن ضرب الإهمال أهلها.
*تبدأ القصة و مع وضوحها تترك للمتلقي مساحة ليعيشها بأبعاده،و يضرب بساحتها بأطنابه و أوتاده،
و منذ(ثمة حجرة تقف شاخصة....)تتضح مزيد من الأبعاد لهذه العين المراقبة ،
التي تحمل نظرة طفل و لب مخضرم...ف(تنطلي) الحيلة
وتتحقق الغاية ،وتمتلئ الآنية ،ويفيض الماعون.
ثم ما تلبث حتى تتطور الأبعاد ،فتملكه الشهوات،بعد أن وصل بالكرامة أوجها ،و
بالوجاهة وهجها.
لكن الحجر يتضعضع،و
السر يتقطع،وتنزل منه الدنيا
منزلا يجعل ثوبه مزقا،و
حرير خلو باله خرقا.
وارتد السحر عليه ،وانفض
السمار،وصار سفر تراتيله،و
ماضي تآويله (في عالم الخيال تتراقص الأماني واقعا لكنه من سراب)و تنتصر الدنيا بغرورها عليه ،وتخمد نار الأحاجي ولا ترجى ولا تفيد.
بيد أنه يستفيق وينبثق له من الظلام ما ينير له سراديب نفسه،ويمحو من رسم عيونه جمالها الزائف وفتنتها المصبوغة،فتخرج بين أصابعه خصلة بيضاء تخشى حديث العجائز...وتندنو من مصير الحتم ،الزوال،بل كلاهما يدنو لمصيره مصير الزوال،وينكشف مسيلمة فيه وسجاح في دنياه،
فاتنته، ورغم تطاول زره إلا أن الشمس قد سطعت وحان وقت الحساب.
*و مع كل ذلك الزخم الفريد الجميل الذي يقول الكثير الكثير بالقليل القليل ،مع كل ذلك إلا أنني تمنيت بضع أمنيات:
•تمنيت مراجعة علامات الترقيم فقد شابها شيء من التعجل في بعض المواضع،مثل:(تقول أمي :الشمس تتغذى على حطب القلوب اليابسة،تأكل ماتتركه النسوة من ركام وشايات يطلقنها كلما اجتمعن عند الفرن للخبيز،الليلة الفائتة تسللت إلى حجرة جدتي ...)
الفاصلة بعد (عند الفرن للخبيز)غير سليمة؛إذ تنبئ أن ما بعدها مما قالته أمه،وهو(الليلة الفائتة تسللت...)و المعقول هنا أن قولها انتهى فالأولى النقطة(.)لا الفاصلة،ثم فقرة جديدة (الليلة الفائتة...)
•تمنيت حذف كلمة(إنها ) من (ثمة حجرة تقف شاخصة وراء الباب،إنها تشع في العتمة،تأتيها....)لا أرى وقعا ل (إنها) في هذا الموقع؛فالخبر ابتدائي في أذن المتلقي فلا حاجة للتأكيد،والأولى (...تقف شاخصة وراء الباب،تشع في العتمة...).
•في هذا المقطع تمنيت أمرين ،والمقطع هو:(خزانة أشيائها ممتلئة بمساحيق وفرشاة ...قديما قالت جدتي:العريان يخيط من الوهم جلبابا،لأتحاشى كل المعميات إنه يتعاطى الخوف فيذره في كل ناحية إنه مسيلمة...) والأمران هما:
-تمنيت اختفاء التقرير بقول الجدة رغم مابه من حكمة ،لكن تكرار لسان الجدة يقوي التقرير هنا ،فالأمر في حسي يحتاج صياغة أخرى.
-تمنيت تناسب ضمير المتكلم والغائب بين(لأتحاشى)و (إنه) إما ب
(ليتحاشى ..إنه)أو
(لأتحاشى إنني...)والأولى أولى في رأيي.
أخيرا هذه تأملات عاشق في محراب الجمال،فأنتم الدر والناظم ،ونحن من يجمل عينيه ببريق حرفكم.
ودي وتقديري واحترامي
أستاذنا الكبير د/سيد شعبان
٥أغسطس ٢٠١٩
ثرثرة العجائز... قصة قصيرة
د. سيد شعبان
صبحت هذا اليوم مغبرا بحرارة صيف ملتهب،تقول أمي : الشمس تتغذى على حطب القلوب اليابسة، تأكل ما تتركه النسوة من ركام وشايات يطلقنها كلما اجتمعن عند الفرن للخبيز، الليلة الفائتة تسللت إلى حجرة جدتي الطينية حيث بقايا رماد كان يتلمظ نارا، ولأنها غادرت الدنيا فما عاد أحد يطفيء النار غيري، أوصتني؛ ألا يأتي شيطان " أرض المجرية" فيشعلها تلتهم الحقول الحبلى بأكواز الذرة، أو تلتهم الشياه الغافية وراء ابواب ضربها السوس.
ثمة حجر يقف شاخصا وراء الباب، يشع في العتمة، تأتيه العاقر،وتخطو فوقه الناشز، وتتمنى عنده من آيست من عودة حبيبها.
ولأنني كنت طفلا ذا نظرة لا تغيب، تلذذت بهذا،ارتديت عباءة ووضعت طاقية يتدلى منها زر،وصرت أصدر همهمة، أفلحت لعبتي، نادوني "المبروك".
امتلأت آنية أمي بالجبن الأبيض الشهي، فاض الماعون الكبير بعسل النحل، اكتسى إخوتي، طلى أبي واجهة البيت الطيني باللون الأخضر؛ فللشيخ أبو زر كرامة ووجاهة!
آنست من نفسي القدرة أن أحتوي ثورا في معدتي، لاح لي بريق عين فتاة تخطو فوق الحجر الذهبي، استدارت في لفتة بارعة، رمتني بنظرة مخاتلة،تركت في عقلي مسافة للذهول، هام بها قلبي، في تلك اللحظة ما عاد الحجر الذهبي مكانه.
اشتعلت نار بحجرتي، خرج مارد عملاق يصارعني، ألقى بي من كوة بالجدار، أما هي فقد صارت ذات الدل والسر.
ثوبي الأخضر استحال مزقا، أنا الآن متعطل يندب أيام كان يغط في وشي من حرير، لمعت في خاطري فكرة؛ وما أكثر الترهات التي يهرف بها الشيطان حين يجمع طائفته يعدهم المن والسلوى،لا تنسوا أنني يوما كنت حاملا لسر الحجر.
أمسكت بكتاب الشيخ جاد الله؛ بليت به حروف ممعنة في القدم، أشكال سداسية، إشارات لقوم يعيشون تحت الأرض، بل يسكنون قاع النهر، لست ساحرا على أية حال، قرأت أول سطر أصابتني رعشة هزتني رعدة، غامت السماء في عيني، انتقلت إلى عالم آخر، أعواد الذرة الجافة كانت هشيما تذروه الرياح انتشت فرحا،بكل واحد منها سبعة كيزان مسطرة بحبوب بيضاء لذة للناظرين، البقرة التي مكثت دهرا لا تنجب يجري خلفها وعل بهي، حتى العنزة قمرين أتأمت بحملين!
في عالم الخيال تتراقص الأماني واقعا لكنه من سراب.
أرسلت إلي الفاتنة بهدية فناظرة ما أفعل.
كانت قطعة من ذلك الحجر المغموس بحمرة قانية، لم تعد للأحاجي أهمية ترجى، لقد انبثق من الظلام نور أضاء لي ما بين سراديب نفسي.
استدارت بعدما أكملت زينتها؛ تبدو اشبه بدمية مستها يد طفلة عابثة، الزمن تجاوزها، تمسك بخيوط ظل يتفلت؛ جاء الصغير مسرعا، أخذ يتفرس في وجهها، أنكر ما فعلت.
جذب خصلة بيضاء من شعرها.
يوم التقينا كان كل شيء يختلف، عيناها تتحدثان بلغة أخرى، يمتد العمر حيث تتراقص الأحلام.
أحقا هي التي رأيتها سابحة في نهر الحب؟
أتساءل: أي لص سرق ملامحها فباتت ظل أنثى؟
يجري الطفل حاملا خصلة الشعر البيضاء، تلاحقه؛ تخشى أن يتناثر حديث العجائز في جلسة المساء، تناديه، تسترضيه، أدرك حرصها أن تستوقف الصورة الأولى!
تماوج شعرها، حين تشممت عبق عطرها، كان العالم في مخيلتي قصيدة شعر، الآن بات كل شيء باهتا.
تسأله:
لم جذبت تلك الشعرات البيضاء دون غيرها؟
يجيبها: لا أريدك أن ترحلي بعيدا؛ قالت جدتي: إن الذين يضعون تلك العلامة البيضاء أشبه بمسافرين آن موعدهم.
انتبهت لتلك الكلمات، حقا سينتهي قريبا كل شيء؛ أنا وهي وذلك الحلم..
خزانة أشيائها ممتلئة بمساحيق وفرشاة ألوان؛ أصباغ زينة باهتة؛ ثياب عرس متكلسة.
قديما قالت جدتي: العريان يخيط من الوهم جلبابا، لأتحاشى كل المعميات إنه يتعاطى الخوف فيذره في كل ناحية، إنه مسيلمة وهي بالتأكيد سجاح، تطاول زر طاقيتي، رغم هذا لم يعد أحد يهبني وعاء لبن،ثقب الجني آنية العسل المصفى، النمل هو الآخر فر هاربا؛ فلا مقام له في بيت تسكنه الزنابير، إنها تصدر طنينا لا فائدة منه، أفقت على قرع بالباب، ذوو السحن السوداء استباحوا الحجر، كان معهم الخواجة بيبي الذي طاف قريتنا فوق حماره الأبيض، يمعن النظر جهة ذلك السر المنطوي جنينا في باطن الأرض، لم آخذ منه شيئا، سريعا أجبت، عند كل ركلة بي مس جن.
2- د. محمد موسى العكادي - سردية " في دفتر اليومية"
يبدأ هذا السحر الآسر عندي من(من أحب ساعات السفر إلي أن أركب قطار الثالثة...)
حيث يتخذ القلم القطار كآلية اجتماعية تدور على إيقاعها الدنيا في لوحة توشك أن تكتمل .
يرسم لنا صورا حسيا مدهشة ل(بائع العسلية ومحصل التذاكر و الفتيات و و و)ويصور لنا ضمنا صورة نفسية ضمنية أكثر عمقا.
ومع صافرة القطار المغادرة تتضح لنا أول سمات هذا القلم المترع بالإبداع المغلف بالقلق؛إذ يخشى أن يسرق الإبداع ويحتل زقاق المدق،ويغالب قلقه ويأسه ويكتب على فطرته بحبر النزف ،و وجع الحرف.
ويكأنه احتمل ما يعانيه وبدد ما يلاقيه،فهاهو يخط بمداده رموزا تخاطب جيل القادمين ؛إذ أن عقارب الساعة لا ترضخ إليه وتصر على مواصلة الدوران،و ما حصاده منها إلا عبئا على جسده ،يصيبه في أعز ما يملك القلم أصابعه وهي ناقله،و أذنه وهي مستقبله .
وتبدأ عجلات القطار الدوران من جديد في إيحاء ورمزية عند ربط ذلك بطائلة العمر عليه ،ومع أنه لا يستسلم ويجري خلف القطار وتمد له بارقة الأمل يدا مغررة لكن يدا رحيمة تدفع به بعيدا عن هذه المعركة .
هل ستعود إلى؟
يلقي السؤال ،ويجيب عنه ؛فالمرأة تكره الرجل الذي لم يدرك قطارها ،وفي الأمر ظاهر و مضمر، ثم يتلهى ويلهيه العوز فيتخيل مايشير إليه (ساندوتشا محشوا) و هاهو يسير بثوب يستر نحوله الذي تغطيه تلال الذباب.
ويخرج قلمنا من ذاتيته بعد أن يفشل في الوصول لبيته وغايته بل يعجز أن ينادي بحقه وباسمه ،يخرج من هذه الذاتية ليعلن أن الأمر سطوة وأن كل المجتمع حوله كتل أشبه بقوالب الطوب وقد صفت في فرن لتخرج حمراء من سحن متشابهة ،ما أعمق دلالة هذا التشبيه فالأمر لم يعد أمر ذات ،بل أمر سطوة واستعباد .
ومع أن الأمر يتطلب ثورة ،إلا أن قلمنا ينأ إلى ركن الذكريات ويتلمس صورة الأمل الذي داعب عمره و الأب الذي كان يدخره للزمن ،ويعود بفلاش سريع ليجعل مخزونه ومدخره منقذا له من معدة القطار من وحش الزمن .
ويصل لقناعة أن لا أحد يعبأ به ،لا العسعس ولا السابلة ،لا أحد يرى بياض إبداعه و وميض إحساسه و موهبته لا حي يشعر به وبمن مثله ،وهاهو يصرخ لذاته قبل الآخرين:ينتهي الفقر يوم أن نتقاسم أرغفة الخبز ونتشارك في سمر يأتي عفوا.
ويختم قلمنا بوحه بذاتية مفروضة لكنه يبذل جهده رغم توحش تماسيح النهر ،ويخشى من الغول الذي يأتي غدرا ، ومابين (محجوب )و(أبوسويلم)
تدور رحى الدنيا شئنا أم أبينا لكن لابد من صباح!
3- عمرو الزيات - كيف ننام ودسوق لا تنام؟!!
استهلال عجيب بهذا الاستفهام: ترى من يذرع الآن أرصفة القطارات جيئة وذهابا؟
تحاول أيها القارئ اكتشاف تلك الأرصفة، ترسم معالمها واتجاهاتها، إنها الأرصفة التي تربط (دسوق) بذاكرة قاطنيها؛ فلم تزل تلك المدينة العريقة رمزا لأولياء الله الصالحين، وملاذا لهؤلاء الفقراء التي زارت الفئران جواربهم وأثوابهم، يجدون فيها ظلا ظليلا من هجير الحياة حين يطحنهم الزمن بكلكله، معدات تبحث عن بعض حبات الفول النابت وحب العزيز تمنحها بعض القوة؛ وتبعث فيها غرائز فشل العطارون أن يوقظوها...
تجئ القصة بضمير المتكلم الذي يرى نفسه أحد هؤلاء وابن تلك البيئة بكل ما تحمله من مقومات وموروث، يرصد ويصور، وهو تاريخ تلك المدينة؛ لكنه لا يتدخل في الأحداث، ولا يحجر عليك – أيها القارئ - وأنت تتابع، ثمّة فروق بين ماضي و دسوق وحاضرها " الوجوه هنا مصابة بالعتمة؛ يطول الليل تحت سياط القهر؛ باعة الخضروات والفاكهة يتكدسون كما لو أنهم صاروا كتلا خرسانية؛ شارع سعد ذلك النهر من البشر لم يعد يسكنه غير السراب؛ وقع الخطوات وصور المعروضات كل هذا أخرس؛ رائحة اللحم المشوي وألوان الثياب والمحلات تضج بالزبائن كل هذا الآن بات صامتا؛ أتذكر بعض هؤلاء الذين مروا من هنا؛ وجوههم تثير أسئلة لن تجد غير إجابة واحدة: الموت!"
إشارة خفية لآثار الحاضر التي لا ترحم تهدم كل قديم في غير رحمة؛ لكن الرواي مهموم بهذا الماضي ولا يستطيع أن يتحرر منه، يعيش فيه بكل جوارحه، تعانق روحه (دسوق) وهي تلك المرأة التي تجذبه "تجذبني امرأة من طرف ثوبي؛ يتمزق قلبي بين يديها فرخ يمام؛ تعانقني في حنو؛ تربت على كتفي؛ تبتهل في خشوع؛ اسم الله حارسه ولي من أولياء الله الصالحين؛ يحضر أبو سن حصانا أبيض؛ يرفعونني فوقه؛ ركب الخليفة وانشرح!"
تلك أمنيته، ويا لها من أمنية!! "صدقت نفسي؛ فأنا اليوم من الأصفياء؛ حب العزيز وعمامة خضراء؛ ومقام ودراويش؛ آمر برمش عيني تلك الجموع؛ لا يحق لهم أن يعترضوا!
أمد كفي فأخرج السر من بطن الحوت!
مدد يا صاحب المقام!"
بيد أن الحاضر سياطه مؤلمه يفيق على صافرات قطار هذا الحاضر تسحقه تلك السياط وتكتظ الساحة بالهجانة ويكثر السحق، ضاع حلمه وإذا به يتناثر بالميدان وينفض مولد الماضي ويطل شبح الحاضر الذي سرق حلم الولي.
يبرهن القاص أن الأديب ابن مجتمعه، وأن الأدب الحق لا بد أن يكون مرآة صادقة لواقع هذا المجتمع، وصديقنا خير من يعبر عن ذلك، ولا ريب أن الأديب الحق هو من يحمل رؤيته للعالم بحكم انتمائه الثقافي وموقفه الفكري.
4- على أحمد: - جماليات السرد في قصص دكتور سيد شعبان
آثرت في حديثي عن جماليات النص السردي هنا، أن أسلك منهجًا متكاملًا ، لا يعتمد مدرسة بعينها دون غيرها، ولايرجح مدرسة نقدية على غيرها، بل يعتمد على تذوقي لقصص من نوع خاص يغاير المألوف المعتاد، ويتجاوز حدود العصر؛ لذا لا أدعي زهوًا أنني سأقتله بحثًا بل هى قراءة محب للأدب عاشق للجمال ،،،،
وكان منهجى أن لا أدرج هنا شواهد من قصص القاص لسببين :
أولهما : كي لايطول المقال ويتشتت معه ذهن القاريء ، ويفقد المقال ثمرته المرجوة .
وآخرهما : ليصبح لدى كل قاريء شغوف بهذا الفن أن يرجع للمصدر بنفسه؛ فينهل منها متعته ويعمل جهده .
تحليل البيئة والشخصية : لا أسلم تسليمًا قاطعًا لأصحاب الآراء التي تعزل النص عن صاحبه، وتفصل بينهما فصلًا وكأن النص هبط من السماء أو مات صاحبه، ولن أدخل في جدل مع أصحاب هذه الآراء، ولكن يقيني أن النص يظل أبدًا ودائمًا يحمل صفات وسلوكات صاحبه ، ويظل ترجمان مشاعره التي تأثرت بالبيئة المحيطة بها، غير أني في ذات الوقت لا أحب من يطيلون الوقوف عند هذا المنحى ويثقلونه بالأعباء، وينحون بالنص على هذه الفكرة يلحون عليها حتى تصبح منتهى غايتهم .
أديبنا هو وليد العصر الذي نحياه بكل ما فيه من تقلبات وصراعات، وبكل ما فيه من حسنات وعيوب ، لا يأثره مذهبًا دينيًا أو يستحوذ عليه فكر دون غيره ، إنما هى عين الفنان والناقد المبدع، وعدسته التي تلتقط الصور بتشابكها وتنوعها غير أن خلف هذه العين يقبع الإحساس الرقيق الشفيف، والعدسة الواعية التي تدرك ما لايدركه الآخرون ، وإن أهم ما يميزه أنه جمع ثقافة الريف المصري الأصيل و ثقافة التمدن والتحضر، لكنه لم يحيا حياة الإقطاعيين في الريف بل عاش حياة الكادحين، وتمرس بحكى الجدات، وألف حياة البسطاء بل وطحنته وعركته بكل ما فيها ، وعندما انتقل إلى المدينة لم تبهره أضواؤها ولم تسرقه حكاياتها ، بل ظل يحن إلى الريف دائمًا، يعود إلى ذكرياته الأولى ، ذلك لأنه يملك قلبًا رقيق المشاعر عطوفًا ، بل تشعر معه ، وأنت تطالع قصصه أنه يعاني غربة تمثل فارقًا بين القيم وصراعًا للبحث عن الذات، وخوفًا شديدًا على مايملكه من قيم تصارع للبقاء في وجه مفاسد الحضارة وملذاتها....
العنوان : يمثل العنوان أحد المفاتيح التأويلية لأي نص إن لم يكن أهمها، وهو ظاهرة متألقة متنوعة مشرقة في قصص فارسنا الألمعي ، فتراه يتكيء كثيرًا على الجملة الاسمية بما تحمله من الثبات ، لكنه يعطيك المبتدأ وينتظر منك أن تبحث في ثنايا قصصه عن الخبر، ويدهشك بما يضفيه على المبتدأ من هالة، وغموض ورمزية وتعلق بالتراث كل هذا في آن واحد ( سيدنا الخضر / الأحدب / ولد من الغجر /...) وعليك أن تستحضر صورة الخضر التي تعرفها من ثقافتك الإسلامية ، فإذا به يجعلك أمام صورة أخرى، وشخصية جديدة تطالعك لأول مرة، وتدهشك بحركتها السردية ، وعليك أن تستعد، ويستعد عقلك؛ لتستقبل سيلا سرديًا سريع الحركة إذا ما ذهبت تبحث عن الخبر، وإذا ما دفعك الفضول للبحث عن الخبر ...
شلال السرد ...الإعصار السردي :
استميحك عذرًا لهذا العنوان، ولكن حقًا هذا ما ستواجهه عندما تبدأ بالقراءة للفارس المبدع ، فستجد الحكي يلفك من هنا وهناك ، ويدور بك في دوامة الشلال، فإن كنت مسلحًا بالفكر الثاقب والعقلية الواعية، فأنت ستجد هذا الشلال يشبه تلك المتعة التي تخرج بها عندما تركب الشلال في ملاهي المدينة، وستشعر بتلك السعادة، وتحب أن تكرر الرحلة مرارًا ومرارًا ، وإن كنت ممن لا يجيدون السباحة في بحر الفن القصصي سيلفك إعصار يؤرق مضجعك، وقد تخشى أن تعود إليه ثانية ، فإن كنت ممن يقرأون للتسلية في آخر الليل فابحث لك عن صديق آخر فلن تتحمل قوة البيان، ولن تقوى على كثافة السرد ، وإن كنت ممن يحبون اقتحام البيان ويتلذذون بجماله فأهلًا بك في ميدان الفارس العملاق .
القصص عنده يعد مزيجًا من عوالم التأمل في الريف لكنه لايرصد واقعًا، وينقله نقلًا بل يمزج بينه وبين الثقافة وبينه وبين التراث وبينه وبين الرمزية ؛ ليصبح في النهاية عالمًا خاصًا فريدًا لاشبيه له حرفيًا في أرض الواقع، بل يصدمك بخيال لشخص يرصد الصراعات النفسية لشخوصه كما يرصد تشابكها، ويربط بينها في لوحة بيانية لاينزلق السرد معها إلى العامية، ولايتعالى على متلقيه من أبناء العصر الحالي
يميل إلى التشخيص باستخدام الصور البلاغية؛ لتشكيل لوحاته الفنية ، يتجاوز الموصوف الحدثي من خلال حركة السرد والرمزية والتراث .
الذات المقنعة في قصصه : لكل أديب أوكاتب رسائل يتوجه بها إلى المتلقي ، تلك الرسائل تتخفى في العمل القصصي خلف قناع الشخصيات والأحداث والسرد ، ومن آن لآخر تظهر في قصص الفارس فيما يشبه الحكمة حينًا ، أو الحكي التراثي تارة أخرى غير أنه استطاع أن يوظفه توظيفًا نافعًا يخدم قصصه ، كما أن رسائله تدور حول قيم ، وسلوكات لشرائح داخل المجتمع، ومعتقدات تخلق بها أصحابها ، وأهم ما يميز الفارس القصصي أنه يعرضها بكل جوانبها ، بل وأحيانًا يلح عليها، وكثيرًا ما يحللها ويتعمق فيها نفسيًا غير أنه لا يتدخل مطلقًا بحال من الأحوال؛ لينقدها أو ينكرها، ولعله بذلك يترك الفرصة للمتلقي أن يتفاعل معها ويتحاور معها، دون أن يوجه رأيه ، وقد كان بإمكانه أن يسلك هذا الصنيع متخفيًا خلف شخوص قصصه .
علاقة الشخصيات بحركة السرد : لعل هذا الأمر من اختراعي، أو من وهم مشاعري، فإنني أجزم أن هناك ترابط دائمًا بين سرعة السرد ، والانتقال بين لوحاته الفنية وبين شخوصه ، حتى إذا أدار القاص حوارًا فإنه حتمًا يتأثر في أسلوبه وسرعته بالمتحاورين، فإن حديثي عن صياد سيحتم على البطء في السرد، وحديثي عن سيارة مسرعة سيحتم على سرعة السرد ، وهذا ما تستشعره مع شخوص الفارس القصصي فأحيانًا يتوقف متمهلًا ليعطيك أدق التفاصيل الدقيقة ، وملامح تصف شخوصه حتى لتجعلك تشعر أنك تراها رؤى العين ، وتارة يعطيك سرعة في التنقل تندفع من عواطف الخوف أو الفزع التي تنتاب الشخوص ، ولاشك أن هذا التنقل يدغدغ المشاعر ويحفز القاريء؛ ليشعر في النهاية أنه سقط في وسط القصص دون شعور، وكأنه صار واحدًا من شخوص القاص .
دلالة الأسماء في قصص الفارس:
وظف الفارس الأسماء في قصصه توظيفًا دلاليًا مؤثرًا في طبيعة القصص، ومهيمنًا على السرد فدائمًا الأسماء ترتبط بالأحداث ، وتتناسب مع الحكي، وتعطي دلالة رمزية، وتبعث برسائل تراثية تعمق الشعور بالسرد، وهذا ما دأب عليه فارسنا .
التبئير: كثيرًا مايستخدم القاص التبئير الداخلي معتمدًا على أسلوب المتكلم؛ ليلج من خلاله إلى عالمه القصصي، وأما التبئير الخارجي بصيغة الغائب فقد ورد قليلا ومتناغمًا مع طبيعة القصص وحركة السرد، ولعل ذلك أضفى على قصصة واقعًا معيشيًا ينبع من السرد .
نوع القصص : لن تستطيع أن تضع تصنيفًا دقيقًا للقصص عند دكتور سيد ؛ لأنه يمزج بين مختلف أنواع القصص فتجد الحكي النفسي الذي يتوغل في تفسير أغوار الطبيعة البشرية ، ويتوغل في العمق الاجتماعي بوصف شخوصه وتطورها الفردي، كما تجد الرمزية المرتبطة بعمق التراث، كما تطالعك اللوحات الرومانسية الممتزجة بالإحساس بالغربة الحالمة التي تبحث عن عالم المثل بين طبقات المجتمع.
المزج بين ( المونولجية الأحادية... الحوارية ) : يجمع القاص بين المونولوجية الأحادية التي تنبع من حوار النفس وحديثها ، وبين حوار من طبيعة خاصة ، فليس الحوار حوارًا مباشرًا بين الشخصيات القصصة بل هو حوار بين شرائح الطبقات أو اللوحات الفنية التي تتصادم معًا؛ لتصنع مزيجًا رائعًا من التناغم والتفاعل ذي طبيعة خاصة ودقيقة تتنامى سريعًا وتتطور مع السرد .
كما يحدث أن يصاب أبطاله بالمثالية المجردة التي قد يصاب أبطالها بخيبة الأمل نظرًا للفشل في تحقيق الطموحات والآمال؛ لتصادمهم مع واقع اجتماعي صعب .
الحبكة الفنية : لا يعمد القاص في قصصة إلى حبكة فنية أو تقديم مشكلة تصل إلى ذروتها مع تطور السرد ، فإن ذهبت تبحث عن هذا النوع من القصص فلن تصادفه في قصص دكتور سيد؛ لأن طبيعة السرد تتشكل عنده بطريقة مغايرة ، فهو يقدم شرائح فنية اجتماعية تشبه اللوحات الجميلة ، وكأنها سيرة ذاتية موضوعية، ثم يعيد ترتيبها ليس وفق الترتيب المنطقي المتوقع في تقدير الشخص العادي بل وفق رؤية فنية خاصة تنبع من شعوره بالجمال الفني للبناء القصصي كله، ويربط بين تلك الشرائح بروابط تتولد من داخل السرد، قد تبدو غير واضحة المعالم في نظر غير الحصيف، لكنها عميقة في جوهرها ترتكز على عمق التراث فيقدم ويؤخر ثم يعود مرتكزًا على قوة السرد؛ ليربط الأحداث معًا ..
كما أنه يتمكن من الرؤية بالخلف وأعني بها أنه سارد عالم بكل شيء حول شخوصه، وحاضر مع شخوصه في كل مكان وهى معرفته بالأخبار السرية لشخوصه وما يدور خلف الجدران ، فهو يرى أكثر مما ترى الشخصية غير أنه لايقدم للقاريء تفسيرات يسبق ما تراه الشخصية بل يرى معها ما تراه ويترك للقاريء التفسير ، والسارد عنده غالبًا ما يكون غير مشارك في القصة بل يكون خارج الحكي .
وقد يتفرع عن الحكي الرئيس حكي فرعي ثم يتفرع هو الآخر لأفرع تقل أو تكثر، غير أن موهبته الفذة تجعله ممسكًا بزمام الأمور فلا يغفل عن حكيه الأصل، ولا ينسى بطله فإذا به يعود بك دون شعور، وقد تشبعت بخلفية منطقية حول البطل، وكأنك تمتلك تفسيرًا لسير السرد وتسعد بمنطقية الأحداث .
الشخصية : تمثل الشخوص التي يتحدث عنها القاص مفارقات غريبة ، وتثير تساؤلات جدلية ، فهى ليست شخصيات منطقية نصادفها كثيرًا في حياتنا ، وليست صفاتها البدنية أو سلوكاتها كغيرها من الشخصيات بل تجدها محملة بالمعاناة الاجتماعية حينًا وترمز لعادات وتقاليد شائعة حينًا وحتى تصرفاتها تخرج عن المألوف تجاه المواقف الحياتية ، ومن المعلوم أن الملفوظات الفعلية تعتمد في تقديم أفعال الشخصية غير أنه يتميز بقلة استخدام الروابط الحرفية بل يجعل من الأفعال روابط تسير تباعًا مع السرد ، غير أنه يقدم وصفًا مغايرًا لصفات الشخصية فلا يصفها جملة بل تفصيلًا دقيقًا لملامحها ، وكأنه يضعها على مجهر، أضف لما يقدمه عنها من أبعاد نفسية تؤهله لعقد الصراع النفسي وسرد الحدث.
الزمن وإيقاع السرد : يمتد الزمن لدى القاص وقد يطول ليصل إلى أجيال، فهو يتعامل معه دون حدود ضيقة لمفهوم الزمن بل يجيء ويذهب بحرية شديدة ، يسترجع الزمن الماضي ويتقدم إلى الحاضر وفق شعوره الفني .
ويتحدد سرعة الإيقاع بحسب وتيرة سير الأحداث وسرعتها أو بطئها، ولدى القاص سرعة شديدة في سير الأحداث ودرجة تكثيفها قلما تجدها لدى غيره، فهو يختذل ويختصر ويكثف ويحذف وفق موهبة رائعة في التعامل مع اللغة، ولعل هذا ما دفعني سابقًا أن أطلق مصطلحًا ( شلال السرد أو الاعصار)
المكان : الأماكن في الأعمال القصصية ليست مجرد حدودًا هندسية بل تمثل المفاهيم والتصورات والتوقعات الاجتماعية، و طبيعة البيئة التي تدور فيها أحداث قصص الدكتور سيد تعبر عن ذلك أصدق تعبيرًا، كما أنه يراعي ديناميكية المكان وتفاعل الانتقال ، والألفة للأماكن، فهى بيئة غير متوقعة فأحيانًا تكون البيئة ريفية لكنها مختلفة في تركيبها ، وتارة البيئة غجرية ، لكنه يجعل القاريء أمام صورة تخيلية للمكان يرسمها القاص بريشته الفنية التي تنبع من الحكي الرائع .
تنوع الصيغ : ينوع القاص في الصيغ السردية الوصفية والحكي وغيرها مستخدمًا لغة لاتغلب عليها الفصحى القديمة التي تغلق على الأفهام ولامنحدرًا إلى العامية التي تحط من قدر الأدب ، بل يستخدم الفصحى السلسة اليسيرة التي تحقق المتعة ولا يصعب على متوسطي الثقافة فهمها، وهو بذلك يضيف ميزة وفضلا يساعد على حماية اللغة ومراعاة تطورها.
5- د. رامي هلال -قراءة في قصة (قرد إفريقي) للدكتور سيد شعبان.
قرد إفريقي!
لا أدري ما الذي جعلني أتذكر تلك السمكة الكبيرة التي اصطادها أبي من النهر الذي كان يرتفع ماؤه أيام الفيضان،رغم أن ذلك حدث منذ زمن بعيد، كانت تلك أيام مضت قصت حكايتها جدتي في ليالي الشتاء الطويلة تلتف حولها ونتعارك من يجلس بمقربة منها!
تلك السمكة على ما يبدو ذات ذيل أخضر وزعنفة ملونة؛ تتمتم بشفتيها، كل واحد منا حاول أن يلاعبها أو يمرر يده عليها؛ إنه الولع بالكائنات الغريبة.
نهرتنا جدتي وتفرست فيها ثم قالت: - هذه سمكة مباركة تذكر الله بلسان لا تعرفونه- كانت نملة سيدنا سليمان تفعل مثل هذا- وتدعوه أن يفك سجنها.
ساعتها سألتها:
-هل نمتلك سجنا؟
ضحكت وأكملت حديثها: يوم أن تكبر ستجد حبلا يطوق رقبتك.
يعدون خطواتك، قد لا تستطيع أن تتنفس.
- ثم قالت: لايمكن أن تبقى هذه المباركة هنا، يبدو أنها وجدت شرا يحيط بها، الجدات يمتلكن الحكمة يتوراثنها عن الراحلين.
ومؤكد أن في الماء حباة لها.
أمرت أبي أن يعود سريعا إلى النهر ويلقي بها فيه.
حين جاء الليل أعاذتني بالله من شر شياطين البر والبحر.
أخبرنا أبي أنه حين ألقى بها في النهر تراقصت وأخذت تحرك ذيلها في تودد ظاهر.
ترفقت بنا الجدة وأخبرتنا بأنها في يوم ما سترد الجميل لأحدنا.
ساعتها تخيلت أن هذه ابنة ملك الجن، ستهبني ذهبا ومرجانا، غير أن هذا الحلم تلاشى بعد أن ماتت الجدة وتركت في البيت حزنا لايفارقنا.
شغلتني هموم لقمة العيش، امتهنت أعمالا كثيرة؛ بعت الصحف والمجلات، تقافزت من قطارات الدرجة الثالثة مثل قرد إفريقي، أحمل علبة من الورق أضع فيها الحلوى وأقراص الخبز المحشو.
يتساقط المطر فأهرب إلى عربة قطار معطل على رصيف الانتظار.
رجال ونساء يمضون ليلهم هنا، تتناهى إلى سمعي كلمات وقحة، في هذا المكان تسكن الشياطين.
يضج الليل بريحه التي تلطم وجهي، يتملكني برد الشتاء، جسدي العاري الذي تلتف حوله ثياب ممزقة، حذاء تتحرك فيه أصابعي، شعري الملبد من وسخ الأرصفة.
أترنح مثل عود القش فلا أحد يهتم بهذا المتسول.
يهدني التعب فأرتمي على مقعد خشبي تكاد مساميره تستقر في جسدي، يقتلني التعب من حركة وجري وراء لقمة عبش ذليلة.
تموء قطة في المقعد المقابل، أخرج لها من علبتي نصف رغيف كنت أحتفظ بها لأخمد صوت معدتي الذي يشبه صافرة قطار عجوز.
تتشمم الشطيرة ومن ثم تموء وتحرك ذيلها فرحة بها.
تأخذني سنة من النوم، تمثل لي السمكة التي اصطادها أبي منذ سنوات عدة، تتحول إلى فتاة جميلة يتدلى شعرها حتى وسط ظهرها، يلتف حول رقبتها عقد من الياقوت الأحمر، تمد يدها مرحبة بي، أحاول الهرب منها، تسكب فوق جسدي ماء المطر، عدت إنسانا لا أعرفه، تمتليء علبة الحلوى بقطع معدنية صفراء، تتمتم بكلمات غريبة.
يقطع صمت الليل صوت صافرة القطار المتأخر عن موعده ثلاث ساعات.
دائما ما يقول محصل التذاكر: في هذه البلاد كل شيء منضبط إلا قطارات الدرجة الثالثة، أخذت أردد هذه الجملة.
كانت تميمة الحظ بالنسبة لي، يبتاع مني الركاب لأنني صرت صاحب لسان طويل؛ جذبني رجل الشرطة الذي يعرفه الجميع لكنه يدعي أنه سري؛ معطفه الأسود يكاد يفضحه، نظرات عينيه الزائغة، جسده المكتنز وبطنه المترهلة.
أردد جملا كنت أطالعها حين عملت بائع صحف، كانت العناوين باللون الأحمر، الرجل السري يمسك بي، فررت من قبضته؛ أخبرتكم أنني أمتلك مهارة قرد إفريقي.
يعلو صوتي: كل شيء منضبط في هذه البلاد حتى قبضة يد الرجل السري؛ يلاحقني بالسباب؛ فيهزأ به كل ركاب قطارات الدرجة الثالثة.
على أية حال تنبهت فإذا بالقطة التي كانت هنا قد ارتحلت، لملمت أشيائي المبعثرة، تمنيت لو أن قطعة معدنية استقرت في علبة الحلوى.
كاد الرجل ذو المعطف الأسود أن بمسك بي، أجري ناحية القطار الذي يغادر المحطة، تمد فتاة تشبه السمكة ذات الذيل الملون يديها، أصعد القطار لكن علبة الحلوى تناثرت أشياءها مثل غبار ذرته الريح!
..........
القصة فيها مستويان
الأول: غرائبي
الثاني: واقعي
الجزء الأول نجح في استمالة القارئ وجذبه إلى عالم القص وإن كان قد أفرط في التأكيد والتكرار ومعروف أن لغة القص مكتنزة يتغيا فيها الراوي الوصول للمعنى من طريق قريب .
مثل :(أتذكر ) (رغم أن ذلك حدث منذ زمن بعيد ) والذكرى تكون للحدث البعيد
كما في قوله أيضا : (النهر الذي كان يرتفع ماؤه أيام الفيضان ) ولو قلت ( أيام الفيضان ) ففيها المعنى وزيادة
وإذا كان الحدث الأول جملة واحدة جاءت كي تضيء ما يعتمل في نفس الشخصية في النصف الثاني من القصة فهو حدث وظيفي لكنه قد طال ؛ مما اضطر الراوي للربط بين أجزاء القصة بمثل قوله : [شغلتني هموم لقمة العيش امتنهت أعمالا كثيرة بعت ....تقافزت ]
هذا الربط مع التسريع الزمني الحادث جعل القصة كأنها أثر تحقق لقول الجدة في الحوار الدائر بينها وبين الشخصية المحورية في القصة ( يوم أن تكبر ستجد حبلا ...إلخ ) ؛ ولذا جاء مطاردة الشرطي في القصة بلا مبرر سردي
على أن البراعة السردية تجلت في أشياء منها :
توظيف الحيوانات بما يناسب الجو السردي فالسمكة بألوانها المتعددة وحكايتها العجيبة تشي بزمن الطفولة وحكاياته الملونة وعالمه النقي الصافي
والقرد بما له من مخزون في الذاكرة الشعبية استطاع أن يعبر عن حالة ( المرمطة ) والشقاء ويتناسب مع السخرية المريرة والكوميديا السوداء التي عليها البطل
وكذا توظيف القطة كمحفز سردي كلها ناسبت جو القصة وخففت من رداءة الواقع وبثت فيه نوع من السخرية والنقد
ومنها :تيمة القصة حيث استمرار القهر وتمدده من الأساطير إلى الواقع من زمن الجدات إلى أزمنة أخرى قادمة وكيف تحول هذا القهر إلى سلطة تقول للناس ( كونوا قردة خاسئين )
ومنها : الهروب إلى الأحلام وتمازجها بالواقع ( تأخذني سنة من النوم ) وتأثيرها في الواقع ( تمد فتاة يدها تشبه السمكة )
القصة جميلة لو أنها بدأت بحدثها الواقعي ثم توظف الذكريات فيها بتقنية (فلاش باك )ثم تحذف بعض التدخلات التي جاءت من المؤلف في نسيج السرد.
لا أدري ما الذي جعلني أتذكر تلك السمكة الكبيرة التي اصطادها أبي من النهر الذي كان يرتفع ماؤه أيام الفيضان،رغم أن ذلك حدث منذ زمن بعيد، كانت تلك أيام مضت قصت حكايتها جدتي في ليالي الشتاء الطويلة تلتف حولها ونتعارك من يجلس بمقربة منها!
تلك السمكة على ما يبدو ذات ذيل أخضر وزعنفة ملونة؛ تتمتم بشفتيها، كل واحد منا حاول أن يلاعبها أو يمرر يده عليها؛ إنه الولع بالكائنات الغريبة.
نهرتنا جدتي وتفرست فيها ثم قالت: - هذه سمكة مباركة تذكر الله بلسان لا تعرفونه- كانت نملة سيدنا سليمان تفعل مثل هذا- وتدعوه أن يفك سجنها.
ساعتها سألتها:
-هل نمتلك سجنا؟
ضحكت وأكملت حديثها: يوم أن تكبر ستجد حبلا يطوق رقبتك.
يعدون خطواتك، قد لا تستطيع أن تتنفس.
- ثم قالت: لايمكن أن تبقى هذه المباركة هنا، يبدو أنها وجدت شرا يحيط بها، الجدات يمتلكن الحكمة يتوراثنها عن الراحلين.
ومؤكد أن في الماء حباة لها.
أمرت أبي أن يعود سريعا إلى النهر ويلقي بها فيه.
حين جاء الليل أعاذتني بالله من شر شياطين البر والبحر.
أخبرنا أبي أنه حين ألقى بها في النهر تراقصت وأخذت تحرك ذيلها في تودد ظاهر.
ترفقت بنا الجدة وأخبرتنا بأنها في يوم ما سترد الجميل لأحدنا.
ساعتها تخيلت أن هذه ابنة ملك الجن، ستهبني ذهبا ومرجانا، غير أن هذا الحلم تلاشى بعد أن ماتت الجدة وتركت في البيت حزنا لايفارقنا.
شغلتني هموم لقمة العيش، امتهنت أعمالا كثيرة؛ بعت الصحف والمجلات، تقافزت من قطارات الدرجة الثالثة مثل قرد إفريقي، أحمل علبة من الورق أضع فيها الحلوى وأقراص الخبز المحشو.
يتساقط المطر فأهرب إلى عربة قطار معطل على رصيف الانتظار.
رجال ونساء يمضون ليلهم هنا، تتناهى إلى سمعي كلمات وقحة، في هذا المكان تسكن الشياطين.
يضج الليل بريحه التي تلطم وجهي، يتملكني برد الشتاء، جسدي العاري الذي تلتف حوله ثياب ممزقة، حذاء تتحرك فيه أصابعي، شعري الملبد من وسخ الأرصفة.
أترنح مثل عود القش فلا أحد يهتم بهذا المتسول.
يهدني التعب فأرتمي على مقعد خشبي تكاد مساميره تستقر في جسدي، يقتلني التعب من حركة وجري وراء لقمة عبش ذليلة.
تموء قطة في المقعد المقابل، أخرج لها من علبتي نصف رغيف كنت أحتفظ به لأخمد صوت معدتي الذي يشبه صافرة قطار عجوز.
تتشمم الشطيرة ومن ثم تموء وتحرك ذيلها فرحة بها.
تأخذني سنة من النوم، تمثل لي السمكة التي اصطادها أبي منذ سنوات عدة، تتحول إلى فتاة جميلة يتدلى شعرها حتى وسط ظهرها، يلتف حول رقبتها عقد من الياقوت الأحمر، تمد يدها مرحبة بي، أحاول الهرب منها، تسكب فوق جسدي ماء المطر، عدت إنسانا لا أعرفه، تمتليء علبة الحلوى بقطع معدنية صفراء، تتمتم بكلمات غريبة.
يقطع صمت الليل صوت صافرة القطار المتأخر عن موعده ثلاث ساعات.
دائما ما يقول محصل التذاكر: في هذه البلاد كل شيء منضبط إلا قطارات الدرجة الثالثة، أخذت أردد هذه الجملة.
كانت تميمة الحظ بالنسبة لي، يبتاع مني الركاب لأنني صرت صاحب لسان طويل؛ جذبني رجل الشرطة الذي يعرفه الجميع لكنه يدعي أنه سري؛ معطفه الأسود يكاد يفضحه، نظرات عينيه الزائغة، جسده المكتنز وبطنه المترهلة.
أردد جملا كنت أطالعها حين عملت بائع صحف، كانت العناوين باللون الأحمر، الرجل السري يمسك بي، فررت من قبضته؛ أخبرتكم أنني أمتلك مهارة قرد إفريقي.
يعلو صوتي: كل شيء منضبط في هذه البلاد حتى قبضة يد الرجل السري؛ يلاحقني بالسباب؛ فيهزأ به كل ركاب قطارات الدرجة الثالثة.
على أية حال تنبهت فإذا بالقطة التي كانت هنا قد ارتحلت، لملمت أشيائي المبعثرة، تمنيت لو أن قطعة معدنية استقرت في علبة الحلوى.
كاد الرجل ذو المعطف الأسود أن بمسك بي، أجري ناحية القطار الذي يغادر المحطة، تمد فتاة تشبه السمكة ذات الذيل الملون يديها، أصعد القطار لكن علبة الحلوى تناثرت أشياءها مثل غبار ذرته الريح!
د. سيد شعبان، مصر
6- أ. د. عزة شبل - توظيف الحس الشعبي في بناء محلية القص
تعد قصة (ناعم ياملح) للدكتور سيد شعبان من القصص التي تسير على خُطى كتابات يوسف إدريس في التقاط شخصية مهمَّشة من شخصيات المجتمع؛ ليقدم من خلال مصاحبتِها تفاصيلَ معيشية لشريحة من شرائح المجتمع، يسرد الكاتب عبرها أفكاره ومشاعره؛ ليلفت وعي القارئ، ويدعوه إلى التأمل فيما يطرحه من منظور فكري.
التقط الكاتب شخصيةَ (بائع الملح) في الحارة الريفية الفقيرة؛ ليتحرك معها في ذلك الفضاء المكاني بصورة كاشفة عن الأجواء المعيشية، وخصوصيتِها داخل الحارة المصرية الفقيرة التي يمتزج فيها، من وجهة نظر الكاتب، مشاعرُ الخوف بحالة الفقر كما تجلت في السحور اليومي لأم رمضان بالجرجير المصاحب للخبز، تلك الحالة المسيطرة التي امتدت خارج نطاق الشخصيات الريفية الفقيرة، لتنعكس على كل الكائنات التي تدب فيها الحياة حتى صارت (كلاب السكك الضالة تلهث وتَعُبُّ من بركة الماء الصفراء)، مستغلًّا طاقات التعبيرات الاصطلاحية القائمة على توظيف الدلالات اللونية؛ للإشارة إلى حالة الركود المجتمعي المسيطرة، واعتيادها، وعدم القدرة على التغيير.
فبائع الملح يحمل جواله (يتصبب عرقًا في الصيف، يتصبب عناءً ومشقة، تلفح وجهه النار، تدفعه الحاجة إلى أن ينادي على بضاعته الكاسدة، يا مصلح ياملح!). تلك الجملة الدعائية التي يتمنى بها صلاح الحال، والتغيير نحو الأفضل. لكن هذا البائع ليس بأفضل حال من هؤلاء الفقراء الذين يتجول بينهم وتمتلئ بهم الأحياء الشعبية والأزقة المغلقة أحيانًا عن عمد، وكأنها مغلقةٌ على أنفسهم، فهم حبيسو هذه الأماكن، وليس من حقهم الخروج عنها.
هؤلاء الفقراء يواجهون حالة الفقر والخوف، بالشعور بالطمأنينة وتوقع الخيرن والوعد بالأماني المستقبلية بدخول الفقراء الجنة مبكرًا، حيث (تزدحم أبواب السماء بأدعية المبتهلين) في الأزمنة المباركة، في ليلة النصف من شعبان. فما لا يستطيع الإنسان تحقيقه في الحاضر، فإنه يمنِّي نفسه بالحصول على ما يفوقه في العالم الأخروي.
يبرز في القصة توظيف المعتقدات الشعبية بقوة في التعبير عن ملامح حياة البسطاء، حيث يتوارثون الإيمان بالتمائم التي نراها تزين جدران منازلهم؛ دفعًا للشرور، وجلبًا للخير، (كالكف المبتور المخلوط بدم أضحية العيد)، ومع مجيء شهر رمضان المبارك، تتحول الحارة بأكملها إلى مكان آمن من العفاريت، لقد ربطها بسلسلة أكبر من قضيب القطار المصري، وتُنسج الحكايات والأقاويل والسمر والسهر، (ولن تخرج الجنية عند ضفة النهر، إنه الشهر المبارك. تصوم بالنهار، وتغازل القمر ليلًا).
إن حنين الراوي للحياة الريفية والنيل قد تجلى في اختيارات المجازات ونسجها في القصة، فنرى الراوي يسير خلف بائع الملح مثل (ظل أعواد الذرة)، وهو يرتدي (كساءً أزرق مثل لون النيل)، (يحب المحروسة ويقبِّل شفتيها)، أما الفلاحات فلهُنَّ (يدٌ بيضاء حلوة مثل حليب البقر) يرتدينَ (المناديلَ الزاهية الملونة المطرَّزة بالخرز الفضيّ اللامع)، الواحدة منهُنَّ (يتوردُ خداها مثل الورد الأحمر وقد غازله الندى، في وقت الظهيرة تحمل وعاءً من الخزف وهي تتمايل في دلال وتتراقص في مِشيتها..تحدقُ العيون عطشى، وينسابُ العرقُ قطراتٍ حارقة..)، تتراسل الحواس وتتسابق في تقديم صورة مشهدية لحركة الفلاحات يحملن جرة الماء، والأعين ناظرة إليهن في تطلُّعٍ وترقُّبٍ. أما الأطفال الصغار ، فتأخذ معهم كل نساء القرية لقب (خالة)، ونراهم منجذبون لصوت الباعة الجائلين، يتابعون بائع الملح، ويمشون وراءه مرددين كلماتِه المسجوعة، وهو ينادي على بضاعته الكاسدة، يلهوون بكلماته، وفي الصباح يذهبون إلى الكُتَّاب يتلقون العلم على يد مولانا الشيخ، وفي طريق العودة لمنازلهم يمرون بالترعة، (فينزل بعضهم الماء..ويمسك بالأسماك الصغيرة، يضحكون ويمرحون كما لو أن السماء أخرجت عصافير الجنة الخضراء تلهو). فتتناص تلك الصور المشهدية المتلاحقة مع الصورة الذهنية المألوفة عن القرية والكُتَّاب والشيخ في كتابات طه حسين سواء في سيرة الأيام، أو كما رأيناها في كتاب (المعذبون في الأرض).
ويتحركُ الزمن داخل القصة، ويتنوعُ ببراعة بين الحاضر والماضي والمستقبل، فنرى الفعل (كان) مفتاحًا للدخول إلى عالم التذكر على اتساعه، وتعدد الحكايات حول بناء السد العالي، وارتباط فيضان النيل بالخير، وحكايات الجدات القديمة المتوارثة، لينهي الراوي حكايته بمشاعر الحنين لمحبوبته فتاة العشرين، متسائلًا: أما تزال حمراء الخدين؟ يبدو أن الملح صار مجعدًا مثل صوف الشاة، ضمر ثدياها، كانا مثل حبتي الرمان، تمزق منديلُها، ابتلعه البحر بملوحته، انطفأت بلادي، وكذلك أم رمضان ما عادت تأكل الخبز الطري، مثل أعواد الحطب تذروها الريح كل مكان.
وهكذا يُنهي الكاتب قصته معلنًا شعوره بالحزن تجاه بلاده التي انطفأت، وما عاد إليها جمالها.
7- أ. د. أحمد فرحات - دكتور سيد شعبان .. السارد وحكايات الجدة
في زمن ناء ببضاعة مزجاة ، وكثرت فيه منابر الإعلام ، وسهل نشر ما يكتبه الإنسان على صفحات التواصل الاجتماعي ، ظنا من بعضهم أن ما يكتبه أدب راق ، وما هو في معظمه إلا ترهات ، وشطحات خيال لم يكتمل ولم تصقله موهبة أو تزينه لغة فصيحة، في مثل هذا الزمن ، يخرج علينا فارس مارد يتقن اللغة ، يملك ناصيتها ؛ ليعبر عن مراده في ثوب قشيب، إنه الدكتور سيد شعبان، هذا السارد الممتلئ بحكايات الجدة ، لسرده طابع متميز ، تتعدد قصصه وحكاياته.
إزاء هذا السرد ، أصيب قلمي بالحيرة ، فلم يعد يدري ماذا يكتب؟ ولا من أين يبدأ؟، وكل قصة تحتاج إلى وقفة نقدية مختصة ، عن ماذا أكتب ؟ عن لغة متفردة لفظا وأسلوبا ومعجما ، طالما سميته فارس الميدان في اللغة ، فلا تجد لفظا نابيا عن موضعه ، بل كل لفظ يأتي في مكانه فتخرج قصصه في بناء محكم اللبنات .
ويتنوع أسلوبه ليجذب قارئه ويشوقه للقراءة في ظل نصوص تنوء برمز يكاد يعيي الذكي فهمه ،يخيل إلي أن أبا تمام أحد جدوده، إذ يعمد إلى جعل المتلقي واعيا شاحذا ذهنه ليفهم عنه.
ولا يعتمد السارد على هذه التقنية فحسب بل ينوع أسلوبه يجذب القارئ ويمتعه، يحذف متقابلا ليعمل المتلقي ذهنه ، يتخذ أحيانا من السجع عاملا موسيقيا يعلي من شعرية السرد في قصصه منه على سبيل المثال في قصة جحا وامرأة البهلول : (( له مسمار في كل جدار ، يضحك منه الصغار، ويتسلى بحيله الكبار ، دائما نقول عنه : إنه رجل غريب الأطوار)).
يمتاح من معين التراث الثري النابض يطعم قصصه، وأسلوبه ، يعصف بالأذهان، وينضد أسلوبه ومعجمه بشتى ألوان اللآلئ.
وهو مع كل ذلك صاحب إبداع متجدد لا ينضب معينه ، لا يكاد يطالعنا الصبح إلا مع قصة جديدة وحكاية مغايرة ، خيال منطلق العنان يمرح في أجواء الكون.
حكايات الجدة نهر متجدد عطاؤه ينهل منه ثم يعيد صياغتها بما يناسب روحه وهمومه. تحمل حكاياته وعيا يحاول بثه ونشره في أبناء جلدته.
امتلك زمام السرد ، فأحسن التعبير ، يسعى ليتفرد وأراه قد فعل ؛ فمعجمه اللفظي لا تخطئه الأذن.
الجنية ، السرداب ، النهر ، القرية ، التائه ، البهلول ، وأولياء الله الصالحين : ملامح لا تخطئها عين في قصصه ، تتكرر في كل قصة ، تحمل دلالة جديدة في كل مرة ، يحتاج كل منها لدراسة تتبعية.
قد يقول القارئ الكريم : ألا من عيب ؟
النقد وجهات نظر ، وإن كان ثمة عيب فأرى أنه الإغراق في الرمز أحيانا ، وهو ما يحاول السارد في قصصه الأخيرة التخفف منه .
وإن كان في قصته ( الجنرال في كوبر) سارع لكشف الرمز في النصف الثاني من القصة ، بعد أن كان النصف الأول منها محملا برمز مكثف، مراعيا في ذلك طبيعة الأشخاص المكتوب عنهم القصة.
ولا يسعني إلا أن أدعو القارئ الكريم لقراءة هذه القصص ليكتشف بنفسه عناصر إبداع الكاتب التي أشرت لها من طرف خفي.
وأؤكد أن هذه المقالة كتبت في عجالة أخشى أن تكون سببا في عدم الكشف عن قدر الكاتب وقصصه التي تتبوأ في عالم السرد مكانا عليا، أو تكون سببا في غمط الكاتب حقه .
8- د. خالد سعيد - راو طيب وراو ماكر- قراءة في قصة "شجرة المانجو" للأديب سيد شعبان
.
عرفت فيما مضى رجلا جميلا، كان – رحمه الله- شديد الدهاء، يطلق العبارة ولها ألف معنى ويتبعها بنصف ابتسامة ونظرة بمؤخر عين، لا تعرف إن كان يستحثك على تبين مراده واقتناص مغزاه، أو أنه يتحداك في ذلك، أحيانا أهز رأسي وأحيانا أطلق قهقهة كأني قد فهمت، كنت أهابه وأتجنب تلك اللحظات التي تشبه اختبارا لست مستعدا لاستقباله لكنني كنت أحبه لأمور أخرى، وأعرف رجلا كلمته هي كلمته فقط وحكاياته بسيطة إلى درجة السذاجة لكنها تحمل أطنانا من الحكمة غير المقصودة، كنت أحبه دون تهيب وأهش لرؤيته وسماع حكاياته المكرورة.
بين يدي الآن قصة للأديب الكبير جدا الدكتور سيد شعبان وسرد ذلك الرجل له خصوصية وفرادة تضعه في منطقة لا يشاركه فيها أحد، حين قرأت (شجرة المانجو) تذكرت ذينك الرجلين اللذين استهللت بهما مقالي، وقلت: أديبنا أي الرجلين هو ؟ أنسير معه على حذر ونتحسس الرموز ونسعى لاكتشاف المرامي البعيدة أم نشرب كلامه شربا ونسعد به جملة دون تمحيص يفسد علينا المتعة؟
وقد اهتديت بعد استعادة القراءة مرات ومرات أن رجلنا مزاج من الرجلين السالفين، يشعرك أنه الرجل الطيب الذي لا يقصد شيئا وتقطر الحكمة منه دون تقصد كما يشعرك أنه أبو الهول المخيف الذي سيلتهمك إن لم تحل اللغز لتعبر إلى طيبة الآمنة.
أولى مرتكزات الفرادة عند ابن جادو أبوه ذلك النبع الثر الذي حق له أن ينجب ذلك الشلال الهدار من السرد المتدفق، برشاقة غزال يتكئ الدكتور كثيرا على أبيه مصدرا للحكايا ويتكئ عليه أيضا شخصية فاعلة وحاضرة في بنائه القصصي، ورغم وجود مصادر أخرى تعين الرجل على اقتناص الفكر والمضامين الصالحة للطرح في أعماله كخبرته المستمدة من عمر طويل ودراسة أكاديمية وقراءات لا تتوقف وترحال عبر البلاد لكن يظل الأب هو مغارة على بابا التي ينطلق منها ويتكئ عليها، فتكون القصة منه مصدرا وعليه بناء، ويصبح القاص راو يطلق الحكايات بعفوية وراو آخر يحمل الأسرار ويرسل الرسائل وهنا يسهل أن أتصور أن القاص الماكر جلب لنا معه راويا حكيما وطيبا ولكل منهما دور، نتبينه فيما يلي:
الراوي الطيب:
1- مزج الذاتي بالعام : الذات جزء من كل ومن يصدق في الحديث عن ذاته تكن ذاته معبرا إلى العالم بكل ما فيه، وإن من طبائع الطيبين أن يبدءوا كل شيء من أحاسيسهم ويربطوا كل شيء بأنفسهم على نحو ما نرى في قوله: ( لم أدر ما الذي جعله يتمنى أن يكون ابنه – ذلك النحيل ذو الوجه الأسود والشعر المجعد كأنه نتوء بشري- حديث الناس) وقوله (أعترف بعد زمن التشرد في بلاد الله أن ثمة مسكوت عنه وجب البوح به، تحطمت الأحلام على صخرة واقع شديد المرارة) ما أرى هنالك إلا مكلوما ارتفع أمله إلى حدود السماء ثم اصطدم على واقع مزر ووضع مترد، حكايته هي حكايتنا وألمه هو ما نحس به عند كل هزيمة وكل إخفاق.
2- مزج الواقعي بالغرائبي: والطيبون لا يلتفتون إلى ضرورة أن يمحضوا حكاياتهم للواقع وإنما يسردون بتلقائية حكايات يصدقونها، وإن غرائبية سيد شعبان منبعها تراث شديد التميز وشعبيات آسرة لم يخترع شيئا وإنما يستمد من حكايا الجدود ويمتح من أساطير الأمهات، الغولة والنداهة والجنية ذات الشعر الأصفر التي ترمز – حسب ظني في هذه القصة – للابتذال والتردي الفني الذي يجتذب الأدباء ويأخذ منهم ولا يعطيهم إلا بمقدار فرح طفولي بإعجابات البسطاء، وإذا اتجهنا إلى عمومية الرمز وفوقيته فهو مثال لكل خادع غير ذي أصل زائف غير ذي قيمة.
3- استخدام المنمنمات السردية: قصص متداخلة وفي حديث الطيبين تراهم لا يأبهون لتنظيم وتسلسل، وإنما يأتي حكيهم كيفما اتفق فترى الحكايات تتداخل فيما يبدو لك أنها بلا رابط، والرواي الطيب يخرج ما بقلبه دون تيقظ لتسلسل ولا منطقية أحداث فينتقل بين الحكايات انتقال فراشة لا سلطان عليها إلا عينها المتطلعة إلى الجمال التي تسبقها إلى كل لون أخاذ ورائحة جاذبة، فترى الرجل لا يحكي قصة وإنما قصص انظر كيف كاد يدخل بنا إلى قصة أخرى إذ يقول" يبدون أشبه بهياكل عظمية مما حملناها إلى بطن النهر يوم ابتنينا المدرسة"
وعلى هذا النحو تقرأ قص الطيب فتطيب نفسك وتبتهج لهذا القدر من العفوية والبساطة الممتزجة بصدق النفس وحكمة الزمان
الراوي الماكر:
يعمل الراوي الماكر خلف الراوي الطيب وربما يظهره لنا بمكر وخديعة حتى نحب القص ونقع في غرام الصدق والتلقائية بينما هو يضفر من وراء ذلك نسجا مترابطا وقصا مقصودا وألف رسالة ومغزى، شجرة المانجو تلك هي بنية سردية في ذاتها تمثل الأمل وطاقة التفاؤل التي تكبر رغم زمن امتلأ باليأس والخيانات والخذلان، جلبها عرابي من بلاد الشاي وغرسها الجد الذي حارب مع عرابي وغرس عند جذرها سيفه( حين تكون عاجزا اترك الأشجار تمتص عرقك ومن ثم ترتوي به، فيوما ستطعم صغارك، أو يجدون أثرا من آبائهم) وشخصية الراوي المشارك الذي يتغلغل وسط الحكي ليقول لنا أنه كتلك الشجرة التي ستنال يوما حقها رغم الواقع المرير، وهكذا يقدم الراوي الماكر فنه وينسج حكاياته ويبعث برسائله عبر وسائل فنية أبرزها:
1- اللغة الإيحائية: (الملوك يكرهون الخيول العربية يا ولدي)، (تناساه هؤلاء الذين تغوص أقدامهم في سبخ الدلتا وضيق الوادي) (يكره أبي الصمت والعجز إنها كلبة لا نفع لها)(إنهم طيبون لكن على كل حال يركبون الأفيال) ،( يبدو أن خنفس لم ينته مكره بعد)
لا ينبغي أن تمر هذه العبارات التي ربما تبتعد عن خيط الحكي الرئيس دون انتباه لما يقبع خلفها من معان وما دسه فيها من مرام حقيقة بالتأمل وقمينة بالالتفات، ذلك رجل لا يضع الكلمة هباء ولا يستهلك لغته في سرد دون مقصدية، وفي الوقت نفسه لا تحتاج القصود إلى السير خلفها في متاهة مليئة بالسراديب إنها جلية بقدر خفائها فقط اقرأ ذلك الرجل بإخلاص وستبيح لك القصة بأسرارها، سل: لم عسى سيكره الملوك الخيول عربية؟ وما مقدار الوجع حين ترى أن الذي دافع وتصدى ودفع الثمن من حياته تناساه الذين تغوص أقدامهم في سبخ الدلتا؟ وما قيمة هذا التعبير الكنائي تحديدا؟
2- الصورة المكانية يرسم الرجل صورة مدهشة وينقل البيئة المكانية بوعي واقتدار(أدرت وجهي حيث يمتد الأفق، تتهارش الكلاب، يعلو نباحها، جاء عم فرج بهدية إلينا : كلبة هجين، نسيت أن أخبركم: ربطنها عند شجرة الليمون عند مدخل الحديقة الرئيس) إنه يذكر الرجل الشخوص بأسمائهم طلبا لمزيد من الصدق والإقناع، (تتقافز أزواج اليمام فوق شجرة المانجو، تهمس القطة في أذني صغيريها، تدور أسنانهما كحجر الرحى، يتأهبان لقنص الطيور الوادعة) تتابع من العبارات القصيرة يصف مشهدا قصصيا متماهيا مع الخط القصصي الرئيس دون إقحام أو ثرثرة عديمة الجدوى.
3- الخيال الاقتصادي الموظف: لا يستغرق القاص في صور مجازية لا تخدم الخط السردي ولا تستهويه فتنة اللغة التي يظهر إزاءها اقتدارا ومكنة فيسير وراءها مغمض العينين وإنما يقتصد بقدر حاجة المعنى ويختار لغته بدقة ومفرداته بميزان
وهكذا نجد القاص المقتدر يجول بنا عبر سهمة من راو طيب يجتذب القلوب ويروي التائقين للحكايات وراو ماكر يأخذ العقول طالبي الفن وينشد العالي، يبني سرديته بتناغم بين الاثنين فلا تأخذك الملالة ولا تحكم بسذاجة الحكي وإنما تشهد بفن راق وأصالة قل نظيرها، ومن عجب ومن أسف أن قاصا جاءت أعماله على هذا السمت المدهش يطرح إنتاجه على الناس فلا يُقرأ حق القراءة ولا ينال الحظ الذي يكافئ فنه من أقلام النقدة والمحللين، أقول لك يا ملك السرد: سر أيها القاص المدهش فكما قلت في آخر شجرة المانجو (يظل الحلم أجمل).
9- محمود سلطان - د. سيد شعبان.. يفكك "أطر التقليد" ويبدع "فنا" جديدا!
قرأت بعض ما كتبه نقاد كبار، بشأن "أدبيات" المبدع الكبير.. الكبير حقا وليس مجازا .. المتفرد "حقا" وليس مجاملة مني.. صديقي الطيب الودود، حامل "رسالة القرى" و"الريف المهمش" بكل مخزونه الإنساني الذي لا يزال مهدرا.. الدكتور سيد شعبان.
حملني على كتابة هذا النص، دهشتي من الطرفين : النقاد والمبدع سيد شعبان ذاته، كلاهما إما يتعجل تصنيف نتاجه الأدبي أو أنه على عتبة التيه والتوهان والصدمة التي يتركها سيد شعبان، عقب كل نص يضعه بين يدي القارئ، ويرحل (فيسهر الخلق جراها ويختصم) .
يظل الناقد ـ أو شعبان نفسه ـ مراوحا عندها ـ وإن غادرها يقع في شرك التصنيف الذي يشبه الوجبات السريعة والسهلة، والتي ـ بالتراكم ـ تخلف "ورما" و"شحما" وانسدادا في شرايين حقيقته، فيموت فنه بـ"السكتة النقدية" المعلبة والجاهزة والمريحة والمستسلمة لغواية الكسل المهني.
سيد شعبان ليس "قاصا" ..لا يمكن تصنيف "فنه" بأنه نمط من "القصة القصرة".. الشكل خادع، شبيه بالقصة، ولكن حال أخضعناه لـ"Content Analysis" /تحليل المحتوى، نكتشف مع الأداء التأملي الصابر والمثابر، بأنه "فن جديد" مقطوع الصلة بما تركه لنا الأوائل من فنون كتابة القصة القصيرة والرواية والشعر النثري
تأخذني الدهشة كل مأخذ، حينما صنفه البعض بأن سيد شعبان ينتمي إلى مدرسة يوسف إدريس وصنع الله إبراهيم.. بل إني صدمت عندما أدرج سيد شعبان "فنه" في قائمة ذوات الأصول التي تستقي شرعيتها الفنية والإنسانية من "الطيب صالح".
سيد شعبان حالة فريدة متفردة.. قفزت على كل التقاليد المتوارثة، أسست لنفسها مدرسة فنية جديدة، المنتج الوحيد لها هو سيد شعبان " لا شريك له".. ولكنها ـ حتى الان ـ لا زبائن لها ولا سوق.. لأنه فن يقوم على الرسم لوحته الإبداعية بالكلمات.. ليست ألوانا وحسب ولكن حركة وروحا.. تشعر كأن كل مفردة فيها قد نفخ فيها قبس من روح الإنسان.. فتسمع خشخشة الكلمات وهمساتها وقهقهتها وأناتها وقد تراها مبتسمة أو متجهمة أو عابسة، تركض وتقفز .. تتعقب الجميلات وتكاد تسمع صوت "المفردة" وهي تتغزل في الجميلة.. وهي تلهث حين تستعر شبقا.. محدثة ضجيجا وفوضى وصخبا كأننا في سوق العتبة أو في ميدان السيدة زينب.
د. سيد شعبان.. يتعين عليه التفكير في "صالون ثقافي" خاص به.. ينقل خبرته الجديدة إلى تلاميذ جدد وآجيال تحمل تعي وتقدر رسالته الفنية...
10- د. آمال فرحات - دكتور سيد شعبان .. السارد وحكايات الجدة
في زمن ناء ببضاعة مزجاة ، وكثرت فيه منابر الإعلام ، وسهل نشر ما يكتبه الإنسان على صفحات التواصل الاجتماعي ، ظنا من بعضهم أن ما يكتبه أدب راق ، وما هو في معظمه إلا ترهات ، وشطحات خيال لم يكتمل ولم تصقله موهبة أو تزينه لغة فصيحة، في مثل هذا الزمن ، يخرج علينا فارس مارد يتقن اللغة ، يملك ناصيتها ؛ ليعبر عن مراده في ثوب قشيب، إنه الدكتور سيد شعبان، هذا السارد الممتلئ بحكايات الجدة ، لسرده طابع متميز ، تتعدد قصصه وحكاياته.
إزاء هذا السرد ، أصيب قلمي بالحيرة ، فلم يعد يدري ماذا يكتب؟ ولا من أين يبدأ؟، وكل قصة تحتاج إلى وقفة نقدية مختصة ، عن ماذا أكتب ؟ عن لغة متفردة لفظا وأسلوبا ومعجما ، طالما سميته فارس الميدان في اللغة ، فلا تجد لفظا نابيا عن موضعه ، بل كل لفظ يأتي في مكانه فتخرج قصصه في بناء محكم اللبنات .
ويتنوع أسلوبه ليجذب قارئه ويشوقه للقراءة في ظل نصوص تنوء برمز يكاد يعيي الذكي فهمه ،يخيل إلي أن أبا تمام أحد جدوده، إذ يعمد إلى جعل المتلقي واعيا شاحذا ذهنه ليفهم عنه.
ولا يعتمد السارد على هذه التقنية فحسب بل ينوع أسلوبه يجذب القارئ ويمتعه، يحذف متقابلا ليعمل المتلقي ذهنه ، يتخذ أحيانا من السجع عاملا موسيقيا يعلي من شعرية السرد في قصصه منه على سبيل المثال في قصة جحا وامرأة البهلول : (( له مسمار في كل جدار ، يضحك منه الصغار، ويتسلى بحيله الكبار ، دائما نقول عنه : إنه رجل غريب الأطوار)).
يمتاح من معين التراث الثري النابض يطعم قصصه، وأسلوبه ، يعصف بالأذهان، وينضد أسلوبه ومعجمه بشتى ألوان اللآلئ.
وهو مع كل ذلك صاحب إبداع متجدد لا ينضب معينه ، لا يكاد يطالعنا الصبح إلا مع قصة جديدة وحكاية مغايرة ، خيال منطلق العنان يمرح في أجواء الكون.
حكايات الجدة نهر متجدد عطاؤه ينهل منه ثم يعيد صياغتها بما يناسب روحه وهمومه. تحمل حكاياته وعيا يحاول بثه ونشره في أبناء جلدته.
امتلك زمام السرد ، فأحسن التعبير ، يسعى ليتفرد وأراه قد فعل ؛ فمعجمه اللفظي لا تخطئه الأذن.
الجنية ، السرداب ، النهر ، القرية ، التائه ، البهلول ، وأولياء الله الصالحين : ملامح لا تخطئها عين في قصصه ، تتكرر في كل قصة ، تحمل دلالة جديدة في كل مرة ، يحتاج كل منها لدراسة تتبعية.
قد يقول القارئ الكريم : ألا من عيب ؟
النقد وجهات نظر ، وإن كان ثمة عيب فأرى أنه الإغراق في الرمز أحيانا ، وهو ما يحاول السارد في قصصه الأخيرة التخفف منه .
وإن كان في قصته ( الجنرال في كوبر) سارع لكشف الرمز في النصف الثاني من القصة ، بعد أن كان النصف الأول منها محملا برمز مكثف، مراعيا في ذلك طبيعة الأشخاص المكتوب عنهم القصة.
ولا يسعني إلا أن أدعو القارئ الكريم لقراءة هذه القصص ليكتشف بنفسه عناصر إبداع الكاتب التي أشرت لها من طرف خفي.
وأؤكد أن هذه المقالة كتبت في عجالة أخشى أن تكون سببا في عدم الكشف عن قدر الكاتب وقصصه التي تتبوأ في عالم السرد مكانا عليا، أو تكون سببا في غمط الكاتب حقه .
11- محمد ناجي - السرد المموسق في سرد د. سيد شعبان:
هويس السرد يلمس وترًا عميقًا حبيبًا في قلوبنا جميعًا، نصٌّ يفيض بالرموز التي لا تُخفَىٰ إيحاءاتُها ومدلولاتُها علىٰ القارئ الناقد اليقظ، وأكتفي منها بـ.(نبتة الصبار) التي تركها جدُّكَ، وظلَّتْ حاضرةً لفظًا ومعنىً طوال السردية –بل إن صداها لم يغب عن اسم البطل الراوي– فهل هي رمز لواقعٍ (مُرٍّ) مؤلمٍ نحياه؟؟ أم هي رمز للحياة بأسرها وما يتجرعه بها المرء من قساوة التجاريب والمواقف مع البشر؟؟ ربما كان هذا أو ذاك أو كليهما معًا. أما(البناية الصخرية ذات الغرف الاثنتين والعشرين المُوصَدة بإحكام) فظاهرٌ جداً أنها ترمز للوطن العربي وأقطاره، وما آل إليه من انغلاقٍ وتشرذُمٍ وانقسام. ظاهرةٌ أخرىٰ استرعت انتباهي في سرديتك، وهي تلك الموسيقىٰ الإيقاعية في بعض تراكيبك مما يمكن تسميته بـ (السرد المُمَوْسَق)، تأمل معي مثلًا قولَكَ:" أتحايَلُ حتىٰ أرمي واحدةً منهنَّ بزهرةِ برتقالٍ" فهذا التركيب كله جاء علىٰ نغم المتدارَك "فعِلُن فعِلُن فاعلْ فاعلْ فعِلُنْ فاعلْ فعِلُن"، وقولك: " لكنني لم أنسَ يومًا حُلْمَهُ" فهنا تبرز نغمة الرجز "مستفعلن مستفعلن مستفعلن"، وقولك: "احترتُ في نبتةِ الصبَّارِ لا تُخرِجْ" وهنا تبرز نغمة البسيط "مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعِلْ"، وقولك: "كلُّ البلادِ منافي للذين..." فهذا قريبٌ جدًا كذلك من نغم البسيط، وغير هذه النماذج المموسقة المتفرقة عبرَ السردية. أدري جيدًا أنك لم تتعمد ذلك إذ لم تكن شاعرًا، لكنها الموسيقىٰ الطاغيةُ في سردك تؤكد للعجزة الذين يتكاءدهم الإيقاع فيضيقون به أنه ليس قيدًا ولا ترفًا ولا عبأً، فها هو السارد يأتيه دون عناءٍ ولا قصديةٍ ولا تكلُّف. أما الراوي –الذي هو البطل كذلك– فقد جعلتَه بضمير المتكلم قصدًا وتعيينًا، وكأنك تومئ إلىٰ هذا الواقع الحاضر المؤلم الذي نحياه جميعًا، إذ لا سبيلَ إلىٰ تغييبه أو التغاضي عنه. وبعد، فأنتَ ساردٌ مقتدرٌ يا #هويس_السرد وما كان مني هنا لهُوَ جهدُ المُقِلِّ المقَصِّر تجاه إبداعكَ الذي أرجو أن ينال مكانتَه اللائقة من الدرس، وسيكون بإذن الله. محبةً لا تنقضي علىٰ البُعد صديقي الأديب.
12- د. محمد موسى العكادي - قراءة في "التائه" للكاتب: د.سيد شعبان
تحليل النص:
بين تفاصيل هذا السرد تتشكل المسافة الجمالية التي يقدمها هذا السرد، بوصفه جنساً سردياً، تتحدّد هويته الفنية في تشكيلات العلاقة وماهيتها بين السرد والتلقي، و ما هو متروك للقارئ المتلقي وفق مزاجه و ثقافته و اهتمامه، فتمدّدت الدلالة باستخدم أسلوب الاستدعاء الحر، و هو التذكر الحر أو الاسترجاع الحر هو نموذج أساسي في الدراسة النفسية للذاكرة. و هنا ذروة الصراع المتشتت في هذا السرد، من هنا قاد د. د.سيد شعبان نصه بتمدد دلالته و لم يضيع البوصلة بل فتح لي كقارئ استدعاءا حرا من خلال صور ومواقف واشتباكات، قد تكون متشتتة، ولكنها تلتصق بخيط خفي داخل السرد، و هنا مكمن تميز هذا السرد، و قد تحاشي السارد التطور الدرامي المتصاعد، بل جعل السرد يسير بهدوء، قائم على صراع مشوش، لأن الشخصية نفسها مشوشة تعاني من صراع الذات مع النفس ومع المجتمع (لكن عين امراة أصابتني، أصابني الخرس).. (أعاني من داء العته، تختلط لدي الأسماء بالمسميات) ثم يحكم السارد حالة التشويش ليقول (مدون في صحف الصحة غير سوي) ليجعله يضحك علي الأسوياء (يبدو أن الناس مصابة بالتشوش)، و يبدو التشويش واضحا أكثر علي لسان الراوي الذى يسرد هذه الأحداث و كأنه لا يعاني من العته و لا يعاني من ثقوب الذاكرة و لا حتي أنه شخص غير سوي، بل يتسرجع ماض يقتضي وجود ذاكرة قوية أو بعضا منها، تراكمت فيها شتات ونتف ومواقف وتجارب، (طافت بي أمي عيادات الأطباء، أزارتني مقامات الأولياء، ثم بعد غادرت الدنيا ولما ترى لي لسانا مثل كل الأطفال) و كما قلت سابقا السارد أشار الى ذلك الرباط الخفي أن الراوي قد كتب و لم يقل، باشارة خفية كسر آخر من جماليات هذا السرد (أمدتني بالقلم، وهبتني الورق الأبيض).
هل السارد نجح في أن يقول ما يريده؟ لابد من التوضيح أن العودة في الظرف الطبيعي للإنسان بالذاكرة إلى أقصاها قد تكون طوعية استرخائية استذكارية ممتعة، وواضحة المعالم والتوجهات والرؤى. وهنا ذاكرة يشوبها الغموض لعدم قدرة الرواي على التفاعل مع محيطه (الصغار يهزأون بي، تنزل من فمي الريالة) وهنا العودة القهرية استلابية، فيها حيرة تشويش، غموض (وما أدري لم ثقبت أذني ووضعت فيها خيطا)، كما هي الألغاز التي لم نستطع أن نجد لها حلولا في حياتنا؛ ولذلك تُختزل العودة بتفاصيل حدث ما، بقي مشوشا أو غامضا أو مدهشا. وهنا تكون العودة عمودية تحفر في التفاصيل، (على كتفي وشم .... إلي أن تصل ... مصان من شر حاسد إذا حسد) ثم تتواصل التفاصيل حتي النهاية..
لهذا لم يجعل السارد التفاصيل مرهقة أو بأسلوب مشتت، بل جمع صورا متعددة للغة.
إذا نجح السارد بقدرته على السرد، و أعتقد أنه رغم تعدد الصراع إلا أنه جعل الذاكرة المثقوبة الحدث الأقوي و الصراع الأشد، إذا اعتبرنا النبش في الذاكرة يمثل حدثا دون الهوس بالتفاصيل الدقيقة، دون البحث عن تطورت درامية، فانتهت لتؤكد علي تعدد حالات الصراع بإشاراته المقتضبة التي توحي إلي أشياء و كما قلنا أولا حالات التمدد الآلي (أقدام غليظة متسربلة في ظلمة الليل، الطرقات مزدحمة، لقد جاءوا، غراب الشؤم يتربص بكل من يحاول العبور إلى الجانب الأيمن، ضربني الخوف، أخفتني في كن الدجاج، ابن عرس يحوم حولي) حتي الفقرة التي قبلها تشي بشي ما غير ما بعدها مرتبط بما قبلها له دلالة بما بعدها .
أستطيع أن أقول: إن سرده عالج حالات نفسية معقدة أو لنقل تلمسها لأن تعقيدها يحتاج إلي مزيد و مزيد ، ارتبطت بموروث إجتماعي في مكان ما لم يشر إليه السارد و ليس مطلوبا فالحالة ظاهرة متواجدة .
إشاراته إلي ما يعاني منه أهل فلسطين، فنلاحظ الربط بين البداية رغم هروبه السريع منها إلا أنه جعلها محوره بإشاراته الخفية، (علمته أمه أن يمسك بمفتاح بيته، يعطره كل آونة بوهج شريانه النازف، عندهم ألف سبب للعودة، أجاد نداء الأرض) ثم النهاية (أقدام غليظة متسربلة في ظلمة الليل، الطرقات مزدحمة، لقد جاءوا، غراب الشؤم يتربص بكل من يحاول العبور إلى الجانب الأيمن، ضربني الخوف، أخفتني في كن الدجاج، ابن عرس يحوم حولي) .
لهذا قلت تعدد الصراع في هذا السرد الجميل الذي ناقش قضايا متعددة كل قضية موضوع له صراعاته فربط بينها بخيط خفي يصعب أن تفسره فالذاكرة مثقوبة و الراوي مصاب بالعته و الخرس رغم أن ذاكرته تبدو جيدة و هذا صراع آخر.
لهذا جعل السارد توسيعاً لمعطى المسافة الجمالية التي خلقها السرد مع القارئ، بخاصة عند إنهاء حالة السرد ليعيد بها حالة تشكيل الدلالة؛ لإضافة متعة الفهم والمشاركة في التشكيل و كأنها حلقة دائرية و لكنها ليست مفرغة.
النص:
التائه
عدت- مثل ذلك الغريب الذي تناثرت أشلاؤه في بلاد الله، يشعل من القهر ذاته، علمته أمه أن يمسك بمفتاح بيته، يعطره كل آونة بوهج شريانه النازف، عنده ألف سبب للعودة، أجاب نداء الأرض- لكنني لست - كما قلت لكم- مثله.
أعاني من داء العته، تختلط لدي الأسماء بالمسميات، بل أضع للنساء أسماء الرجال، حتى خلتهم نساء ذوات اثداء يضربها الريح، كل واحد يتغنج في مشبته، الصغار يهزأون بي، تنزل من فمي الريالة، يقدفني هؤلاء بالحجارة، يعدون خلفي من شارع إلى زقاق، يصيحون ورائي أنني التائه الشريد، هذا سر وجب البوح به فأنا كما هو مدون في صحف الصحة غير سوي ، مثقوب الذاكرة.
الطريق إلى مدخل المدينة به شارات وعلامات لست أعرفها، يبدو أن الناس مصابة بالتشوش فلابد لهم من دليل من أسهم وكلمات معدنية توصلهم إلى بيوتهم، أما أنا فلا أجيد قراءة كل هذه الرموز، إنها أحاج تحتاج بارعا يفك شفرتها، في الماضي على ما أتذكر كانت تتراقص المفردات داخل عقلي، حتى أن أمي أعاذتني بالله من حسد النساء في حارة السوس، أتكلم كتيرا بل كنت أشدو مثل البلبل، لكن عين امراة أصابتني بالخرس، تاهت الحروف، صرت أحرك يدي عوض لساني، انعزلت في بيتنا.
طافت بي أمي عيادات الأطباء، أزارتني مقامات الأولياء، ثم بعد غادرت الدنيا ولما ترى لي لسانا مثل كل الأطفال، اكتفت بأن وضعت شارة حمراء في رقبتي، حبلا من قماش تتدلى منه كف مخضبة بالحنا
13- د. فائز أحمد - متلازمات السرد عند سيد شعبان
اتدري يا دكتور. الشيء الذي لا يعرفه احد عني انني من شيوخ الطريقة القادرية، وقد قضيت أكثر من ثلاثة عقود من عمري بين الدراويش والمجاذيب، ولذا.. عندما قرات قصتك (جاء بالله) هذه قبل أكثر من عامين نفرتُ منها بسبب ما وجدته فيها من إشارة قد تبدي سوء ظن بهذه الشخصيات التي لا يعلم احد ما بينها وبين الله. عندها قرأت لك قصة أخرى فوجدت فيها ذات المدلول، فأرسلت لك وقتها رسالة قلت لك فيها (ما حكايتك مع الأولياء والمجاذيب والدراويش؟) فقلت لي ما يفيد بأنهم جزء من المجتمع وتناولهم يعد من صميم تناول الحياة الاجتماعية في الريف المصري. احترمت ذلك، ولكني بيني وبين نفسي بدأت أنفر من كل قصة لك في عنوانها ولي أو درويش، أو في سطورها ذكر لولي أو درويش. قصصك رائعة جدا، الناحية الفنية فيها عالية للغاية سوى في مواضع طفيفة، وقد اخبرتك من قبل انها يمكن أن تكون (قصص تشيخوف مصرية) بجدارة، ولكن يفسد عليّ هذه الجمال الفني وهذه المتعة في الوصف والتنقل المتقن من حالة فكرية وشعورية إلى أخرى.. هذه الثيمة المتكررة عندك. طبعا ليس من حقي أن أفرض عليك ثيمة معينة، أو تبني شخصية معينة، ولكنها فقط مشاعر شخصية أبثها لك من صديق إلى صديق. السودان بلد ملؤه التصوف، والتصوف جزء أصيل من تكوين الشخصية السودانية، باستثناء بعض المنكربن على التصوف وهم طائفة معروفة عندنا وعندكم، وبإستثناء مجموعة من أدعياء الثقافة الذين أشعل بعضهم الحرب الحالية في السودان، وبالتالي فالغالب الأعم حتى بين الأقلام الأكاديمية والمثقفة عندنا هو إجلال التصوف، بمن فيهم الولي الطيب صالح كما تكرمت أنت في لفتة ذكية ولطيفة، وإذا وقعت بين يديك روايتي (خلوة ود رغيم) فستجد فيها انعكاس كبير للعمق التاريخي للتصوف في حياتنا، وربما كان هذا التناول الجريء المختلف هو السبب الذي جعلها تفوز بتقديرية جائزة الطيب صالح. رغم هذا الوجود العميق التصوف في دماء وروح الكثير من الكتاب السودانيين، إلا أنهم ينوعون بين الثيمات والشخصيات ولا يبقون إبداعهم سجيناً لموضوعات بعينها، وذلك بسبب الاتساع الفكري وحتى الإثني والقبلي في السودان، وهذا الاتساع موجود عندك بالطبع وبقوة قيمته الفنية والحمد لله، ولكن على البعد الذاتي الخاص بي.. أرى أن يُذكر هؤلاء والمجاذيب بخير أو يتركوا لحالهم، خاصة في مجال تأليف كتب الأجناس الأدبية المختلفة، لأنها خالدة وتصل إلى قاع المجتمع وتبقى عابرة للأجيال. ليس هناك وصاية على قلم، ولكنها خواطر شخصية أبثها لك وانا أقرأك. نحن نصف الدراويش كما هم تماما كما وصف أستاذنا الطيب صالح بطله الزين في روابته الرائعة (عرس الزذن) وكما وصفت انت جاء بالله في هذه القصة بدون أي تحفظ، ولكننا نبقى أبواب التقدير لهم مفتوحة كما في شخصية (الحنين) في رواية (عرس الزين) نفسها، مع الحرص الشديد على ألا تكون عاقبة هؤلاء خادشة لمكانتهم، وهذا بالضبط ما يزعجني في تناولك لهذه الشخصية، العاقبة (الخاتمة) التي لا أشعر تجاهها بالرضا. والأديب في آخر الأمر لمن يكتب؟ يكتب للجميع، ربما يعادي السلطة، ولكن كيف له إلا يُرضي بسطاء المجتمع؟ من ظن أن التنوير موجود فقط في النخب فقد أخطأ الطريق، النور الذي يمد دعاة التنوير منبعه هو قاع هذا المجتمع، حيث الفطرة السليمة والسليقة التي لا تكلف فيها، والميثولوجيا الغنية المدهشة الممتعة، وهذا بالطبع أمر لا يخطئه ذكاؤك ولا تخطؤه حساسيك الكاتبة المرهفة، ربما غلب التداعي الحر وتدفق الخواطر الناقدة المحبة على هذه الرسالة، ولكن يمكنك اعتبارها (فضفضة) حميمة بين صديق وصديق. هو موقف شخصي على كل حال.
د. فائز احمد