أمل الكردفاني - الميراث.. قصة قصيرة

هناك انحدار هائل من أعلى الجبل..انحدار حُرٌ ووعِر. وعلى التيس الجبلي أن يحرك أظلافه بحذر، يرفع قدماً فتظل تهتز في الهواء قليلاً قبل أن يضعها على الأرض مرة أخرى، يباعد بين خلفيتيه ويجذب سيقانه للخلف فتمتشق قليلاً، وهكذا يدرك هذا التيس الصغير أن هناك جاذبية أرضية يمكنها أن تقذف به إلى الهاوية السحيقة. إنه وعي فيزيائي تقريباً، ولكنه غير مكتمل.
تطوف ريح الشمال الجافة حول قمة الجبل وتنزلق للأسفل، وأثناء ذلك تهدد ثبات التيس، فيدرك بأن هناك ما قد يؤثر على توازنه، لذلك يتصلب قليلاً ويرفع أذنيه المرقطتين قليلاً، ثم يرخيهما وهو يعزز شجاعته للهبوط بسرعة إذ تقترب شمس الشتاء الواهنة من توديع السماء. وفوق رأسه يحلق نسر ذهبي قاسي النظرات..فيثغو التيس محذراً نفسه.
هناك حصى ملساء ولكن الغالب من الجبل حجارة حادة الزوايا، مع تراب جبلي هش قابل للإنجراف. إن سير التيس الصغير ليس سهلاً، ولكنه على كل حالٍ مضطر لذلك.
فقد توازنه لبرهة فانجرف جسده قليلاً إلى الأسفل، لكنه تشبث بخشونة الأرض، ثم توقف لاهثاً.
من الأعلى كان سنور يراقب كل شيء. سنور جائع يزدرد جوعه ممصمصاً لسانه ذو الحليمات المبردية متتبعا الفريسة في الأسفل.
على التيس هنا أن يتجاهل خوفه ويطلق العنان لجسده. وهذا ما فعله بالفعل. لقد أسقط جسده فانساب مع المنحدر كماء الشلال. هنا عليه أن يحفز كل حواسه لكي يتزن. الخوف يفعل ذلك بالنيابة عن إرادته. الخوف من العدو يعطه قوة تركيز أكبر من المعتاد.
"لا يعش في أمن سوى الإنسان يا أمي".
يقول ذلك، ويتذكر أن أمه -حينها- حدقت خلفه حيث نقطة لا مرئية له. حدقت ساهمة، وكأنما جالت أمام عينيها ذكرى موحشة. لعلَّ الأمر متعلق بوالده الذي لا يعرفه.
قال بإصرار:
- لِمَ لا نعش مع البشر؟ هناك الطعام والشراب والأمان.
تحكُّ الأم خطمها برقبته النحيلة، وتمشي ببطء، فيتبعها ببطء أحياناً، ويخف خطوه لاعباً حول حِماها أحيانا أخرى. والشمس الباردة تختفي خلف حجاب شفاف رقيق، وتهيم الريح الشتوية الجافة بصفيرها المتموج، فتتحرك بعض شجيرات الجبل والأعشاب القليلة المتكومة هنا وهناك.
لو قبِلت بالبقاء لدى البشر فسينتهي عهده بالثعالب والسنانير والنسور والأفاعي والقرود. يقول مطأطأً رأسه. ويفرح حين تتوقف أمه أمام سور خشبي قصير، ينتصب خلفه بنيان حجري بسقف من القش. ترفع الأم رأسها، وتتشمم الهواء الذي يحمل رائحة التبن والطين. ثم تخطو خطوات مترددة نحو الباب، وتبدأ في طرقه بذيلها القصير.
كان التيس الصغير خائفاً لذلك قبع بعيداً، حتى فتح البابَ رجل ضخم الجثة نظر إلى الأم ثم رفع رأسه إلى السماء وغمغم:
- الحمد لله الذي أنقذني من الموت جوعاً.
هرول التيس مبتعداً وهو يثغو بفزع.
بعد بضعة أشهر كان يراقب صغيره وهو يهبط من الجبل. بالفعل نجح الصغير في ذلك ثم ثبت قدميه أمام والده وقال:
- لا يعش في أمن سوى الإنسان يا أبي.
أضاف:
- لِمَ لا نعش مع البشر؟ هناك الطعام والشراب والأمان.
حدق الأب في نقطة بعيدة خلف صغيره، فطأطأ الأخير راسه بحزن. لكنه ابتهج حين رأى والده يخطو إلى الأمام متجها نحو السور الخشبي.

(تمت)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى