ماجدولين الرفاعي - امرأة لاتشبهني!

حررت شعرها الأسود من قبضة الشريط الحريري الأحمر الذي يضمه، فتحت زرّا إضافيا من أزرار القميص الأبيض الشفاف وتركت لعنقها العاجي حريته في مغازلة خصلات شعرها، بينما تسلل سلسالها الذهبي إلى سرداب فضي يمر بين نهدين أبيضين انكشف نصفهما من فتحة القميص والنصف الآخر كان جليا للعيان يشفه قميص حريري بالكاد يغطي جسدها، جلست باسترخاء وغنج فوق الأريكة الزرقاء المريحة، كان فارس يقف أمامها بتجهم واهتمام كبير بتفاصيل وجهها.. يقترب حينا كي يرفع خصلة من شعرها غطت نصف جبهتها ثم يرجع إلى الوراء متفحِّصاً عن بعد شكل جلستها، ابتسمت له ابتسامة بيضاء تشي بحبها وتعلقها به.. فبانت أسنانها الصغيرة المتراصة، أما عيونها فقد تدفق من حدقاتها شلال فرح وحدائق سوسن… تجاهل ابتسامتها وقال لها بصوت جهوري تفوح منه الثقة بالنفس والنرجسية المعتقة:اجلسي جلسة تشعرين معها بالراحة التامة لأن جلستك هذه قد تطول لساعات ورجاء لا تأتين بأية حركة، خذي نفسا عميقا قبل كل شيء..

– ما أجمل أن أكون الملهمة لفنان اعشقه ويعشقني لابد وأن ملامحي ستبدو في الصورة أكثر صفاء وأكثر رقة وعذوبة، سيظهر حبي له في تفاصيل اللوحة وألوانها فعادة ما يعكس الفرح ضوءه على وجه الإنسان فيلونه بألوان الطيف .

رددت هذه الكلمات بينها وبين نفسها، وهي تشعر بالغبطة والسرور، وراحت تنظر إليه نظرة غنج ودلال، لم تغيّر من صرامة نظراته وجديته

كان وجهه ملبدا بالجدية وهو ينقل نظراته بينها وبين حامل اللوحة ثم يمرر ريشته على القماش المشدود بإحكام إلى حاملها الخشبي…

تململت في جلستها… تأففت ثم استكانت أمام نظراته الصارمة التي أنذرتها بالتوقف عن الحركة..

من أصعب المهمات التي توكل للمرأة هي المهمة التي يتطلب معها أن تصمت لساعات… ساعة… اثنتان… ثلاثة… أوف متى تنتهي من الرسم يارسول المحبة؟

كانت قد بدأت الشعور بالتعب والملل من حالة الصمت والجمود التي فرضت عليها بإرادتها ولكن ما باليد حيلة فللشهرة رسومها الباهظة فقد تصبح هذه اللوحة مشهورة كلوحة (الجوكندا)، أو ليس ليوناردو دافنشي أمضى أربع سنوات في رسم امرأة يحبها ؟!! ضبطت أعصابها واستمرت في ممارسة الصبر الذي مااتقنته يوماً..

أبدت أمامه عدم اكتراثها بنداءات هاتفها المحمول التي كانت تترى واحدة اثر أخرى.. كانت تعلم سلفا بأنه لن يسمح لها بالرد على هواتفها كي لاترتبك جلستها وتفسد اللوحة التي تعب في رسم مخططها الأول..

– ولكن ماذا لوكان على الهاتف والدي وقد أزعجه عدم ردي على اتصالاته؟ماذا سأقول له وأي كذبه بيضاء أو حمراء سأخترعها كي يقتنع بصدقي؟

– ماذا لو كان المتصل مديري في العمل وقد أزعجه غيابي وتأخري عن العمل دون مبرر؟ بالتأكيد سيزعجه عدم ردي على الهاتف أكثر وأكثر..أنا واثقة بأنني ساجد قرار فصلي عند المحاسب… لايهم فللشهرة رسوم باهظة الثمن وعليَّ تحمل تكاليفها..

جالت في فكرها مئات الأسئلة وقوافل من الأفكار، والتهيئات، والصور ولكن كان عليها طردها جميعها والاسترخاء التام خشية أن تظهر ملامحها في اللوحة متوترة قلقة…

كان فارس منهمكا في عمله، يمزج الأزرق بالأحمر فينبهر بالبنفسجي المتوهج حزنا، لم يلحظ توترها وقلقها، فهو كالعادة ينسى نفسه تماما عندما، يستغرق في العمل كلياً فينسى مشاعره وأحاسيسه، وينسى معهما كل الدنيا فليس لطموحه حدود…

أمام انهماك فارس وطول فترة صمته راحت ناهد في شرود طويل، تذكرت الكثير من مواقفه السيئة معها ولامبالاته أمام أحزانها، فقد كان آخر المعزين يوم وفاة والدتها وعذره وقتها أنه لم يعلم إلا متأخراً لأنه لم يتصل بها بسبب عدم وجود تغطية في المرسم باعتباره قبوا، يوم عيد ميلادها افتعل مشكلة تافهة كي تكون سبباً في غلق الهاتف في وجهها ومن ثم التواري أياما قبل أن يقول لها كل عام وأنت بخير ولم يكلف نفسه عناء شراء ولو باقة ورد بحجة أن موعد الاحتفال قد فات وقته… تذكرت اكتشافها لخيانته مع صديقتها، فانهمرت أحزانها بغزارة، وقطبت جبينها وتناثرت في المرسم التنهيدات..

ارتجفت على وقع صوته المرتفع الذي جلجل في المكان وهو يصرخ :

– ناهد…. مابك؟ انتبهي سوف تفسدين اللوحة عدلي جلستك ولاتتحركي..

رسمت هذه المرة ابتسامة بلاستيكية تشبه ابتسامة الفرح وحاولت اصطناع السعادة لعل عيونها تعاود لمعانها مرة أخرى.

(لقد صدقت فرحي وآمنت بابتسامتي جيداً.. هذه المرة استطعت خداعك)

غول الوقت يأكل الساعات وقلبها تزداد نبضاته خوفا.. قلقا.. ومللاً أيضاً… ما الذي دعاها لقبول عرضه والجلوس ساعات أمامه؟

لماذا لم ترفض عرضه على الأقل في الوقت الذي حدده هو؟ لماذا لم تفرض شروطها كأن يرسمها في يوم إجازتها مثلا وبعد تامين كذبة مناسبة لأهلها؟

لماذا سمحت له بان يسلبها إرادتها ويحولها إلى دمية يحركها بمزاجه المتقلب كالشتاء؟

تبا لها كيف حجمت عن شخصيتها أمامه وهي المرأة القوية المتحدية الصلبة؟

أيعقل أن يكون للحب سحر يجعلك أليفا كأرنب منزلي مطواع؟

لم تسمع وقع خطاه وهو يتجه صوبها فوجئت بيده الباردة وهي تمتد إلى صدرها وتلامس جلدها الأملس كي تعدل فتحة القميص… هي ذات اليد التي كانت تعشقها وتشعر بدفئها عندما تلمس خدها في جلسات حميمة هي ذاتها الأصابع التي كانت تشعلها رغبة وهي تداعب شفاهها… لكنها الآن لم تشعر إلا ببرودة تلك اليد وهاتي الأصابع فقد لامست صدرها كسماعة الطبيب الأكثر برودة من مشاعرها، في هذه اللحظة التي اجتمعت فيها كل انكساراتها وتحولت إلى خنجر غاص عميقا في وجدانها، وتقاطرت قوافل ندمها نحو اللحظة التي بددتها الذكريات… (إن مافعلته أنت من أشياء حطمتني لايقاس بحجم ندمي الذي اشعر به الآن)، وهل ينفع الندم ويرجع ما فات من سالفات الأيام؟

لقد سلمته قياد قدرها باسم الحب فتنازلت عن كبريائها وعن كرامتها وصارت امرأة عادية كغيرها من النساء تقتلها الغيرة وهي تلاحقه محاولة كشف ألاعيبه وحيله وتبريراته السخيفة مقتنعة تماما بكذبه وبخياناته ولكنها كانت دوما تكذب على نفسها وتصدق تبريراته… ربما لم تكن تصدقها ولكنها لا تريد الابتعاد عنه!

– ناهد للمرة الأخيرة أحذرك ستفسدين اللوحة عدلي من وضعيتك… دقائق وننتهي..

– لابأس ياعزيزي أنا آسفة جدا يبدو أنني شردت قليلاً..

بكل جدية تابع فارس رسم اللوحة وبدت ملامحه أقل صرامة وراح ينقل ريشته بخفة، ضربة هنا وضربة هناك… بينما ينظر بين الفينة والأخرى إلى وجه ناهد الذي امتقع لونه وزينته ابتسامة صفراء.. وهي تجبر عقلها الباطن على تذكر الأشياء الجميلة التي جمعتهما معا.. تذكر الرسائل الرقيقة التي كانا يتبادلانها صباحا.. تذكرت الأمسيات الجميلة في مقاهي الحي القديم، تذكرت دموعه على صدرها عندما عايش آلام الكلى لمدة ثلاثة أشهر فكانت له ممرضة وأختا وحبيبة، بكى يومها ندما قبل يديها وهو يعتذر عما تسبب لها من مشاكل وأحزان.. كانت تشعر وقتها وكأنها أم عليها رعاية وحيدها المشاغب التائب عن مشاكساته..

– ناهد هيا اذهبي الآن إلى المطبخ واعدي القهوة انتهينا..

استلقت على المقعد ومدت جسدها بالكامل، لوحت بيديها في الهواء في محاولة لتنشيط خلاياها المسترخية، ألقت نظرة باتجاه فارس الذي أشعل لفافة تبغ وراح يمج دخانها بتلذذ المنتصر بعد معركة ضارية… كانت هي إحدى أدواتها..

بعد دقائق قفزت ناهد من مكانها بسرعة وتوجهت صوب اللوحة تريد أن ترى حصيلة صبرها وإبداع فارسها المشهود له في كل الأوساط الفنية والثقافية… نظرت الى اللوحة ثم صرخت صرخة مدوية اهتزت لها كل نوافذ المرسم ومراياه: إنها امرأة لاتشبهني!!!




* المجلة الثقافية الجزائرية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى