عندما سألني موظف الاستقبال عن اسم الطبيب الذي أرغب في مراجعته همست: "الدكتور نعمان"، ولكن الملعون رفع صوته قائلا: "الطبيب النفسانی؟"، فأجبت بصوت خافت :"نعم"،
قلتها وأنا أشعر بالحرج الشديد، وشعرت بالناس الذين تزاحموا حولنا يرمقونني بنظرات تنم عن الشفقة ، فقبضت بأصابعي على الرقم "٦" ثم هرولت إلى العيادة النفسية، وأخذت مكاني في قاعة الانتظار، ووجهي يتصبب عرقا.
تلفت إلى المرضى من حولى، أحدهم كان يدخن بشراهة، وحاولت ممرضة أن تلفت نظره إلى أن التدخين ممنوع داخل المستشفى، ولكنه صرخ في وجهها، ففرت من أمامه مذعورة، وظل الرجل على حاله يشعل سيجارته الجديدة من القديمة،
مريض أخر كان يبدو قلقا، ويهز ساقيه بطريقة ملفتة للنظر، وثالث كان يجلس ساكنا، وهو يحملق في السقف بتركيز شديد وكأنه يتوقع سقوط أحد النيازك .
الممرضة التي تعمل في العيادة النفسية تفتح باب غرفة الطبيب من وقت لأخر ، وتنادي على أحد المرضى، لاحظت أن المريض يستغرق وقتا طويلا في الداخل ، فأخذت أقطع الوقت بمطالعة اللوحات المعلقة إلى الجدار، والنظر إلى الغادين والرائحين، فوقع بصری علی رجل أنيق، أشيب الرأس، يرتدي بدلة رمادية، وربطة عنق يلتقى لونها مع لون القميص والبدلة في تناسق جميل. كان الرجل يذرع الطرقة جيئة وذهابا، وكان كلما مر أمامنا يحملق في وجوهنا، وشعرت أنه يخصني بنظراته، قلت لنفسي: "أنا لست مجنونا والحمد لله.. كل ما في الأمر أنني أعاني من القلق والتوتر".
تركت مقعدي وذهبت إلى دورة المياة، تأملت وجهي في المرآة، شعرت ببعض الاطمئنان عندما رأيت أن وجهی طبیعی، بل ويبدو مختلفا عن وجوه المرضى الذين أجلس بينهم، عدت إلى مقعدی، وتعمدت أن أخفي وجهی بالنظر إلى الأرض.
المريض الجالس بجانبي مباشرة وضع يده على كتفي فجأة، فحبست أنفاسي في هلع، وتطلعت إليه، رأيت على وجهه ابتسامة شاحبة، نظرت إلى كفه، وشعرت بثقلها فوق كتفي، كدت أن أصرخ مستغيثا، ثم تريثت، فسألني وهو يغمز لي بإحدى عينيه: "انت أيضا تريد الدكتور نعمان؟." قلت : "نعم"، قال: "تسمع صراخا في الليل؟"، فكرت قليلا، ثم قلت: "نعم"، التمعت عيناه ، ثم رفع كفه من فوق كتفي، فشعرت بالارتياح.
عاد الرجل الأنيق يمر من أمامنا، ولكنه في هذه المرة توقف في مواجهتي مباشرة، ثم سألني بلهجة ودية : كم رقمك ؟ وقفت احتراما، وقلت : "رقم ٦"، هز رأسه ثم توجه إلى مريض أخر، وأنت كم رقمك ؟ أجاب المريض وهو واقف أيضا: "رقم ٩"، وهنا انصرف الرجل الأنيق في وقار وتؤده، فأخذت اتبعه بناظری، وهو يستوقف المرضى، ويحادثهم، وكان المرضى يبادلونه الحديث باحترام بالغ، فأيقنت أن الرجل مدير كبير في المستشفى، وربما يكون صاحب المستشفي نفسه، فطريقته في المشي والحديث تشي برفعة شأنه.
مر أحد الأصدقاء وهو يحمل طفله الصغير، وتتبعه زوجته، وكان يبدو في طريقه إلى عيادة الأطفال، تمنيت ألا يرانی، بل تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني، ولكنه لمحني، فتوقف، بينما واصلت زوجته سيرها، ثم دنا مني وقال :
- ألف سلامة.. خير ؟!
قالها وهو يطالع اللوحة المعلقة إلى الجدار (عيادة الأمراض النفسية والعصبية)، فشعرت بالدم يندفع حارا إلى وجهي، وقلت وأنا أغالب ارتباکی :
- لست مريضا والحمد لله.. بل جئت مرافقا لأحد أقاربی.
انصرف الصديق ولحق بزوجته، فعاودت الجلوس وأنا أشعر بالحرج الشديد، وعدت أفكر جديا في الانصراف من المستشفى ، ثم عدلت عن ذلك .
الرجل الأنيق، ذو البدلة الرمادية، عاد من جديد ووقف أمامنا، وقال بنبرة رقيقة، وهو يطالعنا بوجه هادئ : هل هناك أي مشكلة يا اخوان؟ هززنا رؤوسنا : "لا.. كل شي على ما يرام"، انفرجت شفتاه عن ابتسامة راضية، ثم عاد یسألنا: هل لديكم شكوى من أي نوع؟، عدنا نهز رؤوسنا بالنفي، وشكرناه على اهتمامه بنا ، ثم أطرقت إلى الأرض، حتى لا يختزن الرجل ملامحي، ولكني أضطررت لرفع رأسي من جديد عندما سمعت الممرضة تنادي على المريض "رقم ٤" "الأستاذ شوكت.. الأستاذ شوکت"، فرأيت الرجل الأنيق يشد قامته، ثم يندفع مهرولا إلى غرفة الطبيب.
قلتها وأنا أشعر بالحرج الشديد، وشعرت بالناس الذين تزاحموا حولنا يرمقونني بنظرات تنم عن الشفقة ، فقبضت بأصابعي على الرقم "٦" ثم هرولت إلى العيادة النفسية، وأخذت مكاني في قاعة الانتظار، ووجهي يتصبب عرقا.
تلفت إلى المرضى من حولى، أحدهم كان يدخن بشراهة، وحاولت ممرضة أن تلفت نظره إلى أن التدخين ممنوع داخل المستشفى، ولكنه صرخ في وجهها، ففرت من أمامه مذعورة، وظل الرجل على حاله يشعل سيجارته الجديدة من القديمة،
مريض أخر كان يبدو قلقا، ويهز ساقيه بطريقة ملفتة للنظر، وثالث كان يجلس ساكنا، وهو يحملق في السقف بتركيز شديد وكأنه يتوقع سقوط أحد النيازك .
الممرضة التي تعمل في العيادة النفسية تفتح باب غرفة الطبيب من وقت لأخر ، وتنادي على أحد المرضى، لاحظت أن المريض يستغرق وقتا طويلا في الداخل ، فأخذت أقطع الوقت بمطالعة اللوحات المعلقة إلى الجدار، والنظر إلى الغادين والرائحين، فوقع بصری علی رجل أنيق، أشيب الرأس، يرتدي بدلة رمادية، وربطة عنق يلتقى لونها مع لون القميص والبدلة في تناسق جميل. كان الرجل يذرع الطرقة جيئة وذهابا، وكان كلما مر أمامنا يحملق في وجوهنا، وشعرت أنه يخصني بنظراته، قلت لنفسي: "أنا لست مجنونا والحمد لله.. كل ما في الأمر أنني أعاني من القلق والتوتر".
تركت مقعدي وذهبت إلى دورة المياة، تأملت وجهي في المرآة، شعرت ببعض الاطمئنان عندما رأيت أن وجهی طبیعی، بل ويبدو مختلفا عن وجوه المرضى الذين أجلس بينهم، عدت إلى مقعدی، وتعمدت أن أخفي وجهی بالنظر إلى الأرض.
المريض الجالس بجانبي مباشرة وضع يده على كتفي فجأة، فحبست أنفاسي في هلع، وتطلعت إليه، رأيت على وجهه ابتسامة شاحبة، نظرت إلى كفه، وشعرت بثقلها فوق كتفي، كدت أن أصرخ مستغيثا، ثم تريثت، فسألني وهو يغمز لي بإحدى عينيه: "انت أيضا تريد الدكتور نعمان؟." قلت : "نعم"، قال: "تسمع صراخا في الليل؟"، فكرت قليلا، ثم قلت: "نعم"، التمعت عيناه ، ثم رفع كفه من فوق كتفي، فشعرت بالارتياح.
عاد الرجل الأنيق يمر من أمامنا، ولكنه في هذه المرة توقف في مواجهتي مباشرة، ثم سألني بلهجة ودية : كم رقمك ؟ وقفت احتراما، وقلت : "رقم ٦"، هز رأسه ثم توجه إلى مريض أخر، وأنت كم رقمك ؟ أجاب المريض وهو واقف أيضا: "رقم ٩"، وهنا انصرف الرجل الأنيق في وقار وتؤده، فأخذت اتبعه بناظری، وهو يستوقف المرضى، ويحادثهم، وكان المرضى يبادلونه الحديث باحترام بالغ، فأيقنت أن الرجل مدير كبير في المستشفى، وربما يكون صاحب المستشفي نفسه، فطريقته في المشي والحديث تشي برفعة شأنه.
مر أحد الأصدقاء وهو يحمل طفله الصغير، وتتبعه زوجته، وكان يبدو في طريقه إلى عيادة الأطفال، تمنيت ألا يرانی، بل تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني، ولكنه لمحني، فتوقف، بينما واصلت زوجته سيرها، ثم دنا مني وقال :
- ألف سلامة.. خير ؟!
قالها وهو يطالع اللوحة المعلقة إلى الجدار (عيادة الأمراض النفسية والعصبية)، فشعرت بالدم يندفع حارا إلى وجهي، وقلت وأنا أغالب ارتباکی :
- لست مريضا والحمد لله.. بل جئت مرافقا لأحد أقاربی.
انصرف الصديق ولحق بزوجته، فعاودت الجلوس وأنا أشعر بالحرج الشديد، وعدت أفكر جديا في الانصراف من المستشفى ، ثم عدلت عن ذلك .
الرجل الأنيق، ذو البدلة الرمادية، عاد من جديد ووقف أمامنا، وقال بنبرة رقيقة، وهو يطالعنا بوجه هادئ : هل هناك أي مشكلة يا اخوان؟ هززنا رؤوسنا : "لا.. كل شي على ما يرام"، انفرجت شفتاه عن ابتسامة راضية، ثم عاد یسألنا: هل لديكم شكوى من أي نوع؟، عدنا نهز رؤوسنا بالنفي، وشكرناه على اهتمامه بنا ، ثم أطرقت إلى الأرض، حتى لا يختزن الرجل ملامحي، ولكني أضطررت لرفع رأسي من جديد عندما سمعت الممرضة تنادي على المريض "رقم ٤" "الأستاذ شوكت.. الأستاذ شوکت"، فرأيت الرجل الأنيق يشد قامته، ثم يندفع مهرولا إلى غرفة الطبيب.