فاطمة البسريني - لست ميتا...

كان يتمنى لو يسمعون صراخه القوي داخله.
كان صراخه قويا ، يصك الآذان ، لكن لا يخرج من فمه أي صوت أو حتى أنين..
كان يتمنى لو يستطيع أن يحرك يده ، أو حتى أحد أصابعه على الأقل ليقول لهم أنه ما يزال حيا .. ما يزال حيا . . وأنه يريد أن يعيش ، لكنه مشلول الحركة كليا ، وجسمه بارد صقيعي وشفتاه مزرقتان وعيناه متوقفتان ، تحدقان إلى لاشيء ..
ـــ لكنني حي ... حي .. وهي من فعل بي كل ذلك ..
كانوا يصبون على جسده الماء فلا تتحرك فيه شعرة واحدة ،تماما كما أرادت ( آتيلا ).
لقد صبت عليه لعنتها الأبدية وجعلت جسمه خشبة مهترئة ، لكنه يحس بكل شيء.
كانت غلطته ، وعدها يوما أنه سيأخذ من السماء نجما كل يوم ،ليهديه لها إلى أن تفقد السماء كل نجومها ، لكنه لم يف بوعده .
وعندما غافلته ونظرت من نافذتها رأت أن السماء مازالت مليئة بكل النجوم وهي تلمع لمعانها الأزلي ، لذلك تساءلت وهي تقول له :
ـــ ألا تحس أنت أيضا بهذا المذاق المر في فمك بشيء لم يكتمل ...
ها هم يأتون بكفنه ، وهم يقومون بطقوسهم :
( لا .. لا تدفنوني حيا .. )
أخد يتخبط ويركل برجليه :
(إنني هنا معكم ، ألا تسمعون ؟ ألا ترون أنني أتحرك وأصرخ ؟
إنني أراكم ترتلون صلواتكم ، إنني هنا يا عباد الله .. كيف أجعلكم تنصتون إلي ؟ كيف أعبر لكم عن ذلك وأنا عاجز عن أظهر لكم أنني حي .. حي ..)
نعم يا )(آتيلا ) آه يا (آتيلا ) معك كل الحق ،كنت دائما أرفض أن أفهمك أن أسمعك ، قمت بسجنك في غرفتك بذلك البيت القديم وسط تلك الغابة المترامية الأطراف وكنت دائما ما لا أفي بوعودي لك بتحريرك .
لم أنتبه إلى أنك كنت تضحكين لتخفي خوفك العميق مني ومن نفسك ،
لم أنتبه إلى أنك كنت تسيرين تحت أقواس الليل ، وتتركين بصماتك على الأشياء التي كسرت في طريقي وعلى كل مكان مررت منه ، وعلى أحاسيسك التي كنت أحطم بكل قوتي يوما بعد يوم..
هاهم يعودون ليصبوا الماء على جسده ، وهم ينطقون بكلامهم ذلك ،
تخبط من جديد :
ــ أنا لست ميتا .. لست ميتا .. يا الله .. يا ربي ..
أبعدوا عني تلك الخرقة البيضاء ، كيف يمكنكم أن تلفوني فيها وأنا أضرب بيدي ورجلي ذات اليمين وذات الشمال وفي كل اتجاه .
ــ يا (آتيلا ) أرجوك ، أعرف أن غضبك مني قوي جدا ، أرجوك ارفعي لعنتك عني لهذه المرة فقط فأنا لا أريد أن أموت مختنقا تحت هدا الكفن وذلك التراب الذي سيضعونه علي في تلك الحفرة العميقة التي أعدوها مسبقا ..
كنت أعرف أنك ستضيعين مني يوما ما ، وأنك تحقدين علي حقدا دفينا، أسودا، لكن لم أتخيل أنك ستعملين على دفني حيا .
الوقت يمر يا ( آتيلا ) أنقذيني هيا أرجوك ،
إنهم يضعونني في ذلك الصندوق الخشبي اللعين ، الرعب يخنق أنفاسي يا (آتيلا)...
كيف استولت عليك شياطين الشر المميت وأنا من كنت أظن أنك بريئة وبعيدة ..
من بعيد .... جاءه صوت (آتيلا) مؤكدا:
ـــ خذوه إلى مرقده الأخير ، لا جدوى من تضرعاتك ومحاولاتك النجاة من الموت .
الغموض لمس يدي ورحل ولم يترك أية بقايا منه ، إلا صمت مطبق ، كصمت المقابر ورسائل من أشجار السرو تحفر بأشواكها المسننة وحدتي الخالدة .

•••

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى