لا تزال الذكرى حية نابضة والدم الذي غطي ملابسنا ساخنا ولا زالت ضحكته الجميلة تظلل سماء المدينة بروحه الفريدة َوجاذبية شخصيته التي هي شخصية شهيد.. استعيد اللحظة كلها بكل تفاصيلها كأنها حدثت الان... كنا صغارا في المرحلة الثانوية ونحن مهمومون بالوطن وشؤونه والشعر والرسم والادب وجنونه وفعل الثورة الذي كان جا ذبا في مخيلتنا البكر.. كنا حالمين وبالجمال مفتونين... نعرف نزار قباني وشعره المتمرد درويش وفلسفته العميقة وسميح القاسم وبندقيته بين الكلمات منصوبة وتوفيق زياد ويساريته الظاهرة في حروفه منظومة ونحفظ اناشيد أكتوبر واشعار محجوب شريف المغموسة في عامية فريدة قصيدة الابنودي الشهيرة عن حراجي القطن وفاطمة محمد عبد الغفار وجبلاية الفار عن ظهر قلب ونغني اناشيد محجوب شريف في جلساتنا البريئة وعند عودتنا من السينما في شوارع المدينة التي تنام باكرا ونملاها ضجيجا بــ (غني ياخزطوم وغني شدي أوتار المغني وضوي من جبهة شهيدك امسياتك واطماني. نحن منك نار و شبت ريح وهبت في وجوه الخانوا اسمك يا جميلة...) كانت الدنيا جميلة وكنا سربا من العصافير البريئة من عشاق الشعر والثورة والجمال والحياة... لم نكن نعرف ما تخبئ لنا الايام من كؤوس احزان.. لم نكن نعرف ان مواسم صيد الغزلان في السودان لن تتوقف عند صيد القرشي وبابكرعبد الحفيظ شهداء ثورةأكتوبر 1964 التي نحتفل بذكراها بجريدة حائطية وبث الملحمة في الإذاعة المدرسية وقراءةشعر يشارك فيها شعراء منا ومن رابطة الجزيرة أمثال الشاعر محمد محي الدين.. لم نك ندري ان صيدالغزلان سيستمر وان واحدا منا وسيماساحرا سينضم الي ركب الغزلان السعيدة الشهيدة في غابة السودان المتوحشة العامرة بصائدي الغزلان وان الصيد سيتواصل ويمضي الشهداء اليفع زمرا الي الجنة زمرا ببنادق هي من مالنا ودمنا مصنوعة وبأياد من لحمنا ودمنا وقد تكون جريمة الغزلان مشاهدة فيلم او ندوةشعر اوالخروج في مظاهرة َ... لم تك الايدي التي تصطاد الغزلان عدوا قادما من خارج الحدود اوغولا كما تقول حكايات جداتنا ولم تكن قاضيا يصدر حكما عادلا علي مجرم عريق في الاجرام... لم نك ندري انه كلما تفتحت زهرة في بساتين السودان حصدتها البنادق الوطنية وجاست في ظهور أصحابها السياط والأيدي الغليظة قبل أن يفتح الموت ذراعيه لها و من ثم كشرت شياطين الإنس العنيدة عن أنياب ومخالب ومجامر وادوات تعذيب فريدة في وجوه الزهور في الخميلة.. في كل عام تعقد في بلادنا للشهادة الوطنية امتحانات عديدة يفتح الجب الوطني ذراعيه لدفعة جديدة من الحمام من أخوة يوسف ويلتهم وجبته الفريدة من الحمانم الغزلان في العراء والشوارع الفسيحة التي ماصانت عشرتنا معها ولا حفظت لنا شدونا في حنباتها ونحن نهز أعصاب السكون ونشعلها فرحا.... لم نعد قادرين ان نحفظ اسماء الشهداء العديدة لم يعد القتلة يستحون من الناس أو من الله باتوا يقتلون حتى المشيعين عند المقابر و يخرجون في المواكب في رحلات صيد مصورة يصفق فيها رفاق القاتل لعملية اعدام السنابل ويلهون بالبنادق والقنابل والخناجر في الشوارع بدلا عن مهرجانات الموالد... اختي سكينة يوسف عبيد عرفتك طفلة كانت جزءا من معالم المدينة وكان طه أجمل اولاد المدينة ببسمته تلك العريضة العميقة كان شهقة ام عند الضفة تحرس قاربا يتلاعب به موج الدميرة في قلبه كان طه نائمأ تهدهده (سكينة وحنان وسمر) اخواته الثلاث عند اقدامه الصغيرة يصنعن له من زبد النهر جديلة وضفيرة ويضعنها فوق الحبهة َوعروسه الصغيرة تحلق فوق رأسه سعيدة وسرب من العصافير الملونة يظلله كغمامة في موكب ملكي مهيب.... كان طه يبتسم بسمته العريضة الجميلة فرشاته ترسم على صفحة السماء وجه القاتل وطلقته وقد ارتدت الي جبهته... يرسمنا واحدا واحدا... يرسم الشهداء القادمين من بعده واحدا واحدا وواحدة واحدة يرسمهم حمائما بيضاء تجسد في السماء خريطة السودان الفريدة.. نسمع صوت قارئ القرآن يتلو سورة طه ويتلو سور القرآن الفريدة بصوت تقشعر معه الابدان مهابة وخشوعا كان يوسف عبيد عند رأسه يقرأ الفاتحة ويس ويقرأ(طه ما أنزلنا عليك القرءآن لتشقى) حتى يبلغ قوله تعالي:(له ما فى السموات وما فى الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) وكان وجه اسامة يوسف عبيد يملأ الشاشات وهو يبكي بحرقة... تمتلئ الشاشات بمشهد نهار الرحيل المر في يوم العاشر من يناير، كانت الشوارع مابين البيت الصغير خلف مدرسة السني والمؤسسة الفرعية للحفريات في مدني مغسولا بالمطر مسكونة بالشجن ودموعنا تبلل الشارع بمطر منهمر... كان طه عريسا فوق عنقريبه الصغير الذي تحمله الجموع كمهد فوق الماءوالمدينة تهدهده وصوت الكلاش يهدر مزمجرا في وجه المدينة مبشرا اياها بشتاء قاس قادم وحصد شهيدا اخرا من المشيعين هو الخانجي.. شتاء اخر يموت فيه الشعراء والفقراء والرسامين ولاعزاء للسيدات ولا السادة ولاللشوارع ولا الأشجار التي تفقد عصافيرها وشقشقتها... طه سيبقى دندنة فينا.. نحمله في الامسيات الحزينة جيتارا ونايا يطربنا ويشجينا ويبكينا.. نصرخ يا طه انت باق فينا... الروح التي ذهبت في ذلك الصباح هي المدينة وليس انت يا صديقي.. ذهبت المدينة إلى النهر فلم تجد نهرا ولاسكينة.. فذهبت إلى الجبل لم تجد نارا ولم تجد مناديا.. ذهبت نحو الكهف فامطرها ساكنوه رصاصا وقصفا..... ذهبت نحو الجزيرة وجدتها أسيرة شاحبة والنسور تحوم حول جثثها الكثيرة... اه يا سكينة يا اخت طه... يا خنساء بلا دموع ويا زرقاء يمامة تشق الصفوف ترى ما لايري ولا تتوقف عن انتظار اوبة المحبين.. تنتظر عودة ذلك القمر الصغير الذي غاب قبل أوان المغيب.... ذلك النهر الذي جف ماؤه قبل الرحيل... لكنه باق فينا وهجا وسراجا منيرا لا يعرف الشحوب ولا الزوال ولا المغيب... لن تكف عن الكتابة في يناير من كل عام عن طه وكل الغزلان لن نكف عن الرسم بالكلمات حتى يجف في صدورنا الصهيل..
سوف توقظ القاتل من سكرته ونوقظ الساكتين من سكاتهم والغافلين من عفلتهم ويستيقظ طه من غفوته القصيرة ونرتاد شوارع المدينة كما كنا نفعل باغانينا الفريدة.. ونغني في وجوه الخانوا اسمك يا جميلة. ياكل مدينة تلعق جراحها وتننظر اوبة الغزلان الشهيدة يا جميلة.
صلاح الدين سر الختم علي القاهرة شتاء 2025 السيدة زينب
سوف توقظ القاتل من سكرته ونوقظ الساكتين من سكاتهم والغافلين من عفلتهم ويستيقظ طه من غفوته القصيرة ونرتاد شوارع المدينة كما كنا نفعل باغانينا الفريدة.. ونغني في وجوه الخانوا اسمك يا جميلة. ياكل مدينة تلعق جراحها وتننظر اوبة الغزلان الشهيدة يا جميلة.
صلاح الدين سر الختم علي القاهرة شتاء 2025 السيدة زينب