عبدالرحيم التدلاوي - حديث الفراغ...

استيقظت الريح، لكنها لم تكن كما كانت. شعرت بجوعٍ مختلف، ليس جوعًا يملأ الفراغ، بل فراغ يلتهم الجوع. تمطّت كسولة، أطلقت زفيرًا نديًّا، ثم بدأت تنظر حولها بشراهة، كأنها خرجت من حلمٍ طويل ووجدت العالم تغير دون أن يخبرها أحد.
المدينة أمامها، تشبه نفسها، لكنها لا تشبه شيئًا في الوقت ذاته. ناطحات سحاب تتزاحم على الهواء، أرصفة تئن تحت أقدامٍ بلا عدد، عيون شاخصة في شاشات الهواتف تبحث عن معنى لا يأتي. المقاهي تعج بالضحكات، لكنها ضحكات جوفاء، تنطلق ثم تسقط على الطاولات مثل فنجان قهوة مسكوب. في الشوارع، سيارات فاخرة تزمجر، سائقيها يظنون أنهم أسرع من الزمن، بينما الزمن نفسه يتثاءب في إشارات المرور المعطلة.
على مقربة، رجلٌ يكتب. رأسه ينحني على دفترٍ مهترئ، قلمه ينزف حبرًا، لكنه لا يكتب، بل يمحو. الكلمات التي تخرج منه تصرخ، لكنها تموت قبل أن تلامس الورق. الريح تنظر إليه بفضول، تقترب، تقرأ ما كتبه، لكنها لا تجد شيئًا. الفراغ، الفراغ يملأ السطور، يبتلع الحروف، يحول اللغة إلى هواء.
ضحكت الريح، ضحكة باردة كصفحة بيضاء. مدت أصابعها الطويلة وعبثت بالشوارع، نثرت أوراق الجرائد التي لم يعد أحد يقرأها، بعثرت طاولات المقاهي، حملت معها بقايا محادثات لم تكتمل، رسائل صوتية لم تُسمع، قصائد لم تجد قلوبًا تسكنها. الناس هربوا مذعورين، لكنهم لم يعرفوا مما يهربون. هل يهربون من الريح؟ أم من انكشاف التفاهة التي كانوا يغرقون فيها؟
الريح، في نشوتها العابثة، وجدت نفسها تدخل عبر نوافذ مغلقة، تزور غرفًا لم تطأها من قبل، تفتش في دفاتر مدرسية، في دفاتر الذكريات، في محادثات الماسنجر المتروكة منذ أعوام، في الصور المصفّرة بفعل الزمن. وجدت الكثير من الكلام، لكن لم تجد أي معنى.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم نفخت بكل ما أوتيت من قوة. انطفأت أضواء المدينة للحظة، توقفت الحركة، تراجعت الضحكات إلى حناجر أصحابها، فرّت العناوين من الصحف، التصقت الكلمات بالحناجر، سقطت الأفكار مثل أوراق الخريف، والكاتب هناك، أمام دفتره، وجد أخيرًا شيئًا يستحق أن يُكتب: الصمت.
كان الصمت كثيفًا، شفافًا، لامعًا كحد السيف. أغمض الكاتب عينيه، ولأول مرة منذ أعوام، لم يشعر بالحاجة لأن يكتب. ابتسم، ثم أغلق دفتره، وترك الريح تكمل روايتها كما تشاء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى