سمية الإسماعيل - قوارير مكسورة...

أُعلنت حالة الاستنفار إثر حدث بدا لي مفزعًا في البداية، بقع حمراء تلطّخ بنطالي، أقسمت حينها للمعلمة أنّني لا أعلم مصدرها، كانت المرّة الأولى التي شعرت فيها بالخوف، ارتجف جسدي الذي كنت أعتقد أنه صلبٌ كأجسادهم. .
ما أثار دهشتي هو برودها و ابتسامتها التي حملت الكثير من التساؤلات داخلي، خاصة عندما ناولتني قطعة قطنية، و أعطتني بعض التعليمات، حينها وجهت لي ملاحظتها
-لا تعاودي اللعب مع الصبية، عليك الاهتمام بجسدك و المحافظة عليه، فأنت قد بلغت.
"بلغتِ" كلمةٌ فسرتها لي والدتي باقتضاب مع همسٍ مريب، و يكأن في الأمر "عيبٌ " عليّ أن أداريه.
لمَ كان على من يحملون هذه الصفة الخُلقية أن يتحملوا كل هذا العبء؟
أثارني الأمر كثيرًا، معلمتي تعرف بالتأكيد أكثر من أمي، هذا ما تبادر لذهني عندما باغتّها بسؤالي:
-هل أستطيع أن أبدّل جسدي؟ لا أريده!.
لم تستطع أن تخفي ذهولها الذي ارتسمت معالمه الجليّة على وجهها
-بالطبع لا، و لكن لِمَ؟
لم أكن متحمسة لتفسير الأمر لها، كان يجب أن أعرف أنها لن تستطيع فهم مقصدي، أو لنقل معاناتي. ففي داخلي إحساس بأنني أرغب ليس في كوني صبيًا فقط، بل أتمنى لو ينبت لي جناحان أيضًا.
هل كان عليّ أن أتحمّل وزر ذنب لم أرتكبه، أن أبقي عمري رهينةً في معقله؟ لست أنا التي أختارت هذا الذي لبسني فجعلني رغمًا مقاتلة لا تنفك عنها مواجهة الحروب و المعارك، كلما تقهقرت السيوف المستلة في وجهها ، أعلن النفير ثانيةً و دُقّت طبول معركة أخرى.
غضّة العود، فرد من تعداد ثمانية من الذكور. تسربت إليّ كثيرٌ من سلوكياتهم، طريقة تفكيرهم، فطُبعت بطابعهم. ما استهوتني يومًا حياة تلك التجمعات "النسائية" لقريناتي، على طراوة أعمارنا، فكل اهتمامهن كان ينصّب على الدمى و تمثيل دور الأم التي همها تنظيف البيت و الطبخ و غيرها مما كنت أستهجنه.
-أنا لم أخلق لأجل هذه الأمور- و ردًا على نظرات السخرية- أردفت بكبرياء…. غدًا ستدركون ما أعني.
طالما جذبتني ألعابهم، صبية الحي، تسلّق الأشجار، صيّد العصافير الصغيرة البريئة بوسائلنا المتاحة، التي كنت أراها وحشيّة في ظل طفولتنا. أمضي جلّ وقتي برفقتهم، لا أتوانى عن فعل ما يفعلون من شقاوة، و غالبًا ما كانت تنتظرني عقوبة عند العودة ممزقة الثياب أو مصابة بجرح في الساق أو الساعد، على أقل تقدير.
-لن تسلمي من عقوبة والدك أيضًا، زيادة على عقوبتي، كم مرة عليّ أن أحذرك؟
-لماذا أنا فقط؟ لماذا لا تعاقبي أخي أيضًا؟ لقد كنّا سويًا.
-أنت بنت، و هو ولد
عينا والدتي كانت تطلق نظراتها نحوي كالرصاص. تشعرني بشناعة فعلتي، كلما شاهدتني أرافقهم. بينما تنهشني الرغبة في معرفة ماذا يعني أن أكون بنتًا! و لمَ تحيطني كل تلك المحظورات.
أتناول عقوبتي، و ألتحف الليل فلي معه لقاء آخر، سرٌ أخفيه دائمًا تحت فراشي، هو من وضع لبنات تكويني الدّاخلي، تبحر فيه عيناي، و تشرق على كهوفي شمسه، أغرق فيه حتى تحمرّ عيناي، و يسرقني النوم.
ليس الصبية هم محط اهتمامي، كمان تظنّ أمي، فكثيرٌ منهم كان لا يُحتمل لثقل ظلّه، و لسخريتهم منّي لأنني "بنت" تمارس حياة الصبية، فهم أيضًا لم يكونوا ليتقبلونني بينهم لولا أخي. ما كان يبهرني و يشدّني إلى عالمهم هو تلك المساحة الشاسعة التي يمارسون فيها حياتهم حيث تبتعد عنهم قضبان السجن التي تحاصرنا.
تزداد التابوهات و المحظورات و كم اللاءات، وفي نفس الوقت يزداد شوقي للإنسلاخ منه أكثر:
-لقد بتّ أكرهك
غير ذات مرة حلمت أنني استطعت أخيرًا أن أخلع هذا الرداء و أنسلّ منه كما يفعل الثعبان عندما يخرج من جلده، ليظهر تحته جسدٌ آخر، جسدٌ يفتح لي أبواب الحياة التي كلما مرّت عليه السنون وضعت مزيدًا من الأغلال فيه. أستيقظ و ابتسامات تملأ محياي لا تلبث أن تختفي عندما أمرر يدي على جسدي فأكتشف أنه ما زال يحمل نفس التضاريس، كم أصبت بخيبات!.
على الرغم من كل ذاك الحصار، لم يستطع مجتمع الفتيات أن يغريني. لم يفرط الله في تجميلي و لم يبخل، كنت جذابة المحيا، تستطيع أن تأسر الأنظار إذا ما سارت خطاها الدروب، و بعض الفتنة نقمة، دفعت ثمنها مزيدًا من الرّقابة. في ذلك الوقت، تعرّفت على دقات القلب عندما تبدأ نوتاتها بالتصاعد مع تصاعد الصدر علوًا، عندما ترتجف الشفاه حين لفظ اسمه، ذاك الذي أسمعني أول كلمة حب.
كلمة الحبّ الأولى، رسالة الغرام الأولى، و أوّل محاولة أجهضّتها للمس يدي أو ريّ عطش شفاه لم تكن تعرف أنها خُلِقت لغاية غير الأكل و الكلام فقط.
-الفتاة كلوح الزجاج، إن كُسِر..
أمّي تقولها، خالتي، عمتي، جارتنا، حتى باتت هذه العبارة تسكن تلافيف دماغي، و لم أعتنقها. كانت بي رغبة محمومة أن أعيش كل تلك اللّحظات التي أراها في الأفلام الرومانسية، ألتقي به ، أختفي عن عيون أخوتي و أنا أقرأ رسائله، و أهرب عندما يحاول لمس يدي.
صفعتني أمي عندما علمت أنّني معجبة بزميل لي في المدرسة.
لا أعرف من أين أتتني الشّجاعة لأخبرها، هكذا وجدت نفسي أفعل، و هكذا أصبحت بعد الصفعة، لا أخشى الاعتراف برغباتي علانية، حتى و إن تناوبتني صفعاتهم مرارًا، أقصد أخوتي و قد صاروا رجالًا.
وجهها أمي و قد اعتلته البشاشة حين علمت بأن لأخي حبيبة، تبارك و تنتشي طربًا بما سمعت، فالزهوّ ينتاب الأمهات، لم لا و هي الولود بالذكور، تتصدر مجلس قريناتها متباهية بعددهم، و بنظرة لا تخلو من كيد. هو نفسه أخي من جعل من أيامي سجنًا قضيتها حبيسة جدران غرفتي بعد جلسة تأديبية لتقويم اعوجاجي، كما يقولون، كادت أن تودي بحياتي، فصكوك الغفران في الحب لا تعطى للإماء. تساءلت كثيرًا لمَ لمْ أمت؟ شيءٌ ما في داخلي كان يقاوم، يسخر منهم، و يأبى إلّا أن ينتفض. فكلما كان السجن يضيق علي أكثر، كنت أشعر بأن مداءات أحلامي تتسع، و ريشي ينبت و أجنحتي تكبر.
عندها فقط توقفت عن تلك الرغبة المحمومة أن أكون… "ذكرًا".

سمية الإسماعيل/سورية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى