شريف محيي الدين إبراهيم - عدو أبي...

استيقظتُ ذلك الصباح كأنني أعود من غيبوبةٍ طويلة، لا تشبه النوم في شيء.
كان البرد يسري في عروقي كسُمٍّ قديمٍ تأخر مفعوله،
رأيتُ أبي في المنام.
كان واقفًا وسط عتمةٍ لم أرَ مثلها، وقد علا وجهه حزنٌ كثيف، يطلّ بعينيه في صمتٍ لم أعرف له قرارًا.
ثم مدّ يده وربّت على قلبي، لمسة خفيفة، كأنها تمسّ الروح لا الجسد.
حاولتُ أن أقول له: "اشتقتُ إليك كثيرًا يا أبي، مذ رحلتَ صارت الحياة أكثر قسوةً، أكثر جفافًا"،
وحاولت أن أسأله: "ما الذي أدمى عينيك بالحزن يا أبي؟"،
لكن لساني انعقد، وفمي جفّ، وانتهى الحلم قبل أن يُقال شيء.
حين جلستُ أمام فنجان قهوتي، تناهت إلى خاطري، على غير توقّع، صورة عمّ عباس...
عدو أبي القديم.
ذاك الرجل الذي ظنناه خُلق ليعكّر صفو حياة والدي، بل حياة الأسرة كلها.
كانا زميلين في الدراسة، ثم في العمل، ثم في فريق كرة القدم ذاته.
لكن العلاقة بينهما لم تعرف يومًا طعم الزمالة، بل كانت حربًا غير مُعلنة، طويلة، مريرة، لا تنطفئ نارها.
كان عباس لا يهدأ حتى يُسقط أبي، ولا ينام إلا بعد أن ينغّص عليه يومه، وقد بلغ من مكره أن صار الألم الذي يُصيب والدي مظهرًا يوميًا من مظاهر الحياة.
كم من مرة عاد أبي إلى البيت مكسور النظرة، متعب الروح، يحمل في قلبه غصّة لا تُقال...
أتذكّر حين خسر مشروعًا كان له فيه جهد شهور، بعدما سرّب عباس التصميم إلى منافس ففاز بالعقد.
ثم تذكّرتُ يومًا آخر، حين نشر إشاعة عن والدي تتهمه بالسرقة، وكان بريئًا، لكنّ الوصمة ظلّت تلاحقه في الممرات.
حتى في الملعب، لم يسلم أبي، إذ تعمّد عباس أن يعرقله عرقلة قاسية أدت لتمزقٍ في أوتار قدمه، لم يشفَ منه إلى أن مات.
أما الطعنة التي لا تُنسى، فكانت في يوم الترقية التي
كان أبي أهلًا لها، لكنّ عباس دسّ السمّ في الأوراق، فاتهمه بالتلاعب، فتوقّف القرار، وضاعت الفرصة، بل تم إيقاف أبي عن العمل، وصعد عباس مكانه.
عاد أبي يومها مقهورا حزينا ، قال لأمي :
لا أدري لماذا يصر عباس، على تحطيمي رغم كل ما بيننا من سنوات العشرة والعمل المشترك ؟!
وصمت أبي هنيهة كمن يسترجع الزمن ثم أردف في ألم :أنا لم أتخلَّ عنه يومًا، ولم أنطق في حقه بسوء، بل كنت له العون حين عزّ العون. ومع هذا، لم ألقَ منه إلا الجحود، بل إنه تعمّد الإساءة مرارًا، يطعنني في ظهري دون سبب، وكأن بيننا خصومة خفية، أو كأن الخير الذي قدّمته له يستحق العقاب، لا الشكر.
أبي لم يمت فجأة، لقد ذوى كالغصن اليابس، مات واقفًا، وهو يحاول ألا يُظهر لنا كم كان مكسورًا.
لكنني، كنت أراه وهو يتهالك في آخر الليل على الكرسي، ينظر في اللاشيء، ويسأل الأسئلة التي لا ليس لها أي إجابة!!
واليوم، لا أدري لِمَ دفعتني قوى خفية إلى استدعاء صورة عباس.
هل هو الحنين إلى فهم ماضٍ لم أستوعبه؟
أم هي رغبةٌ دفينة في الانتقام، وقد تأخرت لسنين؟
قلّبتُ مفكرة أبي القديمة، ووجدت رقم الهاتف بخط يده، كأنما تركه لي.
رفعت السماعة، كانت يدي ترتجف، وقلبي يخفق كمن يدقّ باب الموت.
رنّ الهاتف طويلًا، ثم جاءني صوتٌ أجشّ، مُتعب، كأنه لا يأتي من رجلٍ بل من جدارٍ مهمل:
ـ من المتحدّث؟
قلت مترددًا:
ـ أنا... حازم، ابن حسن إسماعيل.
ساد صمتٌ طويل، ثم تنهد وقال:
ـ حسن إسماعيل ؟!
ـ نعم،هو أبي.
ـ الله يرحمه... كان رجلاً طيّبًا.
كادت الكلمات تخنقني.
هل يقولها بعد كل ما فعله به؟!
لكنني تماسكت، وقلت:
ـ هل تسمح لي بزيارتك؟
سكت برهة، ثم قال بصوتٍ مُنهك:
ـ تعال يا بني... ما من أحد يزورني.
حين وصلت بيته، خُيّل إليّ أنني أطرق بابًا منسيًا في حكاية قديمة.
وحين فتح الباب كانت المفاجأة....
إنه رجل ،
نحيل، محني الظهر ، وجهه مجعّد كصفحةٍ عتيقة، وعيناه خامدتان.
كيف يكون هذا الرجل المسكين المتهالك هو عدو أبي؟!
لم يكن الشيطان الذي رسمته لنفسي طوال حياتي، بل رجل عجوز، تُفصح ملامحه عن عمرٍ شاخ وحُزنٍ نضج حتى تفسّخ.
دخلتُ غرفته، فاستقبلتني رائحة الوحدة، مزيجٌ من الغبار والدواء، كأن المكان لم يعرف صوتًا بشريًا منذ زمن.
قال بصوتٍ خفيض:
ـ أنت تشبه والدك كثيرا
نظرت إليه طويلاً ولم أنبس ببنت شفة،
انحنى برأسه وقال:
ـ خسرت كلّ شيء يا بُني، أولادي هجَروني، قالوا إنني رجل لا يُطاق.
زوجتي ماتت وهي تلعنني، جاري لا يردّ عليّ السلام، حتى عامل البقالة صار يرمقني باحتقار.
سقطتُ منذ شهر أمام بائع الخضار، فلم يمدّ إليّ أحدٌ يدًا، بل سمعت من يقول: "هذا جزاء من يظلم الناس!"
وفي المستشفى، حين حملوني على نقالة، قالت الممرضة لزميلها: "هذا الرجل الذي طرد أخاه من بيته!"
أنا الآن رجل يُنسى ولا يُفتقد... كنت أظن أنني المنتصر، فإذا بي المنبوذ، الغريب، المسجون داخل جسد يتهاوى.
نظر إليّ، وعيناه ممتلئتان بندمٍ ثقيل:
ثم أردف في حزن غير متوقع
ـ لم أكن أكره والدك، صدقني... لكنني كنت أغار منه.
كان أنبل مني، أكثر رصانة، محبوبًا من الناس، هادئًا كالماء، وكنتُ أنا… مرآة مشروخة لكل ما لم أكنه.
حين هممت بالانصراف، لم أقل شيئًا.
لكن عند عتبة الباب، شعرت بشيء ما في صدري .. رائحة قديمة، تسلّلت إلى أنفي كأنها خرجت من جدار القلب.
لم تكن رائحة بيت، ولا زمن، بل كانت رائحة أبي.
لا كما كانت تفوح من معطفه حين يعود شتاءً،
ولا كما تنبعث من كتبه القديمة،
بل رائحة روحه التي ظلّت معلقة في الذاكرة، في الأحلام، في الورق الأصفر.
لكن العجيب أنها لم تأتني من هواء البيت، بل من صدر عباس.
كأن حزن الرجل العجوز، المتهالك، المكسور، قد أعاد تكوين بعض ملامح أبي.
كأن الألم، حين يبلغ نهايته، يُعيد البشر إلى أصلهم الأول:
الضعف، الندم، الرجاء.
في تلك اللحظة أدركت أن الروح قد تنبت حتى في جسد من كان عدوًا،
وأن الإنسان، مهما بلغ شره، إذا تهدّم ، صار يشبه أولئك الذين أحببناهم.
شممت في صدر عباس شيئا من أبي،
عدت أدراجي، ونظرت إليه دون أن أرفع عيني تمامًا، وقلت:
ـ هل تحتاج شيئًا؟
لم يجبني.
لكنني أدركت، وأنا أسمع تنهيدته الثقيلة، أن أبي لم يأتني في المنام حزينًا عبثًا...
كان يطلب مني أن أرى.
أن أرى الإنسان تحت ركام الشر.
أن أمدّ يدي لا لأنسى، بل لأتجاوز.
ربما لن أغفر كل شيء،
لكنني لن أترك الرجل الذي شممت فيه رائحة أبي...
ترى هل يمكن للمرء أن يُصغي إلى صوت أبيه في قلب عدوه؟!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى