لم تعرف سعدية طعمًا للسعادة، لا في بيتها ولا خارجه. منذ رحيل والدها، الحاج عمر، انكسرت المرآة التي كانت ترى بها الحياة. صار عليها أن تنسى دفاتر المدرسة، وتفتح دفترًا آخر، كتبه القدر بالحبر الأسود. كانت الكبرى، والمُعيلة، والظلّ الذي احتمى به ثلاثة إخوة صغار، وأمّ عاجزة عن السعي، لا تمسك من الدنيا سوى دُعاء خافت.
عملت سعدية في محل صغير لبيع الملابس في "زنقة الستات"، حيث اختلطت أصوات الزبائن بروائح العرق والبخور، وهناك رآها أوّل مرة: الحاج عمران، معلم كبير في بحري، يملك دكّانًا للبهارات والعطارة، وله صبيان يسيرون خلفه كما تسير الظلال خلف الضوء، لا يجرؤ أحد على ردّ سلامه، أو النظر في عينيه طويلًا.
وكان أول لقاء بين سعدية والمعلم في سوق العطارين،
مرّت أمام دكّانه تبحث عن قماش، فوقعت عيناها على مشهد غير مألوف. كان المعلم عمران يُمسك بشاب من ياقة قميصه، يصرخ فيه وسط السوق:
– "يا واد! تغشّ الناس؟ تحط بودرة طين بدل القرنفل؟!"
دفعه على الأرض، وراح يركله برِجله الثقيلة. صرخت امرأة من خلف الميزان:
– "حرام عليك يا حاج! الواد غلبان."
رد عليها وهو يتصبب عرقًا:
– "الغلبان اللي ياكل لقمة حلال... مش اللي يلعب في ميزان ربنا!"
تجمّع الناس، بعضهم قال: "مفتري"، وآخرون همسوا: "المعلم ما بيظلمش… لو ضرب، يبقى في حق."
سعدية ارتبكت. لم تحب المشهد، لكنها شعرت بشيء غريب. كان غاضبًا… نعم، لكنّ الغضب يشبه الغيرة على السوق، لا حب البطش.
كان يكبرها بعشرين عامًا، يحمل صيتًا لا يُحسد عليه في الزواج والطلاق. لكنّه، على غير عادة "المعلمين"، خطبها في مجلسٍ حلال، وأرسل من يطرق الباب. الأم ارتجفت، ومحمد أخوها قال:
– "دا راجل ما يعرفش الرحمة… هيرميها بعد أول خناقة."
وصديق تمتم غاضبًا:
– "ده زواج مشبوه."
وعلي وقف كالأسد في القفص:
– "إحنا مش سلعة، تتباع بثمن."
لكن سعدية، كانت ترى ما لا يرونه. رأت في المعلم عمران رجلاً يبحث عن طمأنينة، لا امرأة. قالت:
– "هو يريد ولدًا… وأنا سأحاول."
سألوها:
– "وإن لم تُرزقي؟"
أجابت:
– "الولد ليس بيدي، ولكن الرحمة بيدي."
حين أخبرتهم بقيمة الشبكة والمهر، خيّم الصمت. عليهم الفقر جعل لألسنتهم أقفالًا من نار، فوافقوا على مضض، وتزوجت.
في البداية، عاشوا كما يعيش أهل الرغد: البيت تحوّل، والثلاجة امتلأت، وإخوتها صاروا يرتدون القمصان النظيفة، ويُعرفون في الحارة بأنهم "أخوة سعدية، مرات المعلم".
غير أنّ الزمن لم يمنحهم الطفل. مرّت سنة، ولم يظهر الولد. سعدية، التي كانت تحسب الأيام بالرجاء، صارت تحسبها بالخوف. سألت الطبيب، فقال: لا مانع. وسألت نفسها، فقالت: ربما هو المانع.
ذات مساء، دخلت عليه وهو يتوضأ. انتظرته حتى فرغ. قالت:
– "مضى عام، ولم يحدث شيء."
نظر إليها كأنّه يقرأ جرحًا لا يُرى. قال:
– "وهل نقصنا شيء؟"
قالت:
– "أخشى أن تملّ."
قال:
– "أنت رحمة نزلت إليّ… هل أطرد رحمة الله؟"
لكن الحارة لا ترحم. نساء الحي بدأن يتهامسن. أم صابر علّقت:
– "المعلم، مش ناقص! أكيد العيب منها."
وزوجة الحلاق قالت:
– "شكلها محسودة، أو مربوطة."
ذات يوم، جاءت أمها تزورها برفقة الشيخ خليفة برهان، شيخ يُقال إنه "يحل المربوط"، ويجلب الرزق. المعلم عمران، حين رأى الرجل، احمر وجهه، ثم صرخ:
– "أخرج من بيتي يا دجّال!"
وسحب جلبابه، وخرج، مطرقًا في الأرض.
سعدية خافت، صمتت، لم تجرؤ على الدفاع عن الشيخ.
لكن إخوتها جاءوا بعد أيام، قالوا إن الأم مريضة، واقتادوها إلى الشيخ سرًّا. كان الرواق معتمًا، والبخور يملأ الهواء، والناس تهمس كما يهمس الذاكرون في المقابر. وقفت، تهمّ بالخروج، فدوّى الصوت:
– "اجلسي يا سعدية."
تجمدت في مكانها، كأنّها نُقشت في الأرض. قال:
– "الولد لا يُولد بالهوس، بل بالإيمان."
قالت:
– "أخشى أن أفقده."
قال:
– "النقاء يحفظ المحبة… والنية تعيد الرحمة."
عادت وأخبرته بكل شيء. انفجر كبركان. ضرب الجدار بيده، كأنّه يُطيح بالحارة كلّها. صاح:
– "أنت ذهبتِ إلى الدجالين؟! تشكّين بي؟!"
قالت:
– "خفت."
قال:
– "التي تخاف، لا تصلح."
خرج من البيت، وأقسم على الطلاق.
في اليوم التالي، اشتعلت الحارة. أم صابر دقت الأبواب، وزوجة البقال راحت تبكي:
– "حرام، يا معلم! دي ما شافتش الراحة غير معاك."
والأولاد في الزقاق، يتهامسون بأنّ "المعلم طرد مراته"، وصبيانه يمشون برؤوسٍ مطرقة.
أمها أرسلت إليه:
– "لا تظلم البنت، ما فعلت إلّا لأنّها خافت على بيتها."
وإخوتها، الذين رفضوه من قبل، الآن يرجونه:
– "لو طلّقتها، هتضيع… وهي اللي رفعت راسنا."
وفي أحد مشاهد القوة التي أذهلت الحارة كلها،
جاء "رزق الضبع"، بلطجي حي "القباري"، يبحث عن شجار. ضرب أحد الصبيان، وتحدّى المعلم أمام المارة.
قال له عمران، بصوت هادئ:
– "اضرب تاني… وأنا هوريك العين الحمراء."
ضحك رزق، لكن الضحكة ما اكتملت. المعلم باغته بلكمة أطاحت به أرضًا، ثم جلس فوقه، وقال وهو يُمسك بعنقه:
– "أنا ما باخدش حقي بإيدي… باخده برجولتي."
ومنذ تلك الليلة، صار رزق يمشي في الشوارع بحذر، ويُقال إنه انتقل إلى حي آخر، لا يعود إلى بحري إلا في المواسم.
عاد بعد أيام، دخل البيت دون أن ينظر إليها. جلس. قالت له:
– "لم أطمع في ولد… طمعت فيك."
نظر إليها بعينين هادئتين، كأنّهما ماء البحر بعد العاصفة. قال:
– "أنتِ ولدي… وأمّي… وكلّ الرضا."
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد سعدية تحسب أيامها بالأشهر. عاشت، تنظر إليه، لا تنتظر طفلًا، بل تحتضن رجلًا، عرفت أنه لا يحتاج وريثًا، ما دام قد وجد قلبًا يسكنه.
في حواري بحري، بجوار القلعة، والبحر يصفّر خلف الأزقة، كانت الجارات يحكِينَ قصّتها للأطفال:
– "دي سعدية… اللي المعلم قال عنها: هي الولد اللي ما جاش، والرحمة اللي جت."
وفي الليالي الدافئة، كانت تمرّ من عمود السواري، تتأمل العمدان الصخرية التي بقيت من قرون، وتشعر أن صبرها من نفس الطينة، وفي الأنفوشي كانت تجلس عند المينا، تلمح الصيادين في ضوء الفجر، وفي طريقها تمرّ على الباب الأخضر، وتلمس أطرافها بخشوع كأنها تستقبل بركة.
وحين تمرّ على الفولي، ترى الجيران يتهامسون بحكايات الزمن، وتبتسم… فقد صارت هي حكاية تُروى.
عملت سعدية في محل صغير لبيع الملابس في "زنقة الستات"، حيث اختلطت أصوات الزبائن بروائح العرق والبخور، وهناك رآها أوّل مرة: الحاج عمران، معلم كبير في بحري، يملك دكّانًا للبهارات والعطارة، وله صبيان يسيرون خلفه كما تسير الظلال خلف الضوء، لا يجرؤ أحد على ردّ سلامه، أو النظر في عينيه طويلًا.
وكان أول لقاء بين سعدية والمعلم في سوق العطارين،
مرّت أمام دكّانه تبحث عن قماش، فوقعت عيناها على مشهد غير مألوف. كان المعلم عمران يُمسك بشاب من ياقة قميصه، يصرخ فيه وسط السوق:
– "يا واد! تغشّ الناس؟ تحط بودرة طين بدل القرنفل؟!"
دفعه على الأرض، وراح يركله برِجله الثقيلة. صرخت امرأة من خلف الميزان:
– "حرام عليك يا حاج! الواد غلبان."
رد عليها وهو يتصبب عرقًا:
– "الغلبان اللي ياكل لقمة حلال... مش اللي يلعب في ميزان ربنا!"
تجمّع الناس، بعضهم قال: "مفتري"، وآخرون همسوا: "المعلم ما بيظلمش… لو ضرب، يبقى في حق."
سعدية ارتبكت. لم تحب المشهد، لكنها شعرت بشيء غريب. كان غاضبًا… نعم، لكنّ الغضب يشبه الغيرة على السوق، لا حب البطش.
كان يكبرها بعشرين عامًا، يحمل صيتًا لا يُحسد عليه في الزواج والطلاق. لكنّه، على غير عادة "المعلمين"، خطبها في مجلسٍ حلال، وأرسل من يطرق الباب. الأم ارتجفت، ومحمد أخوها قال:
– "دا راجل ما يعرفش الرحمة… هيرميها بعد أول خناقة."
وصديق تمتم غاضبًا:
– "ده زواج مشبوه."
وعلي وقف كالأسد في القفص:
– "إحنا مش سلعة، تتباع بثمن."
لكن سعدية، كانت ترى ما لا يرونه. رأت في المعلم عمران رجلاً يبحث عن طمأنينة، لا امرأة. قالت:
– "هو يريد ولدًا… وأنا سأحاول."
سألوها:
– "وإن لم تُرزقي؟"
أجابت:
– "الولد ليس بيدي، ولكن الرحمة بيدي."
حين أخبرتهم بقيمة الشبكة والمهر، خيّم الصمت. عليهم الفقر جعل لألسنتهم أقفالًا من نار، فوافقوا على مضض، وتزوجت.
في البداية، عاشوا كما يعيش أهل الرغد: البيت تحوّل، والثلاجة امتلأت، وإخوتها صاروا يرتدون القمصان النظيفة، ويُعرفون في الحارة بأنهم "أخوة سعدية، مرات المعلم".
غير أنّ الزمن لم يمنحهم الطفل. مرّت سنة، ولم يظهر الولد. سعدية، التي كانت تحسب الأيام بالرجاء، صارت تحسبها بالخوف. سألت الطبيب، فقال: لا مانع. وسألت نفسها، فقالت: ربما هو المانع.
ذات مساء، دخلت عليه وهو يتوضأ. انتظرته حتى فرغ. قالت:
– "مضى عام، ولم يحدث شيء."
نظر إليها كأنّه يقرأ جرحًا لا يُرى. قال:
– "وهل نقصنا شيء؟"
قالت:
– "أخشى أن تملّ."
قال:
– "أنت رحمة نزلت إليّ… هل أطرد رحمة الله؟"
لكن الحارة لا ترحم. نساء الحي بدأن يتهامسن. أم صابر علّقت:
– "المعلم، مش ناقص! أكيد العيب منها."
وزوجة الحلاق قالت:
– "شكلها محسودة، أو مربوطة."
ذات يوم، جاءت أمها تزورها برفقة الشيخ خليفة برهان، شيخ يُقال إنه "يحل المربوط"، ويجلب الرزق. المعلم عمران، حين رأى الرجل، احمر وجهه، ثم صرخ:
– "أخرج من بيتي يا دجّال!"
وسحب جلبابه، وخرج، مطرقًا في الأرض.
سعدية خافت، صمتت، لم تجرؤ على الدفاع عن الشيخ.
لكن إخوتها جاءوا بعد أيام، قالوا إن الأم مريضة، واقتادوها إلى الشيخ سرًّا. كان الرواق معتمًا، والبخور يملأ الهواء، والناس تهمس كما يهمس الذاكرون في المقابر. وقفت، تهمّ بالخروج، فدوّى الصوت:
– "اجلسي يا سعدية."
تجمدت في مكانها، كأنّها نُقشت في الأرض. قال:
– "الولد لا يُولد بالهوس، بل بالإيمان."
قالت:
– "أخشى أن أفقده."
قال:
– "النقاء يحفظ المحبة… والنية تعيد الرحمة."
عادت وأخبرته بكل شيء. انفجر كبركان. ضرب الجدار بيده، كأنّه يُطيح بالحارة كلّها. صاح:
– "أنت ذهبتِ إلى الدجالين؟! تشكّين بي؟!"
قالت:
– "خفت."
قال:
– "التي تخاف، لا تصلح."
خرج من البيت، وأقسم على الطلاق.
في اليوم التالي، اشتعلت الحارة. أم صابر دقت الأبواب، وزوجة البقال راحت تبكي:
– "حرام، يا معلم! دي ما شافتش الراحة غير معاك."
والأولاد في الزقاق، يتهامسون بأنّ "المعلم طرد مراته"، وصبيانه يمشون برؤوسٍ مطرقة.
أمها أرسلت إليه:
– "لا تظلم البنت، ما فعلت إلّا لأنّها خافت على بيتها."
وإخوتها، الذين رفضوه من قبل، الآن يرجونه:
– "لو طلّقتها، هتضيع… وهي اللي رفعت راسنا."
وفي أحد مشاهد القوة التي أذهلت الحارة كلها،
جاء "رزق الضبع"، بلطجي حي "القباري"، يبحث عن شجار. ضرب أحد الصبيان، وتحدّى المعلم أمام المارة.
قال له عمران، بصوت هادئ:
– "اضرب تاني… وأنا هوريك العين الحمراء."
ضحك رزق، لكن الضحكة ما اكتملت. المعلم باغته بلكمة أطاحت به أرضًا، ثم جلس فوقه، وقال وهو يُمسك بعنقه:
– "أنا ما باخدش حقي بإيدي… باخده برجولتي."
ومنذ تلك الليلة، صار رزق يمشي في الشوارع بحذر، ويُقال إنه انتقل إلى حي آخر، لا يعود إلى بحري إلا في المواسم.
عاد بعد أيام، دخل البيت دون أن ينظر إليها. جلس. قالت له:
– "لم أطمع في ولد… طمعت فيك."
نظر إليها بعينين هادئتين، كأنّهما ماء البحر بعد العاصفة. قال:
– "أنتِ ولدي… وأمّي… وكلّ الرضا."
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد سعدية تحسب أيامها بالأشهر. عاشت، تنظر إليه، لا تنتظر طفلًا، بل تحتضن رجلًا، عرفت أنه لا يحتاج وريثًا، ما دام قد وجد قلبًا يسكنه.
في حواري بحري، بجوار القلعة، والبحر يصفّر خلف الأزقة، كانت الجارات يحكِينَ قصّتها للأطفال:
– "دي سعدية… اللي المعلم قال عنها: هي الولد اللي ما جاش، والرحمة اللي جت."
وفي الليالي الدافئة، كانت تمرّ من عمود السواري، تتأمل العمدان الصخرية التي بقيت من قرون، وتشعر أن صبرها من نفس الطينة، وفي الأنفوشي كانت تجلس عند المينا، تلمح الصيادين في ضوء الفجر، وفي طريقها تمرّ على الباب الأخضر، وتلمس أطرافها بخشوع كأنها تستقبل بركة.
وحين تمرّ على الفولي، ترى الجيران يتهامسون بحكايات الزمن، وتبتسم… فقد صارت هي حكاية تُروى.