سمية جمعة - عيناها...

لم تكن أمّي تعرف القراءة.
قالوا لي مرارًا: "أمّك أميّة."
كنت في البداية أشعر بوخز في صدري كلّما رددوها، كما لو أن تلك الكلمة وصمة... حتى أدركت، بعد سنوات، أن أمّي كانت تقرأ أكثر منهم جميعًا.
تقرأ وجهي عند الفجر، فتعرف إن كنتُ نمت وفي قلبي همّ، أو إن كنتُ ساهرةً خائفة من امتحانٍ ما.
تقرأ نظراتي حين أدخل المطبخ، وتحسّ إن كنتُ قلقة، فرحة، أو متعبة من حملٍ لا يُرى.
تقرأ خطواتي داخل البيت، وتميز وقع قدمي إن كنتُ أجرّ ظلي خلفي، أم أرقص على أمل صغير.
لم تكن تحتاج دفتر علاماتي، كانت تسألني مباشرة:
– كيف كان امتحانك؟
وأنا أخاف أن أكذب... ليس لأنها ستغضب، بل لأن الكذب في حضرتها كان يبدو فعلًا معيبًا، ملوثًا.
أذكر يوم جاءت معلمتي لزيارتنا، كنتُ في الصف الخامس، وقد حصلت على المرتبة الأولى، فابتسمت أمّي وهي تعدّ الشاي، خجلة من ضيفة متعلّمة بينما هي لا تعرف تهجئة اسمها.
لكن المعلمة التفتت إليّ وقالت:
– أمّك تقرأك جيدًا، أليس كذلك؟
تلعثمت.
ابتسمت وقالت:
– لهذا أنتِ متفوّقة.
في تلك اللحظة، فهمت.
كانت أمي تحتفظ بدفتر صغير، تخطّ فيه إشارات غامضة تخصّني وتخصّ إخوتي.
قلب مائل، خطان متوازيان، نقطة على سطر.
كنت أظنّها مجرد خربشات حتى اكتشفت ذات يوم أنها كانت "علامات الصدق" على حد تعبيرها.
قالت لي:
– القلب المائل يعني أنكِ كنتِ حزينة، ورفضتِ أن تقولي لي.
– والخطان؟
– أنتما كنتما على خلاف، أنتِ وأختك، ولم تنطقا بكلمة.
– والنقطة؟
– نقطة صدق. يوم أخبرتِني أن درجتكِ ضعيفة... ولم تكذبي.
كبرت، وتعلّمت، ودرست الحروف حتى امتلأت غرفتي بالكتب.
لكن كلّما نظرت في مرآتي، أشعر أنني لا أزال أقرأ بنسختها... أنظر في عيون الناس، لا في سطورهم.
أتحسس الصدق، لا التوقيع.
أمي لم تدخل المدرسة...
لكنها علمتني أعظم درس:
أن الأمية الحقيقية ليست في الجهل بالحروف، بل في الجهل بالقلوب.

سمية جمعة /سورية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى