شريف محيي الدين إبراهيم - طرحة العجوز

أكثر من ثمانين عامًا...
هذا عمرها.
وقفت على ناصية الشارع،
تُمسك حقيبة جلدية سوداء،
ترتدي ملابس قديمة... لكن أنيقة،
وتغطي شعرها بطرحة صغيرة،
شحب لونها من كثرة الغسيل،
وتدلّت أطرافها فوق كتفيها كأنها لا تريد أن تسقط…
ولا أن تُنسى.

نادَت عليّ بصوت خافت:
– من فضلك... أم شيماء؟
ثم أضافت:
– بائعة الخضار.
أشرت لها نحو نهاية الشارع حيث عربة الخضار.
– هناك، عند المقهى.
لكنها لم تذهب.
ظلت تنظر إليّ،
كأنها لم تسمع... أو كأنها تنتظر شيئًا آخر.

كنت عائدًا من عملي،
مرهقًا،
لم أرها من قبل رغم أنني يوميًا أمرّ من نفس الطريق!!
ربما هي من سكان الشارع،
لكن الزمن خبأها في بيتٍ لا يفتح نوافذه كثيرًا.
ثمة شيء فيها... كأنها خرجت من حكاية قديمة،
أو من زمن لا أعرفه!!
طرحتها،
نظراتها،
هيئتها التي لا تنتمي إلى هذه المدينة السريعة…
كأنها جنّية ضلّت الطريق إلى بيتها،
أو امرأة من عالم آخر،
تحمل وجع السنين.

اقتربت أكثر،
وضعت كفّها على ذراعي،
وقالت بثقةٍ وطمأنينة غريبة:
– أنا أعلم مكانها... لكن سرْ معي.

تلعثمتُ.
نظرتُ حولي…
ثم إليها.
كانت تبتسم لي كأنها تعرفني.
كأنني لستُ غريبًا.
كانت ترفع رأسها بثقة،
طرف طرحتها كان يرتجف على جبهتها…
مثل قلبٍ لا يبوح.

وسألت نفسي في صمت:
لماذا أنا؟
من بين كلّ المارّين،
كلّ الوجوه العابرة…
لماذا اختارتني أنا؟
أأنا أشبه من تنتظره؟
أم أنني... تأخّرتُ على أحدٍ يشبهها؟

همستْ، وهي تنظر إلى الأرض:
– عبد الحميد… خرج ليشتري البطاطس.
قال لي: "سأعود سريعًا، الصينية لا تنتظر".
لكنه... لم يرجع.
كان في البيت رجلٌ لا أعرفه،
لا أذكر من أين جاء…
لكنه غضب.
خرج غاضبًا،
وترك الباب مواربًا...
ولم يُغلقه خلفه.

توقفتُ، مرتبكًا.
كلماتها سقطت في رأسي كقطعة جليد.
رجل في البيت؟
غضب عبد الحميد؟
هل ظنّها تخونه؟
تلك المرأة المُنهكة، التي بالكاد تمشي؟
لم أدرِ ماذا أقول…
ولا كيف أسأل.

تشبّثت بكفّي.
يداها مرتجفتان،
كأن بين الأصابع قصة تُروى دون كلام.

ثم حدث ما لم أتوقعه…
عندما رفعتُ يدي لأُعدّل طرحتها التي انسدلت،
وتأكدت أن الحقيبة لن تسقط من كتفها،
نظرت إليّ بعينين دامعتين،
وهمست بخفوت:
– إبني... دايمًا كنت تعمل كده…
تعدّل لي الطرحة،
وتقول لي: "مفيش شي يليق بكِ إلا الترتيب".

تجمّدت.
لم أعرف كيف أتصرّف.
أهي تظنّني عبد الحميد؟
أم ابنها؟
أم أن الأدوار اختلطت عليها؟
لكن وجهها…
فرحتها الطفولية،
الامتنان في ملامحها،
كلّه خفّف ارتباكي.
ولأول مرة منذ سنين،
شعرت أنّ لمسةً بسيطة يمكن أن تعني الحياة.

سارت،
وكنت أسير معها،
ولا أدري لماذا.
ربما لأنني لم أشأ أن أتركها وحدها.
وربما… لأنها لم تكن وحدها، بل أنا من كان.

توقفت فجأة،
ليس أمام محل،
بل أمام شجرة عتيقة،
تميل على الرصيف كأنها تُنصت،
جلست عند جذعها،
أخرجت صورة باهتة من حقيبتها،
وضعتها في حجرها،
وبدأت تمرر أصابعها المرتعشة على وجهٍ في الصورة،
كأنها تمسح عن وجنته غبار الغياب.

قالت بصوت منخفض،
كأنها تكلّمه:
– زعلك ما كانش يستاهل يا عبد الحميد...
هو راجل غريب، يمكن جالي يصلّح حاجة، أو يمكن...
أنا مش فاكرة،
بس واللهِ ما كنت لوحدي عشانه،
أنا لوحدي من زمان…

كنت ما زلتُ واقفًا،
أشعر بحرارة يدها على ساعدي،
ورعشة الطرحة التي عدّلتها منذ لحظات…
كأنها لا تزال على أصابعي.

جاءت أم شيماء،
بائعة الخضار،
نظرت إليّ بعينٍ مليئة بما لا يُقال،
وقالت وهي تضع صندوق البطاطس على الأرض:
– كل يوم تأتي.
منذ أن خرج عبد الحميد وما رجعش.
كان زوجها…
بس هي ما صدّقتش موته.
الناس قالت مات،
لكن هي واقفة هناك من ساعتها،
كأن الزمن عندها حبسه اليوم دا.
ساعة ما الباب اتفتح... وماتقفلش تاني.

نظرتُ إليها،
فهمتُ الآن لماذا اختارتني.
ظنت أنها تتسند عليّ،
لكنني كنت أنا من يتكئ.

لم تقل إنها وحيدة.
لكن ظلّها،
وحذر خطواتها،
وصوتها الذي لا يقوى على الصراخ…
كانوا يتحدثون عن غيابٍ ما.
عن بيتٍ ينسى أسماءه.
عن صينية بطاطس… لا تُطهى.
عن طرحةٍ شاختْ على كتفيها… ولم تنزل.

حين هممتُ بالرحيل،
توقفتْ.
نظرتْ إليّ نظرةً طويلة،
ثم قالت:
– سلّم لي عليه… إن رأيته.

لم أُجب.
لم أُخبرها أني لا أعرفه.
تركتُ يدها،
وشعرتُ أنها اليد الوحيدة التي أمسكت بي منذ زمن.

**

في طريقي للبيت،
كنت أمشي وكأن شيئًا ثقيلاً يسند ظهري،
صوتها ما زال في أذني،
لمستها في يدي،
طرحتها المرتعشة في الهواء،
وصورتها وهي تُمرر أصابعها على صورة عبد الحميد…
لم تفارقني.

توقفتُ فجأة،
حدّقتُ في الوجوه المارّة…
كأنني أبحث عن أحد.
ربما عبد الحميد.
وربما… عني أنا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى