شريف محيي الدين إبراهيم - دوائر البحر

في أقصى طرف الشاطئ، عند تلك البقعة التي لا تصل إليها ضوضاء المدينة، كان يقف دائمًا.
الشيخ... رجل يشبه أطياف البحر نفسها.
لا أحد يعرف اسمه الحقيقي، وكأن وجوده لا يحتاج اسمًا.
كان يشبه الزمن نفسه؛ يمشي ببطء، وكأن كل خطوة منه تحفر ذكرى في الرمل.
ملامحه حادة، صلبة، كأنما نحتها الملح والريح. وجهه شاحب، لكنه مشرق بحكمة غامضة، وعيناه – رغم غيم الزمن فيهما – تلمعان ببريق شيء ضاع ولم يعد.

كان كل صباح يمشي على الشاطئ، في نفس الموعد، بنفس الخطوات.
يحمل عصاه الخشبية، يرتدي عباءة رمادية باهتة اللون، وعلى رأسه طاقية صوف لا تفارقه، حتى في الصيف.
من يراقبه يظنه شبحًا يخرج من البحر كل فجر، ويعود إليه مع الغروب.

ذات صباح رمادي، كانت الغيوم تلامس صفحة الماء، والموج غاضبًا.
ظهر الشيخ، وسار كعادته بمحاذاة البحر، لكن على بُعد أمتار منه، كان هناك شاب يبدو عليه التردد والضياع، يتأمل البحر، وكأن فيه إجابة لحيرته.
اقترب الشيخ منه، ثم جلس إلى جواره،
وبدون أن يلتفت، قال بصوت أشبه بالنسيم:
– لا تدع طيفها يتسرّب إلى أعماقك.

نظر الشاب إليه، مذهولًا:
– عفوًا؟ من تقصد؟
– أنت تعرف من أقصد. أنت تجلس هنا، تقاوم شيئًا، وتحاول أن تسمع نفسك بين الأمواج.
– هل كنت تراقبني؟
– البحر يخبرني. أنت تشبهني في صباي.
ابتسم الشاب بتوتر:
– إذن... هل أبتعد؟
– لا تقترب أكثر من ذلك.
– لكنها تجعل قلبي يخفق، تجعلني أرى العالم بنورها...
– لا تدع أي شيء يمر إلى قلبك قبل أن تفتح له كل إشارات عقلك.
– أرفض حبها إذن؟!
– ارفض أن تمنحها مفاتيح روحك.
– لكنني فعلت.
– لم تفعل شيئًا بعد. أنت فقط تدور حولها، كما تدور الأمواج حول الصخور.
سكت الشاب، ثم همس:
– لا أستطيع أن أقهر جاذبيتها...
– الجاذبية كالمغناطيس، تعمل فقط إن كنتَ تحمل في داخلك شيئًا قابلًا للانجذاب.
– تريدني أن أخرج من مدارها؟
– إن أردت النجاة.
– أنا لا أريد النجاة، أريدها.
التفت الشيخ إليه، ونظر بعينين امتلأتا بحكايات لا تُروى:
– كنتُ مثلك تمامًا. ظننت أنني أمتلك الدنيا حين أحببتها. منحتها كل شيء: نفسي، صمتي، كبريائي... حتى اسمي نسيته.
وفي النهاية، رحلت. تركتني كصدفة فارغة.
– هل ما زلت تحبها؟
– لا أدري. لكنني أعود إلى البحر كل يوم، لعله يمحو ذكراها.

مرّت لحظة صمت طويلة، بدا الموج فيها بصخبه وكأنه يكتب سطورًا بلغة لا تُقرأ.
تابع الشيخ، كأنه يهمس لنفسه:
– لا تسمح لأحد أن يمتلك روحك. لا أحد يستحق أن تمتلكه حتى تنسى ذاتك.
– حتى لو أحببته؟
– الحب ليس امتلاكًا. الحب الحقيقي لا يُطفئك.

في تلك اللحظة، مرّ بائع الجرائد على دراجته، ينادي:
– أهرام... أخبار... جمهورية...
صوت الحياة ينفذ إلى هذا الركن الهادئ من العالم.
نهض الشيخ بصعوبة، عصاه تنغرس في الرمل، وصوته يعلو قليلًا وهو يقول:
– نحن لا نقع في الحب... نحن نسقط فيه.
قال الفتى متسائلًا:
– والمطلوب؟!
أجاب الشيخ بصوت خافت، لكنه عميق:
– أن نتعلّم كيف ننهض...

ثم مضى، يسير كأنه ينسحب من الزمن،
بينما ظل الشاب جالسًا، ينظر إلى الأمواج وهي ترسم دوائر متداخلة.

في المساء، عاد الشاب إلى الصخرة ذاتها.
جلس طويلًا، تأمل البحر طويلًا، وجال بعينيه باحثًا عن الشيخ، لكنه لم يجده!
تذكّر كل اللحظات التي عاشها مع حبيبته، ثم أخرج ورقة من جيبه.
كتب عليها:

"سأخرج من مدارك، لا لأنني لا أحبك، بل لأنني أحبك."

وضع الورقة في زجاجة، أغلقها، وألقى بها إلى البحر.
ثم نهض، وبدأ يسير في الاتجاه المعاكس.
كانت خطواته أبطأ، لكنها واثقة، وكان وجهه يحمل ظل ابتسامة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى