قرر عبد الحميد البحري أن يتقدّم بطلب عضوية اتحاد كتّاب مصر.
كان قد أصدر مجموعة قصصية لاقت بعض التصفيق وبعض الهزّ بالرأس من رواد ندوة قصر ثقافة مصطفى كامل، فشجّعه هذا على خوض مغامرة الانضمام إلى صفوف "الصفوة".
في إحدى أمسيات الندوة، استجمعت تركيزي، لأسمع قصته الجديدة، لكن عبد الحميد، قبل أن يقرأ، انطلق في خطبة طويلة عن طقوس الكتابة.
قال إن الإلهام لا يهبط عليه إلا وهو جالس فوق الفرن الفلاحي في دارهم بكفر الدوار، بعد أن تكون زوجته قد أعدّت كومة من الفطير المشلتت المغموس في السمن البلدي.
ضحك عبد الفتاح مرسي وقال:
– معك قطعة من المشلتت؟ جوعتنا يا رجل!
فما كان من عبد الحميد إلا أن ألقى بالأوراق، نزل عن المنصة، مدّ جسده من النافذة وصاح:
– إبراهيم... يا إبراهيم!
هات قفة الفطير من شنطة العربية وتعال جري!
وصل إبراهيم، ابنه، وبدأ يوزّع الفطير كما توزّع بيانات الثورة، حتى مدير القصر تلقى نصيبه مع قطعة جبن قديم محترمة.
اختلطت القصص برقائق الفطير، وضاعت الحدود بين الأدب والعشاء.
أشادت الحاضرات بجودة الفطير، وابتسمت الأديبات في حياء، وقلن إنهن كنّ يتمنين حضور لقاء بيت كراوية، لولا التقاليد... والتقاليد دائمًا كبش الفداء.
في اليوم التالي، اجتمعنا في بيت عبد النبي كراوية لمراجعة الفصل الأخير من رواية عبد الحميد الجديدة.
جاء الجميع: عبد الفتاح مرسي، كمال عمارة الذي سبقنا وطلب شيئًا خفيفًا للمعدة، القاص المطرب وحيد بشير الذي بدأ يدندن أغنية قديمة عن الغربة، الفخراني الأديب الجاد الذي جاء مجبرًا، والشاعر أحمد مبارك بسخريته التي تطال حتى النوايا الطيبة.
أما إبراهيم، فكان يجلس في ركن الغرفة، يتفحّص الوجوه، لا يفهم من النقاش شيئًا، ويتمتم:
– أبويه بيضيع عمره وفلوسه عالهوا.
وبينما نحن غارقون في الجدل، أرسل عبد الحميد في طلب مشويات فاخرة من عند "بلبع"، وتكفّل بالوليمة كلها.
قال
الأدب من غير كبدة وكلاوي ما ينفعش.
ضحك الجميع. حتى الفخراني ابتسم كمن أُرغم على الحياة.
وحين فرغنا من مراجعة الرواية، افترقنا على وعد بلقاء بعد إعلان نتيجة الاتحاد.
مرت الأيام، وجاء يوم الحسم.
سافر عبد الحميد إلى القاهرة... النتيجة ستُعلن.
رافقناه إلى مبنى اتحاد كتاب مصر. جلسنا في السيارة، وهبط معه عبد الفتاح وابنه إبراهيم.
دخل وحده، وبقي الاثنان في الخارج. انتظروا طويلًا.
خرج أخيرًا... وجهه شاحب، شاربه مرتعش، ونظره يتنقّل بلا استقرار.
قال إبراهيم على الفور:
– سقطت يا با؟!
لم يرد. فقط مشى كأنه يسير خلف نعش روحه.
قال عبد الفتاح وهو ينظر في ساعته:
– طيب نرجع بقى... الناس كلها في العربية.
لكنه لم يرد. لفّ وجهه نحو مسجد قريب، وسار إليه.
مشيا خلفه دون سؤال.
دخل المسجد، خلع حذاءه، جلس في الركن الأمامي، أسند ظهره إلى العمود، رفع يديه للدعاء، ثم أنزلهما، ثم رفعهما مجددًا... ثم سكن.
مرت ساعة.
اقترب منه عبد الفتاح وهمس:
– نرجع بقى يا عبد الحميد... الناس زهقت، والأكل مش حينفع يتسخن تاني.
لم يرد. أخرج نسخة مطبوعة من روايته، قلّبها ببطء، أعادها إلى الجيب، وتنهد.
قال إبراهيم:
– يا با... سقطت يعني؟!
ما تزعلش، أنا أصلاً مش فاهم منها ولا سطر.
كاد عبدالفتاح أن يضحك،.
حدّق فيه عبد الحميد طويلًا، ثم عاد ينظر إلى سقف الجامع.
صاح إبراهيم من خلفه:
– سقطت يا بااااا...
اتحرمت من عضويتهم، وضاع الفطير وبلبع على الفاضي!
رمقه أحد المصلين بدهشة، فخفض صوته، ثم همس لعبد الفتاح:
– هي دي آخرة الأدب؟
فطير ولحمة، ونقاشات فارغة؟
أبويا ضيّع وقته وفلوسه عليها، وعلى شوية أحلام بورق، وفي الآخر يسقط!
وقف إبراهيم في منتصف المسجد، حافيًا، يتلفت حوله ثم قال:
– طب هو ربنا بيقبل دعاء الأدباء؟
ولا لازم شيخ معتمد ؟
رمقه أحد المصلين بغيظ، فابتسم له إبراهيم وقال:
– أنا مش قصدي والله... بس أبويا سقط
،كاد عبد الفتاح أن ينفجر ضاحكًا، لكنه غطّى ضحكته بكحّة مصطنعة ، ثم قال له: اسكت يا بني..حتودينا في داهية.
قال إبراهيم ببراءة:
– طب أنا ممكن أدعي معاه؟
همس عبد الفتاح وهو يكتم ضحكه:
– يا رب… إدّيله عضوية الاتحاد وخد مني عضوية نادي مصطفى كامل
عاد إبراهيم يسأل:
– هو انتو لما تكتبوا رواية، بتقولوا بسم الله؟
ولا بتبدأوا بقال الراوي؟
في تلك اللحظة، تحرك عبد الحميد قليلًا، ثم أعاد يديه إلى حجره، دون أن ينظر إليهما
صمت الجميع لبرهة
ثم سأل إبراهيم:
– يعني سقطت خلاص يا با؟
طب نوزّع باقي الفطير على الغلابة، يمكن ربنا يفرجها المرة الجاية؟
ابتسم عبد الفتاح أخيرًا وقال:
– والله لو وزعنا المشلتت في لجان التحكيم، كان زمانه نجح بدرجة امتياز.
ضحك المصلون بصوت خافت، ولم يفهموا ما يدور، لكنّ أحدهم قال:
– هو الشيخ ده كاتب؟
رد عبد الفتاح بسرعة:
– لأ... ده شيخ السرد القصصي!
ظل عبد الحميد في المسجد حتى المغرب، والرفاق كلهم محشورون في العربية، مكوَّمين فوق بعضهم، ينتظرون.
قال كمال عمارة، وهو يأكل آخر قطعة من بسبوسة بايتة:
– أنا سبت نقد الرواية، وجيه الوقت أنقد أخلاقية الموقف!
ضحك أحمد مبارك:
– ده مش كاتب... ده زاهد.
وحين خرج عبد الحميد أخيرًا، كان صامتًا كمن خرج من خلوة طويلة.
ركب السيارة، وقال لوحيد بشير بصوت واهن:
– غني حاجة لوردة... عايز أنسى.
وسارت السيارة عائدة إلى الإسكندرية...
بين صمت عبد الحميد، وغناء وحيد بشير، ودموع كراوية التي كانت –على الأرجح– بسبب البصل في سندويتش الكبدة الباقي.
كان قد أصدر مجموعة قصصية لاقت بعض التصفيق وبعض الهزّ بالرأس من رواد ندوة قصر ثقافة مصطفى كامل، فشجّعه هذا على خوض مغامرة الانضمام إلى صفوف "الصفوة".
في إحدى أمسيات الندوة، استجمعت تركيزي، لأسمع قصته الجديدة، لكن عبد الحميد، قبل أن يقرأ، انطلق في خطبة طويلة عن طقوس الكتابة.
قال إن الإلهام لا يهبط عليه إلا وهو جالس فوق الفرن الفلاحي في دارهم بكفر الدوار، بعد أن تكون زوجته قد أعدّت كومة من الفطير المشلتت المغموس في السمن البلدي.
ضحك عبد الفتاح مرسي وقال:
– معك قطعة من المشلتت؟ جوعتنا يا رجل!
فما كان من عبد الحميد إلا أن ألقى بالأوراق، نزل عن المنصة، مدّ جسده من النافذة وصاح:
– إبراهيم... يا إبراهيم!
هات قفة الفطير من شنطة العربية وتعال جري!
وصل إبراهيم، ابنه، وبدأ يوزّع الفطير كما توزّع بيانات الثورة، حتى مدير القصر تلقى نصيبه مع قطعة جبن قديم محترمة.
اختلطت القصص برقائق الفطير، وضاعت الحدود بين الأدب والعشاء.
أشادت الحاضرات بجودة الفطير، وابتسمت الأديبات في حياء، وقلن إنهن كنّ يتمنين حضور لقاء بيت كراوية، لولا التقاليد... والتقاليد دائمًا كبش الفداء.
في اليوم التالي، اجتمعنا في بيت عبد النبي كراوية لمراجعة الفصل الأخير من رواية عبد الحميد الجديدة.
جاء الجميع: عبد الفتاح مرسي، كمال عمارة الذي سبقنا وطلب شيئًا خفيفًا للمعدة، القاص المطرب وحيد بشير الذي بدأ يدندن أغنية قديمة عن الغربة، الفخراني الأديب الجاد الذي جاء مجبرًا، والشاعر أحمد مبارك بسخريته التي تطال حتى النوايا الطيبة.
أما إبراهيم، فكان يجلس في ركن الغرفة، يتفحّص الوجوه، لا يفهم من النقاش شيئًا، ويتمتم:
– أبويه بيضيع عمره وفلوسه عالهوا.
وبينما نحن غارقون في الجدل، أرسل عبد الحميد في طلب مشويات فاخرة من عند "بلبع"، وتكفّل بالوليمة كلها.
قال
الأدب من غير كبدة وكلاوي ما ينفعش.
ضحك الجميع. حتى الفخراني ابتسم كمن أُرغم على الحياة.
وحين فرغنا من مراجعة الرواية، افترقنا على وعد بلقاء بعد إعلان نتيجة الاتحاد.
مرت الأيام، وجاء يوم الحسم.
سافر عبد الحميد إلى القاهرة... النتيجة ستُعلن.
رافقناه إلى مبنى اتحاد كتاب مصر. جلسنا في السيارة، وهبط معه عبد الفتاح وابنه إبراهيم.
دخل وحده، وبقي الاثنان في الخارج. انتظروا طويلًا.
خرج أخيرًا... وجهه شاحب، شاربه مرتعش، ونظره يتنقّل بلا استقرار.
قال إبراهيم على الفور:
– سقطت يا با؟!
لم يرد. فقط مشى كأنه يسير خلف نعش روحه.
قال عبد الفتاح وهو ينظر في ساعته:
– طيب نرجع بقى... الناس كلها في العربية.
لكنه لم يرد. لفّ وجهه نحو مسجد قريب، وسار إليه.
مشيا خلفه دون سؤال.
دخل المسجد، خلع حذاءه، جلس في الركن الأمامي، أسند ظهره إلى العمود، رفع يديه للدعاء، ثم أنزلهما، ثم رفعهما مجددًا... ثم سكن.
مرت ساعة.
اقترب منه عبد الفتاح وهمس:
– نرجع بقى يا عبد الحميد... الناس زهقت، والأكل مش حينفع يتسخن تاني.
لم يرد. أخرج نسخة مطبوعة من روايته، قلّبها ببطء، أعادها إلى الجيب، وتنهد.
قال إبراهيم:
– يا با... سقطت يعني؟!
ما تزعلش، أنا أصلاً مش فاهم منها ولا سطر.
كاد عبدالفتاح أن يضحك،.
حدّق فيه عبد الحميد طويلًا، ثم عاد ينظر إلى سقف الجامع.
صاح إبراهيم من خلفه:
– سقطت يا بااااا...
اتحرمت من عضويتهم، وضاع الفطير وبلبع على الفاضي!
رمقه أحد المصلين بدهشة، فخفض صوته، ثم همس لعبد الفتاح:
– هي دي آخرة الأدب؟
فطير ولحمة، ونقاشات فارغة؟
أبويا ضيّع وقته وفلوسه عليها، وعلى شوية أحلام بورق، وفي الآخر يسقط!
وقف إبراهيم في منتصف المسجد، حافيًا، يتلفت حوله ثم قال:
– طب هو ربنا بيقبل دعاء الأدباء؟
ولا لازم شيخ معتمد ؟
رمقه أحد المصلين بغيظ، فابتسم له إبراهيم وقال:
– أنا مش قصدي والله... بس أبويا سقط
،كاد عبد الفتاح أن ينفجر ضاحكًا، لكنه غطّى ضحكته بكحّة مصطنعة ، ثم قال له: اسكت يا بني..حتودينا في داهية.
قال إبراهيم ببراءة:
– طب أنا ممكن أدعي معاه؟
همس عبد الفتاح وهو يكتم ضحكه:
– يا رب… إدّيله عضوية الاتحاد وخد مني عضوية نادي مصطفى كامل
عاد إبراهيم يسأل:
– هو انتو لما تكتبوا رواية، بتقولوا بسم الله؟
ولا بتبدأوا بقال الراوي؟
في تلك اللحظة، تحرك عبد الحميد قليلًا، ثم أعاد يديه إلى حجره، دون أن ينظر إليهما
صمت الجميع لبرهة
ثم سأل إبراهيم:
– يعني سقطت خلاص يا با؟
طب نوزّع باقي الفطير على الغلابة، يمكن ربنا يفرجها المرة الجاية؟
ابتسم عبد الفتاح أخيرًا وقال:
– والله لو وزعنا المشلتت في لجان التحكيم، كان زمانه نجح بدرجة امتياز.
ضحك المصلون بصوت خافت، ولم يفهموا ما يدور، لكنّ أحدهم قال:
– هو الشيخ ده كاتب؟
رد عبد الفتاح بسرعة:
– لأ... ده شيخ السرد القصصي!
ظل عبد الحميد في المسجد حتى المغرب، والرفاق كلهم محشورون في العربية، مكوَّمين فوق بعضهم، ينتظرون.
قال كمال عمارة، وهو يأكل آخر قطعة من بسبوسة بايتة:
– أنا سبت نقد الرواية، وجيه الوقت أنقد أخلاقية الموقف!
ضحك أحمد مبارك:
– ده مش كاتب... ده زاهد.
وحين خرج عبد الحميد أخيرًا، كان صامتًا كمن خرج من خلوة طويلة.
ركب السيارة، وقال لوحيد بشير بصوت واهن:
– غني حاجة لوردة... عايز أنسى.
وسارت السيارة عائدة إلى الإسكندرية...
بين صمت عبد الحميد، وغناء وحيد بشير، ودموع كراوية التي كانت –على الأرجح– بسبب البصل في سندويتش الكبدة الباقي.