شريف محيي الدين إبراهيم - حدود القلب...

قال لي صديقي عادل ، في مساءٍ رماديّ كقلبينا، ونحن نجلس في مقهى يشبهنا: بسيط، صامت، يعرف كيف يصغي:

"أنت وسيارتك التي تحتضر، وشقتك التي بالكاد تتسع لظلك، وراتبك الذي يتبخر قبل أن يلامس جيبك... لا يحقّ لك أن تحب."

علقت الكلمات في حلقي كغصّة. لم أُجب. لم يكن يخاطبني، بل يكلّم مرآةً قديمة خلف عيني.

تابع، وعيناه كمن رأى النهايات قبل أن تولد الحكايات:

"الحب رفاهية لا يملكها الفقراء. زينة الأغنياء، ووجع البسطاء. يمكنك أن تلهو، تضحك من خلف قلبك، ترافق امرأة تُعجبك، لكن أن تحب... لا."

كان صوته ناعمًا، لا قسوة فيه. مجروحًا لا غاضبًا. يشبه من دفن قلبه في حفرة لم تُرَدم.

قال:

"أنت فقير يا صديقي. لا مال، لا سلطة. إن أحببت، ضعت. وإن عشقت، انكسرت. لا تتجاوز حدودك. ضع قلبك في جيبك، لا تخرجه إلا حين تملك شيئًا تساوم به الحياة."

ثم همس كأنه يذكّر نفسه:

"اعرف جيدًا أين تضع قدميك... وأين تترك قلبك."
***"
مرت أسابيع.

وجدته على المقعد الخشبي المواجه للبحر. السماء تمارس حزنها في صمت، والدخان يتصاعد من يده كأسرارٍ لم تُقال. في حضنه صورة امرأة. وعيناه لا تزالان تراهما معًا، في زمن لا يُمسّ.

قال دون أن يلتفت:

"كان اسمها هالة. أحببتها كما لم يفعل أحد، وأحبتني. كنت فقيرًا. طلبتُ يدها، فضحك والدها في وجهي. تركتها، ظننتني أنقذها مني. لكنها بقيت هناك... حيث تركتها. وأنا... هنا، لا أعود ولا أشفى."

سكت كمن يفتّش عن أنفاسه. ثم نظر إليّ، لأول مرة، كأنما يطلب الغفران:

"هل تظن أن الحب يُنسى؟"

لم أجب.

وفجأة توقفت سيارة سوداء عند الرصيف. خرجت منها امرأة أربعينية، ترتدي وشاحًا رماديًا، تمسك كتابًا.

الزمن تجمّد.

اقتربت منه. همست بصوتٍ لا يزال يعرف طريقه إليه:

"ظننتك لن تعود."

لم يجب.

مدّت إليه الكتاب — ديوان شعر قديم، كُتب في صفحته الأولى: "إلى هالة، التي تركت قلبي مفتوحًا على الدوام."
قالت:
"احتفظتُ به... كنتُ أنتظرك."
أغمض عينيه لحظة، كأنما الريح تحمل خمسة عشر عامًا من الأسى.
وقال
"سامحيني."
ردّت، وقد شابت عيناها بالكثير:

"تعالَ نجلس قليلاً...
؟! هل ممكن أن نبدأ من جديد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى