هايدي فاروق - دوائر الفالس... قصة

تُسند رأسها إليك، تُطمئنك بصوتها الناعس الناعم:
“أنتَ الحب… أنتَ الأمان.”

خطواتك محسوبة، وقدماك تتحركان في دوائرصغيرة، كأنهما تبحثان عن نقطة
انطلاق.

تحاول، بين الفينة والأخرى، أن تجذبك إليها، تحثّك على التحرر.

لكنّ تشبّثك بالأرض يزداد، وتدور حول نفسك كأنك في طقس تعذيب.

حركتك ثقيلة، رتيبة. تحاول مرارًا التمرّد، وفي كل مرة، تفقد عروسك جزءًا من
إيمانها بتحرّرك.

ها هي تستسلم بوداعة لخطواتك المحسوبة…

لكنّك تقرّر التحدي. ستحلّق عاليًا مع بداية المقطع الثاني من الأغنية التي
اخترتماها بكل حب، نافضًا عنك كل الوساوس.

ستُبهرها بانسيابية حركتك، بمرونة عضلاتك، وبرشاقتك التي اكتسبتها مؤخرًا
بعدما فقدت عددًا كبيرًا من الكيلوجرامات.

ستُباغتها وهي تدور، فترفعها بذراعيك، وتطوفان معًا إلى ما لا نهاية. لن تلمس
قدماها الأرض ثانيةً حتى يسكت اللحن…

أنت سعيد، مؤكدٌ سعيد… لكنك لا تنجح.

قدماك تخذلانك. آهٍ من الخذلان…

تتناثر أحلامها أمامك، تدوسها الأقدام. وتدوس أنت على ذيل فستانها الطويل.

صوت تمزّق جزءٍ منه يخترق أذنيك، يصلك خفيضًا من بين صخب الموسيقى…

هل هي علامة؟!

ثقيلتان، حذرتان، قدماك؛ كأنك تجرّ أكياسًا من الرمل.

تعود منكمشًا إلى الثبات…

تُشبك العروس يديها بيديك، تقبض عليهما بشغف، وتضمّهما إلى صدرها.

تأخذك اللحظة، ثم تبتعد عنها قليلًا؛ تُجبرك آلية الرقصة على الانصياع طوعًا،
فتنخرط في الانسجام…

تفلت إحدى يديها، فتدور بجسدها بخفة ورشاقة، باحثةً عن حضنك من جديد.
تقترب أكثر، فتضمّها بقوة، ناسيًا هلاوسك…

تنطلقان معًا في دوائر متناغمة. فرصة جديدة تنتظر الاقتناص… تودِع نفسها بين
أغصانك الشائخة، باحثةً عن نهارٍ آتٍ…

الأنغام تسري في أوصالكما، والأقنعة الذهبية على وجهيكما تخفي خجلكما، لكنها
لا تخفي توحدكما.

أتُصدّق؟ أنتما معًا أخيرًا، بعد سنواتٍ من السهر، والبكاء، والفراق… حتى آخر
العمر.

تميل بجذعها إلى ذراعك، تُثيرك شفتاها الممتلئتان، وأسنانها البيضاء كحبّات
اللؤلؤ المكنون. تطير الفراشات من بين أوصالها… تحلّق في دوائر تلامس سقف
القاعة العالي…

تفلت يدك، ترقص منفردة، تدور في دوائر واسعة بحجم الكون، وتصدح بصوتٍ
آسر مع ليلى مراد:
“أنا قلبي دليلي قال لي حَ تحبي… دايمًا يحكي لي، وبصدق قلبي…”

كلمات رقيقة تحملك معها على أجنحة السعادة.

ابتسامة مغرية تعلو ثغرها، تقترب مجددًا، تتشبّث بكفّيك. يلفحك لهيب أنفاسها،
تشتمّ رائحة عطرها…

نظراتك لهفى، وهي متشوّقة، تنتزع قلبك بخفّة، تواري شغفها في حياء. ماكرةٌ
هي، كباقي النساء…

يلتفّ فستانها حول ساقيها مع حركتها كورَيقاتِ وردةٍ أغمضتْ انتظارًا
للازدهار.

وأنت، مسكين، تظلّ قابضًا على يديها، خائفًا أن تفلت منك مرةً أخرى.

الدنيا ملكك. من حقك أن تفرح، أن ترقص. الليلة ليلتك.

الجميع يصفّق لك، يُشجّعك… لكنهم يتهامسون.

لم تردعهم قطع الجاتوه، وحبّات الشوكولاتة بالبندق، وكؤوس الشربات المثلّج
عن الحديث عنك…

يردّدون فيما بينهم: “العروس أكثر انطلاقًا…”

ثم يبتسمون… وتلوح لك التساؤلات الماكرة في المآقي…

يستقرّون على أن جذورك الصعيدية تقف عائقًا أمام استسلام جسدك للتمايل…

أصدقاؤك يتأهّبون لحملك؛ طقسٌ ذكوريٌّ بحت. تلمح نظرةً ماكرة في عيون
أحدهم… تدريبٌ لما تحمله لك الحياة لاحقًا. يهتكون عرضها، كي تُقاتل معها من
دون حياء.

تفكّر في همساتهم. لن يُصدّقوا أنك سعيد، ما دمتَ مترددًا في الخطو…

تُباغتك المخاوف، تُحاصرك الأفكار، رغم كل الحسابات.

وكلما حاولت طردها والاستمتاع بلحظات الحب، تعجز عن الانطلاق بحرّية.

تقف عروسك حزينة، وقد أوشكت الرقصة على الانتهاء… لقد أضعتَ منها ما
حلمتْ به.

تحاول مرةً أخيرة… يلوح لك وجهها العابس، وقد تبدّدت ابتسامتها.

من الصعب الرجوع.

تكتفي بدوائر صغيرة، تدور فيها…

تُطالع صورتك المنعكسة في عمق المرآة الكبيرة المصقولة على جدار القاعة
الدائرية…

ترى نفسك منزوِيًا داخل دائرةٍ واحدة، قد أودعتَ فيها ذاتك.

تفاجئك ملامحك المُغضّنة…
ترسم ابتسامةً باهتةً بعد عناء، وتدور في دائرتك الوحيدة مستسلمًا…

وطيفٌ آخر يشبهك، يلوّح لك بابتسامةٍ مراوغة، وهو ينسلّ من باب القاعة،
ويُصفَق بابها الحديدي الكبير خلفه.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى