تقدم الشابٌ من إحدى سيارات الشرطة التي تملأ الشوارع ؛ أخرج من جيبه وردة .. قدمها للشرطي بودّ.. نظر المدجّجُ نحوه بارتياب، مرت على باله سريعًا الأوامر والفتاوي ، وتعالت الهتافات من خلفهما من جديد ...
لا أوامرَ من القائد حول الواجب مع هذه المفاجأة غير المتوقعة..اتخذ الجنديُّ قراره سريعاً، رفض تلقّيها من مدنيّ ناصع الثياب مفترِّ الابتسامة، تقدم زميلُه، أنقذ الموقفَ الذي لم يكن محرجاً بقدر ما كان مؤثراً، تناول الوردةَ من يد الشاب، كانت حمراء نديةً تقطر حباً غامضًا ينسرب بخفة في المكان.. وما هي غير دقائق ، حتى تقدّم رجالٌ رسميون آخرون ، تلمع على أكتاف قلة منهم نجوم وتيجان .. وعلى زنود البقية خطوط بائسة تعلنُ الرتبَ وتلعنُ الترقيات، اقتربوا من الشاب ،ولثوان، استولى عليه شعورُ مُضيفٍ فرغتْ الدلّةُ في يده و هو لم يكملْ واجب الضيوف بعد، تقدموا يطلبون ورداً من يد نفدت الوردات منها ، لكن الشاب ، وبذات الروح المتنامية التي بدأت تملأ المكان ، أشار بيده لمن خلفه فتقاطرت الأيدي تحمل عشرات التيوليب والجوري ومن كل لون هذه المرة .. لم يبق جنديٌّ واحد إلا وَصَلت الأكفُّ الضاجةُ بالفرح قلبَها بقلبه بعبق نديّ ، صار الورد في الجانب الآخر أكثر منه في أيدي روّاد الساحات .. العميدُ تفهّم عفويةَ الموقف ، من يدري ؟ ربما كان سيعتبر ما جرى تهاوناً من رجاله وانشغالاً عن المهة التي أوكلت إليهم ! هل من نهاية أخرى لم تحدث!؟
اجتمع في أيدي الرجال المسلحين سلاح ُالشرف وسلاح الحياة .. الرقيبُ ظلّ غير بعيد يلوك الحسرة وقد أخرجته الهتافاتُ العاليةُ خارجَ الحشد، رمته إلى هامش اللحظة، خطا منسحباً بخطوات دمغها التجاهل والحرج ، ودّع المكان بنظرة نحو رئيسه : ماذا لو أشار له سريعاً باستلام الوردة قبل قليل، لماذا لا يدرّسونا شيئاً عن أوقات الورد والهروات !؟
دعا الجميعُ للشارع بطول الحياة، وبأقدام حرة تسير فيه صباح مساء تدوزنُ لحنَ الكرامة على الأرض..هتفوا أن يبقى الشارع سالماً من العبث والمزايدة ، وارتفعت الـأيدي جميعاً تنثني وتعلو ، أصوات الغد انطلقت من حناجر أذهل الجنودَ مخزونُها الهادر. هتاف يملأ الساحات والشوارع ..امتزج اللون الكاكي المموّهُ بالأبيض الناصع ..امتزجا لوناً جديداً ترتديه أرواح جديدة، وسار الجمع إلى الأمام .. صعد الشبابُ مبتسمين فوق السيارات المصفحة التي كانت تتوعدهم قبل قليل، وتقدمت المسيرةُ نحو الأمام ، اندفعت الحشود في اتجاه واحد. لم تسقط قطرةُ ورد واحدة ، سار الشاب في آخر الجموع يملؤه حبور لا يوصف ، في يده وردة أخيرة ظنها زادت عن العدد ، أدهشه انبثاقها من بين أصابعه ،وردة أقوى وأبهى وأجمل،وجَد يده تقبض عليها بحرص ، يعرفُ لمن سيهديها ؛ قلبه سيعاون يده عند تقديمها ، لن تتسلل الحيرةُ إلى نفسه.. سيقدمها لحبيبةٍ يراها تبتسم له في الأفق، رأى عينيها تمدان روحه بحنو يهزم المستحيل، مشى في طريقه ثابتًا وحيدًا تحمله هتافات جيل صادق يملأ الشوارع ، رأيَ العين رآها، حاملًا وردته الأثيرة ،ظل يتقدم نحو حبيبة يظنها الوطن.
كُتب هذا النص ونشر عام 2011
لا أوامرَ من القائد حول الواجب مع هذه المفاجأة غير المتوقعة..اتخذ الجنديُّ قراره سريعاً، رفض تلقّيها من مدنيّ ناصع الثياب مفترِّ الابتسامة، تقدم زميلُه، أنقذ الموقفَ الذي لم يكن محرجاً بقدر ما كان مؤثراً، تناول الوردةَ من يد الشاب، كانت حمراء نديةً تقطر حباً غامضًا ينسرب بخفة في المكان.. وما هي غير دقائق ، حتى تقدّم رجالٌ رسميون آخرون ، تلمع على أكتاف قلة منهم نجوم وتيجان .. وعلى زنود البقية خطوط بائسة تعلنُ الرتبَ وتلعنُ الترقيات، اقتربوا من الشاب ،ولثوان، استولى عليه شعورُ مُضيفٍ فرغتْ الدلّةُ في يده و هو لم يكملْ واجب الضيوف بعد، تقدموا يطلبون ورداً من يد نفدت الوردات منها ، لكن الشاب ، وبذات الروح المتنامية التي بدأت تملأ المكان ، أشار بيده لمن خلفه فتقاطرت الأيدي تحمل عشرات التيوليب والجوري ومن كل لون هذه المرة .. لم يبق جنديٌّ واحد إلا وَصَلت الأكفُّ الضاجةُ بالفرح قلبَها بقلبه بعبق نديّ ، صار الورد في الجانب الآخر أكثر منه في أيدي روّاد الساحات .. العميدُ تفهّم عفويةَ الموقف ، من يدري ؟ ربما كان سيعتبر ما جرى تهاوناً من رجاله وانشغالاً عن المهة التي أوكلت إليهم ! هل من نهاية أخرى لم تحدث!؟
اجتمع في أيدي الرجال المسلحين سلاح ُالشرف وسلاح الحياة .. الرقيبُ ظلّ غير بعيد يلوك الحسرة وقد أخرجته الهتافاتُ العاليةُ خارجَ الحشد، رمته إلى هامش اللحظة، خطا منسحباً بخطوات دمغها التجاهل والحرج ، ودّع المكان بنظرة نحو رئيسه : ماذا لو أشار له سريعاً باستلام الوردة قبل قليل، لماذا لا يدرّسونا شيئاً عن أوقات الورد والهروات !؟
دعا الجميعُ للشارع بطول الحياة، وبأقدام حرة تسير فيه صباح مساء تدوزنُ لحنَ الكرامة على الأرض..هتفوا أن يبقى الشارع سالماً من العبث والمزايدة ، وارتفعت الـأيدي جميعاً تنثني وتعلو ، أصوات الغد انطلقت من حناجر أذهل الجنودَ مخزونُها الهادر. هتاف يملأ الساحات والشوارع ..امتزج اللون الكاكي المموّهُ بالأبيض الناصع ..امتزجا لوناً جديداً ترتديه أرواح جديدة، وسار الجمع إلى الأمام .. صعد الشبابُ مبتسمين فوق السيارات المصفحة التي كانت تتوعدهم قبل قليل، وتقدمت المسيرةُ نحو الأمام ، اندفعت الحشود في اتجاه واحد. لم تسقط قطرةُ ورد واحدة ، سار الشاب في آخر الجموع يملؤه حبور لا يوصف ، في يده وردة أخيرة ظنها زادت عن العدد ، أدهشه انبثاقها من بين أصابعه ،وردة أقوى وأبهى وأجمل،وجَد يده تقبض عليها بحرص ، يعرفُ لمن سيهديها ؛ قلبه سيعاون يده عند تقديمها ، لن تتسلل الحيرةُ إلى نفسه.. سيقدمها لحبيبةٍ يراها تبتسم له في الأفق، رأى عينيها تمدان روحه بحنو يهزم المستحيل، مشى في طريقه ثابتًا وحيدًا تحمله هتافات جيل صادق يملأ الشوارع ، رأيَ العين رآها، حاملًا وردته الأثيرة ،ظل يتقدم نحو حبيبة يظنها الوطن.
كُتب هذا النص ونشر عام 2011