إبراهيم محمود - ذئبان... قصة

1752211731895.png


‬‬

من مخبئه الجبلي كان يتابع حركة الحياة في بلدته الصغيرة. مطلوبٌ الآن بجريمة قتل. أراد أن يثبت أنه قادر على القتل، ودون تردد، وملء نفسه زهو. لا يشعر بأي ندم، بالعكس، لديه استعداد لأن يقتل أكثر، منتظراً فرصة مناسبة للإغارة على البلدة في غفلة، والرجوع إلى مخبئه الجبلي الحصين، كما يتصور.


1752211785476.png
ذئبان. للفنان الألماني فرانز مارك ١٩١٣ ‬‬‬

ترسخ لديه شعور وهو هناك، أنه يسيطر على من حوله. أن تقتل هو أن تثبت قدرتك على البقاء، وقابلية السيطرة على الآخرين. هكذا تعلّم ممن سبقوه أهلاً ومعارف. كلما استدعى طريقته في إزهاق أرواح من قتلهم، كان حماسه يتجدد.
-بم أفادك هذا القتل ؟
كان ذلك صوت ذئب جاوره وقد أقعى على مؤخرته قريباً منه!
-إنها الحياة التي تعلّمنا كيف نعيش،ونستمر في الوجود.
دفقة دم ساخنة سرت في عروق الذئب الأشهب:
-يا لكم من عجيبي الخلقة أيها البشر. نحن أيضاً نعيش، إنما ليس عما طريقتكم.
-من المؤكد أننا نختلف عنكم يا معشر الذئاب.
ثم موجهاً كلامه إليه:
أشك في أنك ذئب حقيقي!
وبعد صمت، وهو يمسح البلدة بناظريه:
كان اعتقادنا نحن البشر، أننا وإياكم نقتسم العالم، نحن حيث ترى، وأنتم، هنا في البرّية. ويظهر أنكم لست كذلك..
عوى الذئب بصوت خفيض، وقال:
تريدون الإيقاع بنا..وكأن هذه الجيرة الطويلة بيننا لم تعلّمكم شيئاً يا بني البشر..
هز الرجل رأسه قائلاً:
أنا لا ألومك أيها الذئب. يصعب عليك وكل الذئاب إدراك حقيقتنا ..
أصدر الذئب صوتاً أشبه بالقهقهة وهو يعلّق:
ها أنت تعترف بالاختلاف. إنما انظر..تقتلون وتتقاتلون في الأوقات كافة. أنت كيف ترى نفسك الآن؟ نحن معشر الذئاب، لم يحل أن تقاتلنا، وتحولنا إلى قطعان متعادية.. بينما أنتم لستم كذلك. هل رأيت ذئباً تعدى على أفراد جماعته كما تظن؟
وتوقف قليلاً ثم استدرك قائلاً:
قريباً من هنا تنتظرتي زوجتي وصغاري. أنا أشتاق إليها. بالمناسبة نحن لا نستخدم لغة من الخارج.. سلوكنا معاً أغنى من لغتكم كلها.. لو أفلح أحدهم في ترجمة حبنا الزوجي لكتب قصيدة لا مثل لها في الغزل..
ومن ثم، ودون أن ينظر إليه، وبسخرية:
هل رأيت ذئباً يحتمي ببشريّ، بينما أنتم، لا تكفّون عن إزعاجنا، كما أنت هنا الآن ..
-يظهر أنك راض كثيراً عن كونك ذئباً؟
نظر إليه الذئب وهو يمسح خلفه بذيله ، وعلق:
أن أنقل إليك ما يعنينا لعلك تعرف الفرق بيننا. خذ مثلاً، أنكم يا بشر تتباهون بالعقل. ماذا حصَّلتم بهذه النعمة كما تسمّونها غير سفك الدماء وظهور العداوات؟ تتباهون بذاكرتكم. يا لكم من حمقى. تثنون على ذاكرتكم، وأنتم تبقون عداواتكم وحروبكم الدامية مستمرة.. ليس لدينا عقل ولا ذاكرة.. إننا نعيش بكامل جسمنا. لا نحتاج لهذا البلاء الذي تفتخرون به، وهو العقل، وهذا الخزان المليء بالأحقاد لتنالوا من بعضكم بعضاً، أي الذاكرة.. نحن براء من كل ذلك. نحن أحق بجعل العالم معروفاً بنا منكم. هل جرَّبتم، ولو للحظة أن تعيشوا مثلنا؟
كان ثمة صغير غزال يتحرك قريباً منهما. رآه الذئب، ولفت نظر صاحبي إليه:
انظر ها هو صغير غزال، يمكنني في دقيقة واحدة أن أنقض عليه.. إنما لا حاجة لي به. فأنا شبعان. ليعش هو بدوره.. هل أنتم مثلنا؟ بالعكس، تتمادون في تصفية بعضكم بعضاً أحياناً، وأنتم في شبع كامل، أنتم مبعث حيرة كبرى لنا ..
بالكاد أنهى الذئب عبارته تلك، وقد انطلق الرجل سريعاً حاملاً سلاحه الناري، حين أبصر ثلاثة أشخاص يسلكون درباً من على مسافة منه. وفي لحظات أرداهم قتلى ورجع إلى حيث كان، وهو منتعش.
-كانوا أخوتك.. كيف قتلتهم بالسهولة هذه؟
استفز الرجل قائلاً: كانوا أعدائي، سوف يكون لي اعتبار آخر بعد هذه العملية ..
ثم:
ولا تنسى أنني شديد الإخلاص لأسلافي..
أمعن الذئب النظر فيه ملياً، والرجل لامبال، ثم قال:
كلما التقى أحد أفرادنا بأي منكم أيها البشر، ازددنا حباً لبعضنا بعضاً.
قريباً جداً منهما كان ثمة ذئب آخر، بلون فحمي، يصغي إلى الحديث الدائر بينهما.
تمسَّح بنظيره الذئب وقد التصق به، وقال له:
لم يتغير شيء، ولن يتغير، هو ما قلت لك. هو ما قلنا نحن الذئاب لبعضنا بعضاً، عن أن الإنسان خطأ الوجود الأكبر.
وبعد صمت:
لقد قلقنا عليك، لهذا جئت..فالج لا تعالج، كما يقولون هم..
ثم التفت إلى الرجل وهو ينظر إلى البعيد:
أليس كذلك أيها السعيد بشقاوته؟
ليقترب منه، إلى درجة أنه كاد يحركه من مكانه، مما دفع بالرجل لأن يشد على زناد البندقية تحسباً لأي طارىء:
لا تظنوا أنكم أقوياء أيها البشر. تستحقون الشفقة كثيراً.
-هممم
كان ذلك صوت الرجل، وهو ماض في تثبيت إصبعه على الزناد.
همس الذئب القادم في أذن نظيره:
مجالسة بني البشر تجلب النحس. الأفضل أن نمضي.. لا بد أنهم ينتظروننا.. دعهم في محنتهم التي لا نهاية لها..
وحثه على المضي معه، وهو يقول:
سينتهي ذات يوم..
ثم بصوت مرتعش:
والخوف الخوف أن ينهينا معه أو قبله..إنهم ينتظروننا الآن
استقام الآخر على أرجله الأربع، وقال دون أن ينظر إلى الرجل الذي كانت إصبعه على زناد بندقيته، وعيناه على البلدة:
هو كذلك، علينا أن نمضي حيث ينتظروننا.
ثم موجهاً كلامه إلى الرجل:
وكما ترانا، قبل أن تحسبني أنا أو توأمي هذا الذئب من جنسك وتنال مني أو منه، أو منا اثنينا معاً دون رادع، وكما تشتهي نفسكم الأمّارة بالقتل والخراب غالباً !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى