" سلف صالح " كما هو لقبه الذي تقدَّم على اسمه وغلبه في التسمية، أكثر من آخرين ، اُعتبِروا أسلافاً صالحين، لأن رصيده في القوة والشجاعة والنبْل ورجاحة العقل كان نوعياً. لم يعد يتحمل سلسلة الإهانات التي لحقت به، وقد مضى على موته زمان طويل.
خرج " سلف صالح " من قبره منتفضاً، وقد ظهر عليه النحول والهزال. ترقق عظمه كثيراً. أصبح دون ما كان عليه كثيراً: حجماً وشكلاً.
رقصة الموت العظيمة - 37 التاجر المتجول - هانز هولباين (حوالي 1530)
اندفع منتفضاً من قبره ، ووجهته، ذلك المقيم في القصر الحصين ذي الشهرة في البلاد والمحروس بدقة، وقد سمّي اختصاراً بالمتنفذ، حيث كان يأتي على ذكر اسمه في مناسبات كثيرة، باعتباره قدوته.
اندفع إليه، ودخل حيث كان المتنفذ في غرفته الخاصة، التي غطت صور سلف صالح الحيطان الأربعة لها، وفي وضعيات مختلفة.
تنبه إليه المتنفذ، وقال بصوت بلامبالاة، وهو أمام قاصة نقوده الضخمة:
توقعت مجيئك!
جميل أنك توقعت ذلك، إنما هلّا نظرت فيما آل إليه أمرك؟
نظر إليه المتنفذ جانبياً:
أنا هو أنا، وأنت ؟ مجموعة عظام توشك على التلاشي !
اهتزت عظام سلف صالح، وهو يقول:
نسَّبت إلي ما ليس لي به صلة ..
ثم ظهر وهو يقوم بدورة كاملة، وباتجاه الصور المعلقة:
بهذه الصور أنت تنال مني وأنا في قبري ..
ابتسم وهو ماض في عد نقوده الورقية وترتيبها في قاصته:
جعلتك على الألسنة، ووهبتك عمراً ومجداً ونفوذاً رمزياً لم تحلم به حين كنت حياً ..
تقعقعت عظامه:
أتسمي التصرف بلسان الآخر، وتقويله رغماً عنه مكرمة ؟
رد المتنفذ ودون أن يلتفت إليه، وبصيغة اسفهام:
أجئت لمقاضاتي ؟
ودون أن يمهله الوقت للرد:
أنت محكوم بي، ومعروف، ومعلوم باسمي..
ومن ثم، بلهجة غير متوقعة، هذه المرة، وبعبارة صدمته:
أترى هذه النار التي أتدفأ عليها، عظامك قابلة للاشتعال سريعاً... ما رأيك أن أريحك منها؟
تراجع سلف صالح، وهو يضطرب في حركته، مقدّراً أن بقاءه أكثر لن يكون في مصلحته.
وخرج مسرعاً، مذعوراً، قاصداً من حيث خرج..
على وقع قرقعة عظامه أقبل أحد الحراس، وسأل المتنفذ :
خيراً سيدي ..
بحركة من يده صرفه، عائداً إلى غرفته، وهو يردد بينه وبين نفسه:
قال سلف صالح قال؟!
وسلف صالح لم يصدق أنه نجا بعظامه البالغة هشاشة وتآكلاً، وهو يرمي بنفسه في حفرة قبره، حيث ينتظره الذين أخبرهم بما سيقوم به.
كانت حركته، وتصادم عظامه مع بعضها بعضاً كافية لمعرفة النتيجة.
لم يكن في مقدور سلف صالح أن يتكلم قهراً، أو القدرة على البكاء، إنما قال ما كان منتظَراً:
لم بعد هناك من علاقة، أي علاقة بيننا وأولئك، علينا التكيف مع ظلامنا الدامس..
ومن ثم أطلق عبارته الأخيرة بصوت مخنوق:
بعد الآن، سوف تكون أنظارنا إلى الأسفل وليس الأعلى !