إبراهيم محمود - كافكا... قصة

طرْقٌ على الباب. كنت غارقاً في النوم.الساعة الثالثة فجراً. غريب.
أمضي إلى الباب متثاقلاً، قلقاً، أفتحه بعد تردد، وقد تكرر الطرق.
اثنان على الباب، يرتديان بذلتين داكنتيّ السواد، يصعب علي تميّز وجهيهما.
-تأخرت في فتح الباب.
التبس علي أمرُهما. بدا لي أن الصوت صادر منهما كليهما. عجزتُ عن التحديد:
-في مثل هذه الساعة ؟
-نحن من يحدد الوقت . كان عليك أن تكون أخف من ذلك.
-غريب !
قلتها في نفسي.
-قلت" غريب " أليس كذلك "؟
تنبهت مستغرباً:
-أنا لم أتكلم؟
-نحن نقدّر نوع الكلام من الحركة !
-غريب!
-كافكا. أليس كذلك؟
-أخطأتما في العنوان؟
-غريب. لا أحد مثلك يهتم بكافكا هنا.. وينادونك بكافكا..وأنت تستجيب لهذا السبب...
صمت
-لم ترد؟
-كافكا.. خلاص .. كافكا !
-غريب.. كيف تتخلى عن اسمك بهذه السهولة؟ تلك قضية ؟
-غريب !
يمدان إلي مغلفاً لا بد أن فيه شيئاً ما، وثمة شريط أسود عريض يلفه:
العنوان عليه، عليك مراجعته دون تأخير كما حصل الآن .
تراجعا إلى الوراء قليلاً.
ابتلعهما الظلام !
حاولت بلوغ العنوان بصعوبة، بلغتُه بعد جهود مضنية. ثمة مبنىً عال. اللون رمادي غامق. أين الباب؟
وقفت لبعض الوقت.
سماء صافية. الحر لا يُطاق.
تنفتح كوة في الحائط. ينبري وجه غامض الملامح:
-لا بد أنك كافكا!
لا أحد في المكان سواي !
-غريب. أليس كذلك؟
كان ذلك صوته.
أشار بيده أن أقدّم له المغلف.
قلَّبه مراة عدة. بدا كأنه يلعب به.
لا شيء أحتمي به من سطوة هذا الحر.
بجوار الكوة ينفتح باب.
صوت من الداخل:
-ادخل يا كافكا..
ادخل. ثمة ممر ضيق. السقف واطىء. الضوء شاحب. ليس من نافذة. ليس من باب مرئي. أتقدم خطوات. ينفتح باب. أدخل.
الغرفة صغيرة. الحيطان عارية . طاولة عليها بعض الأوراق. وراءها شخصان، يرتديان نفس البذلتين اللتين رأيتهما قبل ساعات. غريب. الوجهان نفسهما. غريب.
المغلف الذي حُمّلته على الطاولة. لم يُفتح.
-كافكا..أليس كذلك ؟
-ها قد سألتم؟
-لا تسأل أنت.. نحن من نسأل..فقط أجب .
-هو نفسه..
-أنت لست كافكا..كيف تتخلى عن اسمك بهذه السهولة؟
-أنتم من أردتم ذلك!
-أنت من استجبت ورضيت بذلك !
-غريب !
-ورَّطت نفسك حيث لا تدري ..الاعتراف مطلوب إذاً!
-بم أعترف ؟
-لأنك كافكا ولست كافكا.. هذه قضية جنائية تحاسَب عليها .
-أي قضية جنائية في من يهتم بقراءة كاتب مضى عليه زمان طويل ؟
-رجعت إلى السؤال..هي جريمة لا يمكنك التهرب منها.. ولا تموت بالتقادم ..
-غريب..
-سنمهلك فرصة لتعترف.. ترتاح أنت ونرتاح نحن.. جىء غداً، بالتوقيت نفسه ..
-أعترف بما لا أعرف عنه شيئاً ؟
-لا تعتقدن أنك قادر على خداعنا..تعاملنا مع كثيرين، كما نتعامل مع كثيرين كانوا أكثر ثقة بأنفسهم واعترفوا. نمهلك الوقت ودون أي ضغط حرصاً على مصلحتك ومصلحتنا كذلك !
يتكرر المجيء..الكلام نفسه.. أشعر بضغط كبير من الداخل.. هناك جديد.
-أنت تدير شبكة أفكار من وراء اهتمامك بشخص غير عادي، ليس عادياً يا كافكا ..
-إنها بيني وبين نفسي..لم أدع أحداً إليها، وأنا بعيد عن الآخرين و...
مقاطعة:
-وهذا أول الاعتراف.. أن تكون بمفردك..هل فكرت في معنى أن يعتزل أحدهم الآخرين؟ هناك مشكلة تتجاهلها..
-لم أسىءْ إلى أحد !
-نحن من يقدّر ذلك !
ثم: راجعنا غداً، لا بد أن نحسم الأمر.
أسلَّم المغلَّف نفسه، في التوقيت الصباحي الباكر نفسه. في كل مرة أزداد دوّاراً.
تجرأت على فتح المغلف. في المغلف ورقة بيضاء مطوية طيات عدة. غريب.. بيضاء تماماً.. لا أثر لأي كتابة أو إشارة.
شددوا علي هذه المرة:
-من سمح لك بفتح المغلف؟
لم أجب !
جاء الصوت أكثر وضوحاً ممن أراهما كل يوم:
لا مفر من الاعتراف..سندعك لبعض الوقت، أنت تحت أنظارنا..فكّر قليلاً لتعرف أين أنت ومع من أنت، وإلى أين تمضي..
بإشارة من يديهما خرجت..
قبل أن أصبح في الخارج. شعرت بأحدهم يتحرك قريباً مني. التفتُّ وقد عبرت الباب. كان هناك شخص يرتدي بذلة سوداء داكنة، بوجه لم أحسن التدقيق فيه، جرّاء وضعي النفسي..لم يكن الوجه غريباً علي.. كأنني أعرفه وإن لم ألتق به. أسمعني صوتاً واضحاً تماماً:
-ليس من السهل حمْل اسم.. تحتاج إلى الكثير لتكون كافكا الذي بتَّ تُعرَف به..أنا هو كافكا نفسه..
ثم اختفى ، وظهر المبنى المعلوم بعلوّه ولونه الرمادي، الخالي من أي مدخل مباشر، وحوله تمتد جهات إلى ما لا نهاية. الحر يعربد !.
غريب !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى