إبراهيم محمود - سكّين شهريار... قصة

1753685012117.png



أعلمني أحد أصدقائي المقربين أن هناك افتتاحاً لمعرض غريب من نوعه، يترقبه الناس منذ فترة من الزمن، حتى أن هناك من قدِموا من خارج المدينة لرؤيته.


1753685068993.png
كاريكاتير: الطاغية مكشوف
الفنان: غوتييه جان بابتيست لاينيه


لا أخفي أنني بمجرد سماعي لحدث كهذا، شدني الفضول، وبدأت أحسب الزمن بالثواني .
نعم، كان معرضاً غريباً حقاً، هو معرض " شهريار "!
استغربت من رؤية معروضاته، لا بد أن المعنيين به، انشغلوا به كثيراً، ليكون بمثل هذه النوعية .
كان هناك ما يخص ثيابه من العمامة إلى الجوارب، ومن الأحذية التي كان ينتعلها إلى الأمشاط التي كان يستعملها .
الأغرب هو عرْض صور للرؤوس التي قطعها أو أمر بقطعها. رؤوس النساء اللواتي تزوجهن ، وتخلص منهن ، احتل مساحة واسعة من المعرض، وما كان له أن يتم دون دراسة كاملة تخص الأذواق.
هذه الصور استأثرت باهتمام المتفرجين والذين تدفقوا إلى الداخل، كما لو أن المعرض اقتصر عليها فقط .
كان ترتيب المعروضات دقيقاً، وبأشكال مختلفة. لقد راعوا التنوع، ليكون هناك إقبال أكثر .
في الواجهة وضِعت صورة كبيرة، اُفترِض أنها صورة كل من شهريار وشهرزاد. هو كان يمعن النظر إليها، وهي تخفض رأسها وتتكلم. لا بد أنها تسرد إحدى حكاياتها، حيث ضوء القنديل كان يظهِر طرفي وجهيهما .
سوى أن هناك عنصراً غائباً، لم أجد له أثراً، وقد دققت في زوايا المعرض كاملة، علّي أعثر عليه، وأتأكد من حقيقته المرعبة حقاً.
إنه سكين شهريار. السكين التي كان يقطع بها رأس ضحاياه من النساء ممن ساء حظهن أن يصبحن زوجات له، ويُقضى عليهن قبل شروق الصباح .
تساءلت بيني وبين نفسي كثيراً: لماذا لا يوجد أي أثر لسكين شهريار؟
لم أستطع التكتم على هذه الحقيقة التي اعتبرتها مهمة جداً. فأخبرت صديقي بذلك. فأبدى هو الآخر استغراباً، إنما دون استغرابي قوة.
حيث إنّني قرأت " ألف ليلة وليلة " كثيراً، وكتباً ومقالات كثيرة تدور حولها، وإلى الآن، وبلغات شتى.
لقد كنت أتخيل شهرزاد وهي منهمكة بسرد حكاية لها كل ليلة، وعين لها على يد شهريار، التي لا بد أنها كانت تلامس السكين، والسكين تحت مخدته، أو ركبته، والحكاية هي التي كانت تحول دون التلويح المباشر بها، أو الدفع بها صوب رقبة شهرزاد .
من غير المعقول أن يقابل شهريار شهرزاد ولا تكون السكين في متناول يده، أو مخبأة في مكان مجاور لجلوسه .، أو حتى داخل طية من طيات ثوب له.
بالمقابل، لا بد أن شهرزاد، وكما قيل فيها، تعرف أن وجود السكين حقيقة واقعة، وتحسب لها ألف حساب، جرّاء تجارب سابقة واقعة .
لهذا، ما الذي غيَّب السكين عن المعرض، وهي أهم أداة وأفظع أداة دالة على شهريار ؟
المفارقة أن ليس هناك من إشارة إليها، من قبل كتبة " ألف ليلة وليلة " قديماً وحديثاً، ولم يُشَر إليها من قبل أي حكواتي أو راو ٍ، أو باحث في هذا الشأن؟
أتراهم تستروا ولا يزالون يتسترون على جريمة شهريار، حيث إن غالبيتهم، إن لم يكونوا جميعاً من جنسه: ذكوراً؟
هذا السؤال يستحيل تجاهله، لأنه العنصر الشاهد والأهم على جريمة ذبح النساء من قبل شهريار الطاغية!
تساءلت كثيراً: كيف يحدث نسيان أو تناسي حالة استثنائية كهذه؟ إن مشهد رؤية شهريار لا معنى له البتة دون إرفاقه بالسكين الخاصة تلك
ثمة أكثر من علامة استفهام حول هذه السكين الشهيرة التي تسمّي شهريارها أكثر مما يُسمّيها هو !
هذا الإلحاح الذاتي في السؤال والتساؤل حول مغزى غياب السكين في معرض شهريار، أو تغييبها بصورة أدق، دفعني إلى التشكيك بأن فكرة المعرض – أساساً- ما كان لها أن تقوم أو تتم، إلا من خلال تداولات كثيرة حول المعرض، أي نوعاً من تبرئة ساحة شهريار بالذات .
ما جعل شكي حقيقة مؤكَّدة، هو أنني، ومن باب تقصّي حقيقة كهذه، نوّهت إلى السكين هذه، مع أكثر من زائر إلى المعرض، حتى من النساء أنفسهن، وليس الرجال فحسب،فكانت النظرات المتجهمة تصدمني بسطوتها، وكأنها تستفظع سلوكي بعدائية جلية، وهي تبتعد عني بخطى متسارعة !
على أثرها تنامى شعور لدي بالنظر إلى الصورة التي اضم شهريار. إنه شهريار. خيّل إلي أنه ينظر إلي شذراً، بدا وجهه صورة طبق الأصل لوجوه الذين قدموا إلى المعرض، وهو يظهِر جسماً ناتئاً من بين إحدى طيات ثوبه الحريري.
شعوراً باختناق ما، تحركت نحو الخارج، مخافة أن أشير بيدي إلى السكين، فأصبح في موقف لا يُحسَد عليه!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى