موسى مليح - لا تصرخ، إنها تهمس....

* قصة مهداة لأصدقاء الطفولة وهم يلعبون بألعاب بعيدة كل البعد عن ألعاب أطفال اليوم.. ألعاب كلها حركة وتفكير وقيم ورجولة.. وصدفة رافق نشرها يوم ميلادي بدرب اشتوكة القصبة مراكش... شكرا لكل من قرأ النص قراءة تربط بين الأمس واليوم... أتمنى لكم جميعا متعة القراءة والتأويل:



وفي زمن الضجيج،
يصبح الهمس أكثر حضورًا وتأثيرًا."
موسى مليح


كعلالة الذئب
هل سألك أحدهم في طفولتك هذا السؤال:
"هل رأيت الذئب؟"
حتماً ستدرك أن الجواب عليه سيولّد سؤالاً جديداً. غير أن كل من حاول الإجابة عن السؤال الثاني، سرعان ما يتملّص منه بطرح السؤال الأول نفسه، فتظلّ اللعبة تدور في دائرة مغلقة.
لم يكن الوحيد الذي حاول إيقاف تكرار هذا السؤال العبثي:
"شفتي الذيب؟ شفتو... شفتي كعلالتو؟"
الجميع يقرّ بأنهم رأوا الذئب، لكن لا أحد يجرؤ على الجهر بأنه رأى كعلالته.
وحين صرخ طفل ذات يوم في وجه أقرانه:
"أرى الآن كعلالات الذئب، وليس كعلالة واحدة!"
قابلوه بالضرب على الرأس والقفا، وبالركل، وهم يضحكون ساخرين من كسره لمنطق اللعبة. لكن كلما كبر، كبرت وسائل العقاب، واختفت الضحكات البريئة المصاحبة للضرب.
انهال الناس عليه، بعد أن صار بالغاً، بكل ما أتيح لهم من وسائل القمع. وكانت أقساها تلك التي وُجِّهت إلى عينيه؛ العين المسؤولة أولاً عن التمييز بين الذئب وبين كعلالته.
وهو يجاهد لفتح عينيه، تذكّر قولاً للإسكندر المقدوني مخاطباً أحد قادته:
"أن تكون رأسًا لكلب، خير لك من أن تكون ذيلاً لأسد."
فتمسّك بكسر القاعدة:
"أرى كعلالات."
أدرك أولئك الذين يسعون إلى قتله دفاعاً عن الأعراف، أنه يمتلك سبع أرواح.
فتدخّل " أصحاب الحال" ، بحجة أن القانون يحمي المواطنين من "سلوك الغابة"، ونقلوه إلى المخفر "الآمن" للتحقيق.
قالوا له:
– لا زلت بريئًا... لكنك متهم.
التهمة: الإقرار برؤية كعلالة، بل كعلالات الذئب!
في المخفر، كان الصمت أكثر فتكاً من ضرب "الصالحين".
سجّلوا اسمه، ثم شطبوه من لائحة المواطنين الصالحين.
فهو الآن "مرصود"، لا لأنه قتل، بل لأنه رأى ما لا يُفترض أن يُرى.
أجلسوه على كرسي خشبي متآكل، ووضعوا أمامه ورقة بيضاء.
قال أحدهم، بلغة ناعمة كالمخالب:
– اكتب ما رأيت... ولكن بلغة لا تُزعج الذئب.
أجاب بصوت مبحوح:
– لا أحب إزعاج الآخر، لكن السؤال أزعجني كثيرًا.
كيف تحوّل سؤال مغلق إلى لعبة من المفترض أن تكون مفتوحة؟
قانون اللعب يرفض الاجترار!
قلت فقط: رأيت كعلالات الذئب، تتلوى خلفه وتمتص قوتها من فضلاته.
ردّ الآخر، مبتسمًا ابتسامة موظف أنهى حصته في لعبة الطاعة:
– يا صديقي، الذئب نراه، لكن المحظور أن نكشف ظله.
اعوجاج الظل لا يعني اعوجاج الذئب.
فعل الذيل القبيح لا علاقة له برأي الذئب المليح.
سكت قليلاً، ثم أضاف وهو يتصفح الملف:
– ما رأيته ليس دليلاً... هو رأي فقط. والرأي هنا جريمة، إذا خرج عن العرف.
طلب كأس ماء، فجاؤوه به ساخنًا.
طلب نوراً، فأطفأوا المصباح.
قال لهم:
– أنتم لا تحققون معي... أنتم تحاكمون رؤيتي!
قال كبيرهم، وهو يرتدي نظارة داكنة في غرفة بلا ضوء:
– لا أحد يُعاقَب على الرؤية، بل على الجهر بها.
الرؤية حرية داخلية، أما الكلام عنها فهو دعوة للفوضى!
أعادوه إلى زنزانته، وكتبوا في التقرير:
"المتهم اعترف برؤية ما لا يُرى. يُنصح بإحالته إلى لجنة التوازن البصري–السلوكي."
في زنزانته، لم ينم.
كانت القضبان مصنوعة من كعلالات كثيرة، وكل واحدة منها تشد أخرى في تقاطع غريب:
كعلالة سياسي، كعلالة إعلامي، كعلالة قانوني، كعلالة فقيه، كعلالة باترون...
وكعلالة ترقص على إيقاع الواحدة والنصف لحفظ التوازن الهندسي لقضبان الزنزانة.
ضحك في داخله وقال:
– لو أملك ريشةً وألواناً، لوضعت لكل كعلالة لوناً، ووسمتها بسِمة تميّزها عن غيرها.
وفي الفجر، سمع صوت الحارس يهمس لزميله:
– سيفقؤون عينيه... لأنه يرى في العتمة ما لا نراه نحن في الضوء.
ومنذ ذلك الحين، كلما سُئل أحدهم في السوق، أو الحي، أو في المقاهي:
– شفتي الذيب؟
يرد الناس سريعًا:
– شفتو... ولكن لا تسألني عن كعلالاتو.
فاختفى السؤال الثاني:
"شفتي كعلالتو؟"
وتوقفت اللعبة.
صاروا يراقبون ذيولاً تتحرك في الخفاء.. تَتَأَخْبَطُ بشكل ينتج طبقات من شحم خرساني سميك.
وعلى حائط مهجور، كُتب بخطٍّ عقود سمخي باهت ومتداخل :
"فخافت الذئاب من أن تأكل بعضها البعض،
فلونت ذيولها بألوان لها وميض قوس قزح...
ألوان شبحية لا تدركها العيون الشقيّة!"

موسى مليح

القصبة/مراكش
02/08/202‪5

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى