في حي كليوباترا لم يكن هناك من يجهل اسم مدموازيل شكرية، تلك السيدة التي دخلت الأربعين من عمرها بثقةٍ كأنها تدخل شرفة منزلها بخفةٍ لتسقي الورد والرياحين، لا تكترث كثيرًا للزمن، فابتسامتها وحدها كفيلةٌ بأن تضيء وجه حي كليوباترا كل صباح، تسكن مدموازيل شكرية عمارةً قديمةً من طرازٍ فرنسي، تطل على الترام وقريبةً من سوق زنانيري، شرفتها المطرزة بالحديد المزخرف تشهد كل صباحٍ طقسًا خاصًا؛ إذ تضع المدموازيل قطعة قماش دانتيل مطرزة يدويًا على الكرسي الخيزران، وتجلس بفستانها الأنيق ذي اللون الوردي الناعم، تشرب قهوتها ببطءٍ وهي تتابع حركة الترام الأزرق في شجن، ترقب حركة الناس وهي تتجه إلى سوق زنانيري.
زنانيري في تلك الأيام نهرٌ شعبي لا يتوقف عن الجريان؛ بائعو الخضار ينادون بصوتٍ يشبه الغناء لا ابتذال فيه، والنساء يتجادلن برقةٍ مصطنعةٍ على سعر الخضروات والفاكهة، شكرية، أو المدموازيل كما يُصرُّ الجميع على مناداتها، درست الفرنسية في مدرسة الراهبات، والدها المحامي المعروف ، حرص على تعليمها عزف البيانو والرسم وفنون التطريز، تعرضت مدموازيل شكرية لنكسةٍ عاطفيةٍ في صباها باعدت بينها وبين من أحبت، فاختارت أن تظلَّ عزباء حتى بعد رحيل والديها ، وتفرغت لتربية القطط وقراءة الروايات، وتهذيب النباتات في الشرفة، ينبهر أطفال الشارع من رائحة عطرها الجذاب، في يدها منديلٌ مطرزٌ بحرفي اسمها، يوم الجمعة تنزل شكرية إلى السوق تشتري بنفسها، تصافح الباعة الذين يختارون لها دائمًا أفضل بضاعة، وتمازح بائعة الجرجير التي تحلف أن شكرية وشَّها حلو على السوق، تمرُّ أمام محلات القماش تتلمس الأقمشة المطرزة وكأنها تلامس أيام صباها، للمدموازيل شكرية عادة لا تتغير، كل جمعة تقف أمام دكان أم رفاعي تطلب فلافل محشية في عيش بلدي سخن، تجلس في المقعد الخشبي الوحيد أمام المحل تأكل بهدوءٍ، وتربّت على قطٍ صغيرٍ يمرُّ بجوارها كل جمعةٍ، كأنه على موعدٍ معها، وذات يومٍ، وبينما الشمس تبسط نورها على شوارع كليوباترا المبللة بندى الصباح، وصلت رسالةٌ إلى صندوق بريد مدموازيل شكرية لا تحمل طابع بريدٍ، فتحتها فإذا هي مكتوبةٌ بخط يدٍ رجولي أنيقٍ لا تخطئه ذاكرتها مهما مرَّت السنوات، قرأتها بتروٍ، وفي قلبها ارتجافةٌ خفيةٌ من الماضي.
" مدموازيل شكرية..
هل ما زلتِ تذكرينني؟
ترددت ألف مرة قبل أن أكتب لك .
سأكون في الكازينو السبت القادم الساعة الخامسة، نفس المكان، إن لم تأتي، سأفهم أنك لا تريدين العودة. المخلص حسين"
ارتبكت، قرأت الرسالة مِرارًا، ثم وضعتها تحت الوسادة كما كانت تفعل في الصبا مع رسائل حسين المخبأة من والدها، وفي السبت الموعود ارتدت فستانًا زهريًا لم ترتده إلا مرة واحدة ، مشطت شعرها بعناية، وضعت قرط اللؤلؤ، وأحاطت رقبتها بعقد اللولي الذي ورثته عن أمها، وخرجت تمشي في شوارع كليوباترا مثل شابة في العشرين، تتلفت بخفة، تخفي في صدرها قلبًا يخفق على إيقاع رسالة، في الكازينو لم يكن هناك أحد، جلست تنتظر، وأمامها فنجان قهوة تبرد، بينما نبضها يُسرع، دخل رجلٌ خمسيني، طويلٌ، يحمل وسامةً قديمةً، اقترب ببطءٍ، وكأنه لا يصدق، وحين اقتربت نظراتهما حد التلامس قال:
- شكرية، لسه حلوة زي ما انتي.
ضحكت:
- وإنت لسه بتعرف تكذب زي زمان.
مرت لحظة صمتٍ، جلسا، بدآ الكلام، ولم يتوقف، ومنذ ذلك السبت، لم تعد شكرية تجلس وحدها في الشرفة، حسين يجلس بجوارها، يشربان القهوة معًا، يأكلان الفلافل المحشية كل جمعة في سوق زنانيري عند أم رفاعي ، من الشرفة يتبادلان النظرات كلما مرَّ الترام الذي شهد حبهما في الصبا، ورغم المسافات وسنوات السفر التي باعدت بينهما إلا أنهما الآن يعبران معًا نحو حب تأخر كثيرًا، لكنه جاء.
وفي سوق زنانيري الآن ينادونها بمدام شكرية
أما الأطفال، فقد استمروا في ندائها بمدموازيل شكرية لأنها في نظرهم لم تكبر يومًا.
زنانيري في تلك الأيام نهرٌ شعبي لا يتوقف عن الجريان؛ بائعو الخضار ينادون بصوتٍ يشبه الغناء لا ابتذال فيه، والنساء يتجادلن برقةٍ مصطنعةٍ على سعر الخضروات والفاكهة، شكرية، أو المدموازيل كما يُصرُّ الجميع على مناداتها، درست الفرنسية في مدرسة الراهبات، والدها المحامي المعروف ، حرص على تعليمها عزف البيانو والرسم وفنون التطريز، تعرضت مدموازيل شكرية لنكسةٍ عاطفيةٍ في صباها باعدت بينها وبين من أحبت، فاختارت أن تظلَّ عزباء حتى بعد رحيل والديها ، وتفرغت لتربية القطط وقراءة الروايات، وتهذيب النباتات في الشرفة، ينبهر أطفال الشارع من رائحة عطرها الجذاب، في يدها منديلٌ مطرزٌ بحرفي اسمها، يوم الجمعة تنزل شكرية إلى السوق تشتري بنفسها، تصافح الباعة الذين يختارون لها دائمًا أفضل بضاعة، وتمازح بائعة الجرجير التي تحلف أن شكرية وشَّها حلو على السوق، تمرُّ أمام محلات القماش تتلمس الأقمشة المطرزة وكأنها تلامس أيام صباها، للمدموازيل شكرية عادة لا تتغير، كل جمعة تقف أمام دكان أم رفاعي تطلب فلافل محشية في عيش بلدي سخن، تجلس في المقعد الخشبي الوحيد أمام المحل تأكل بهدوءٍ، وتربّت على قطٍ صغيرٍ يمرُّ بجوارها كل جمعةٍ، كأنه على موعدٍ معها، وذات يومٍ، وبينما الشمس تبسط نورها على شوارع كليوباترا المبللة بندى الصباح، وصلت رسالةٌ إلى صندوق بريد مدموازيل شكرية لا تحمل طابع بريدٍ، فتحتها فإذا هي مكتوبةٌ بخط يدٍ رجولي أنيقٍ لا تخطئه ذاكرتها مهما مرَّت السنوات، قرأتها بتروٍ، وفي قلبها ارتجافةٌ خفيةٌ من الماضي.
" مدموازيل شكرية..
هل ما زلتِ تذكرينني؟
ترددت ألف مرة قبل أن أكتب لك .
سأكون في الكازينو السبت القادم الساعة الخامسة، نفس المكان، إن لم تأتي، سأفهم أنك لا تريدين العودة. المخلص حسين"
ارتبكت، قرأت الرسالة مِرارًا، ثم وضعتها تحت الوسادة كما كانت تفعل في الصبا مع رسائل حسين المخبأة من والدها، وفي السبت الموعود ارتدت فستانًا زهريًا لم ترتده إلا مرة واحدة ، مشطت شعرها بعناية، وضعت قرط اللؤلؤ، وأحاطت رقبتها بعقد اللولي الذي ورثته عن أمها، وخرجت تمشي في شوارع كليوباترا مثل شابة في العشرين، تتلفت بخفة، تخفي في صدرها قلبًا يخفق على إيقاع رسالة، في الكازينو لم يكن هناك أحد، جلست تنتظر، وأمامها فنجان قهوة تبرد، بينما نبضها يُسرع، دخل رجلٌ خمسيني، طويلٌ، يحمل وسامةً قديمةً، اقترب ببطءٍ، وكأنه لا يصدق، وحين اقتربت نظراتهما حد التلامس قال:
- شكرية، لسه حلوة زي ما انتي.
ضحكت:
- وإنت لسه بتعرف تكذب زي زمان.
مرت لحظة صمتٍ، جلسا، بدآ الكلام، ولم يتوقف، ومنذ ذلك السبت، لم تعد شكرية تجلس وحدها في الشرفة، حسين يجلس بجوارها، يشربان القهوة معًا، يأكلان الفلافل المحشية كل جمعة في سوق زنانيري عند أم رفاعي ، من الشرفة يتبادلان النظرات كلما مرَّ الترام الذي شهد حبهما في الصبا، ورغم المسافات وسنوات السفر التي باعدت بينهما إلا أنهما الآن يعبران معًا نحو حب تأخر كثيرًا، لكنه جاء.
وفي سوق زنانيري الآن ينادونها بمدام شكرية
أما الأطفال، فقد استمروا في ندائها بمدموازيل شكرية لأنها في نظرهم لم تكبر يومًا.