دائماً تبحث الفراشات عن الروائح العطرة؛وتقتات من العُشب المزهر أو ربما تجدها أحياناً بالبيوت بحثاً عن أماكن ترتاح فيها….
الحي الراقي ..
بالمطعم الكبير الذي يرتاده من يْطلق عليهم علية القوم تصل إحدى تلك الفراشات باكراً عن الأخريات.. إذ لم تنم كما ليالي كثيرة سابقة من كثرة مافي العقل من مشاغل؛ومافي القلب من هموم .. فصاحب العمارة المتهالكة التي تقطن مع أمها واخوتها بأحد بيوتها المتصدعة بالحي الفقير يطالب بزيادة الأجرة اضعاف اضعاف مستنداً على القانون الجديد ؛وهاهي تقف كمثل زميلاتها المتناثرات كالفراشات الحائرات بالمطعم الكبير للخدمة على رواده ؛وبينما همّ منغمسون في عملهم الشاق بترتيب الطاولات المختلفة ووضع ما لذ وطاب ينغمس أيضاً رواد المطعم فيما تشتهي الأنفس من الطعام والشراب الذي وضع أمامهم على الطاولات الفخمة والمنتشرة هنا وهناك .
لتقف زهرة بمسافة لائقة مع زميلة أخرى أمام الطاولة التي اشرفوا عليها ربما يطلب احد الرواد أي خدمة أخرى .. ثم يشدها حديث إحدى السيدات الطاعنات في السن ؛ والتي يبدو أن أقاربها دعوها معهم للمطعم الراقي كي تنسى مابها من آسى أو تتناسى ما ترويه عن إجحاف قانون الإيجار الجديد لها ؛ولأمثالها ممن جار عليهم الزمن ؛وصاروا بفعل تقلبات الحياة ؛والغلاء الفاحش يعيشون بالكاد ؛ولم يعد المعاش يوفي كما كان !
ولأول مرة تشعر أنها كانت مخطئة في أن تأخذ الناس بمظاهرهم ..فتعود لأرض الواقع ، وتنظر بعين مختلفة لرواد المطعم .
بالحقيقة لم تفكر زهرة من قبل في جوعها ولا في تعبها ولم تطمع فيما ليس في استطاعتها .
فلّا رأت نفسها يوماً ترتدي مثل هذا الرداء الذي ترتديه الفتاة الجميلة الجالسة على الطاولة تداعب شاب بمثل عمرها وواضح أنه زوجها من خاتم الزواج الذي يزين يدها التي لم تمتد إليها خشونة الأيام
فلم تعد زهرة تشتاق لأيام ندية بعدما تيقنت أن وراءها ماهو أهم من مشاعرها التي أوصدتها من بعد قصة حُب فاشلة من أحد ابناء حيها المستهترين المخادعين؛والذي خانها مع اول طرقة على باب شهواته من عجوز متصابية!
ولاتدري مالذي اخذها ؛وخطفها الآن على جناح الماضي القريب وراحت تفكر في وقفتها التي طالت عمّرها كله ،ولم ترحمه ! بل ظلت تلتهم جسدها النحيل ،وساعات يومها المكبل بالحمل الثقيل.
ليذكرها حالها هذا بمدرستها الواقعة بحيهم الفقير ؛ويذكرها وجه احد رواد المطعم بمُدرس العلوم الذي كان يعاقبها بالوقوف طوال الحصة إذا همست بحرف واحد أثناء شرحه للدرس .
تبتسم ابتسامة ساخرة من الأيام وتتذكر أنها كانت ثرثارة تحب الكلام واستاذها يحب أن يتفنن في تعذيبها بالعقاب وقوفاً رافعة يديها ووجهها للحائط أو أنها أحياناً كانت تبقى على هذا الوضع خارج الفصل ، ولايهمه أن تخترق جسدها النحيل شمس صيف حامية أو أن تجمد اطرافها برودة شتاء قارص ؛ والويل لها لو أنه لمحها تستند على الحائط سواء داخل الفصل أو خارجه .
ينبهها الوقوف آنّه شيئا فشيئا صار السبيل الوحيد الذي تكشر به الدنيا لها عن أنيابها ؛ وبخاصة منذ وفاة والدها العامل البسيط والذي كان يشبعهم رغم ضيق اليد .
تفيق على أن زميلتها تركلها بقدمها فقد انتهت إحدى العائلات من تناول الطعام والشراب،وأنه قد حان وقت انتشار الفراشات لتنظيف تلك الطاولة وتهيئتها لاستقبال رواد آخرين،
وكذلك كان الأمر بالنسبة لطاولات أخرى وزملاء وزميلات اخرين ..
ينتهي يوم العمل بهم جميعا على ذات الضغط الذي لايحتمل على أقدامهم؛ وعلى ذات الشقاء والوهن .
تخلع زهرة رداء المطعم ،وترتدي رداءها المتواضع.. ثم تنظر لوجهها الرقيق الشاحب بمرآة حمام المطعم ،وتشعر أن العمر يجري بها على اعتاب ال ٣٠ وتتذكر نظرات شفقة أمها عليها من أن تبور !
وقبل أن تمضي تتذكر أن تأخذ الوجبة اليومية التي تفضل أن تأكلها مع أمها واخوتها .
على جانب الطريق ..
وكما كل يوم يقف الباص المتهالك الذي تستقله مع زميلاتها وزملائها،وشيئاً فشيئا تختفي من أمام عيونهم الأضواء المبهرة والروائح العطرة للناس ؛ وتختفي أيضاً لذة الشعور بنسمات الهواء المنعشة ؛وتظهر الحقيقة المؤلمة كما كل ذهاب وعودة أثناء اهتزازهم بشدة مع اهتزاز الباص على الأرض المتكسرة ؛والمفتوحة على مصراعيها دائماً لعمل إصلاحات لاتنتهي بفعل فساد موظفين حيهم ،وفجأة يسقط الباص بمن بقي فيه ؛ومابين صرخات ألم ، وصحوة باكية ، وغفوة تريد أن تطول يحاول أحدهم أن ينقذها من بين الهوة السحيقة وعجلات الباص ؛ وبالفعل يلتقطتها بأعجوبة.. فتقف لبرهة من الزمن على اقدامها الضعيفة المتكسرة؛ وبالعين دمعة لازالت تأبى السقوط!
لتمد زهرة ذراعها النحيل بكل ما اوتيت من قوة وتعطي حقيبتها الصغيرة التي تشبثت بها لهذا الرجُل موصية إياه أن يذهب لعنوانها المدون بالبطاقة ؛ ويعتذر لأمها .. لأنها لن تستطيع أن تحضر لهم وجبة الطعام الشهي أو أن تأكلها معهم هذه الليلة ؛ وكذلك يبلغها أنها لن تستطيع أن توفي !
جيهان جمال / مصر
الحي الراقي ..
بالمطعم الكبير الذي يرتاده من يْطلق عليهم علية القوم تصل إحدى تلك الفراشات باكراً عن الأخريات.. إذ لم تنم كما ليالي كثيرة سابقة من كثرة مافي العقل من مشاغل؛ومافي القلب من هموم .. فصاحب العمارة المتهالكة التي تقطن مع أمها واخوتها بأحد بيوتها المتصدعة بالحي الفقير يطالب بزيادة الأجرة اضعاف اضعاف مستنداً على القانون الجديد ؛وهاهي تقف كمثل زميلاتها المتناثرات كالفراشات الحائرات بالمطعم الكبير للخدمة على رواده ؛وبينما همّ منغمسون في عملهم الشاق بترتيب الطاولات المختلفة ووضع ما لذ وطاب ينغمس أيضاً رواد المطعم فيما تشتهي الأنفس من الطعام والشراب الذي وضع أمامهم على الطاولات الفخمة والمنتشرة هنا وهناك .
لتقف زهرة بمسافة لائقة مع زميلة أخرى أمام الطاولة التي اشرفوا عليها ربما يطلب احد الرواد أي خدمة أخرى .. ثم يشدها حديث إحدى السيدات الطاعنات في السن ؛ والتي يبدو أن أقاربها دعوها معهم للمطعم الراقي كي تنسى مابها من آسى أو تتناسى ما ترويه عن إجحاف قانون الإيجار الجديد لها ؛ولأمثالها ممن جار عليهم الزمن ؛وصاروا بفعل تقلبات الحياة ؛والغلاء الفاحش يعيشون بالكاد ؛ولم يعد المعاش يوفي كما كان !
ولأول مرة تشعر أنها كانت مخطئة في أن تأخذ الناس بمظاهرهم ..فتعود لأرض الواقع ، وتنظر بعين مختلفة لرواد المطعم .
بالحقيقة لم تفكر زهرة من قبل في جوعها ولا في تعبها ولم تطمع فيما ليس في استطاعتها .
فلّا رأت نفسها يوماً ترتدي مثل هذا الرداء الذي ترتديه الفتاة الجميلة الجالسة على الطاولة تداعب شاب بمثل عمرها وواضح أنه زوجها من خاتم الزواج الذي يزين يدها التي لم تمتد إليها خشونة الأيام
فلم تعد زهرة تشتاق لأيام ندية بعدما تيقنت أن وراءها ماهو أهم من مشاعرها التي أوصدتها من بعد قصة حُب فاشلة من أحد ابناء حيها المستهترين المخادعين؛والذي خانها مع اول طرقة على باب شهواته من عجوز متصابية!
ولاتدري مالذي اخذها ؛وخطفها الآن على جناح الماضي القريب وراحت تفكر في وقفتها التي طالت عمّرها كله ،ولم ترحمه ! بل ظلت تلتهم جسدها النحيل ،وساعات يومها المكبل بالحمل الثقيل.
ليذكرها حالها هذا بمدرستها الواقعة بحيهم الفقير ؛ويذكرها وجه احد رواد المطعم بمُدرس العلوم الذي كان يعاقبها بالوقوف طوال الحصة إذا همست بحرف واحد أثناء شرحه للدرس .
تبتسم ابتسامة ساخرة من الأيام وتتذكر أنها كانت ثرثارة تحب الكلام واستاذها يحب أن يتفنن في تعذيبها بالعقاب وقوفاً رافعة يديها ووجهها للحائط أو أنها أحياناً كانت تبقى على هذا الوضع خارج الفصل ، ولايهمه أن تخترق جسدها النحيل شمس صيف حامية أو أن تجمد اطرافها برودة شتاء قارص ؛ والويل لها لو أنه لمحها تستند على الحائط سواء داخل الفصل أو خارجه .
ينبهها الوقوف آنّه شيئا فشيئا صار السبيل الوحيد الذي تكشر به الدنيا لها عن أنيابها ؛ وبخاصة منذ وفاة والدها العامل البسيط والذي كان يشبعهم رغم ضيق اليد .
تفيق على أن زميلتها تركلها بقدمها فقد انتهت إحدى العائلات من تناول الطعام والشراب،وأنه قد حان وقت انتشار الفراشات لتنظيف تلك الطاولة وتهيئتها لاستقبال رواد آخرين،
وكذلك كان الأمر بالنسبة لطاولات أخرى وزملاء وزميلات اخرين ..
ينتهي يوم العمل بهم جميعا على ذات الضغط الذي لايحتمل على أقدامهم؛ وعلى ذات الشقاء والوهن .
تخلع زهرة رداء المطعم ،وترتدي رداءها المتواضع.. ثم تنظر لوجهها الرقيق الشاحب بمرآة حمام المطعم ،وتشعر أن العمر يجري بها على اعتاب ال ٣٠ وتتذكر نظرات شفقة أمها عليها من أن تبور !
وقبل أن تمضي تتذكر أن تأخذ الوجبة اليومية التي تفضل أن تأكلها مع أمها واخوتها .
على جانب الطريق ..
وكما كل يوم يقف الباص المتهالك الذي تستقله مع زميلاتها وزملائها،وشيئاً فشيئا تختفي من أمام عيونهم الأضواء المبهرة والروائح العطرة للناس ؛ وتختفي أيضاً لذة الشعور بنسمات الهواء المنعشة ؛وتظهر الحقيقة المؤلمة كما كل ذهاب وعودة أثناء اهتزازهم بشدة مع اهتزاز الباص على الأرض المتكسرة ؛والمفتوحة على مصراعيها دائماً لعمل إصلاحات لاتنتهي بفعل فساد موظفين حيهم ،وفجأة يسقط الباص بمن بقي فيه ؛ومابين صرخات ألم ، وصحوة باكية ، وغفوة تريد أن تطول يحاول أحدهم أن ينقذها من بين الهوة السحيقة وعجلات الباص ؛ وبالفعل يلتقطتها بأعجوبة.. فتقف لبرهة من الزمن على اقدامها الضعيفة المتكسرة؛ وبالعين دمعة لازالت تأبى السقوط!
لتمد زهرة ذراعها النحيل بكل ما اوتيت من قوة وتعطي حقيبتها الصغيرة التي تشبثت بها لهذا الرجُل موصية إياه أن يذهب لعنوانها المدون بالبطاقة ؛ ويعتذر لأمها .. لأنها لن تستطيع أن تحضر لهم وجبة الطعام الشهي أو أن تأكلها معهم هذه الليلة ؛ وكذلك يبلغها أنها لن تستطيع أن توفي !
جيهان جمال / مصر