جيهان جمال - إيكاريا... قصة

العام - ٢٠٢٣

يكفيك أن تلمح تلك “التراسينات”، كما كان اسمها في الزمن الذي مضى، كي تشعر أن الحكايا هنا لا تزال تحمل قدراً لا بأس به من عبق زمانهم، وأن من بين هؤلاء الناس من لا يزال يحِن لتلك الأيام التي كان فيها معظم أهل المدينة يفتحون للجميع قلوبهم قبل أبوابهم.

فتلك العمارة ذات الطراز الأوروبي القديم، مكونة من ثلاث طوابق، وبكل طابق ثلاثة منازل تبدو وكأنها بكل صباح ومساء تطرح أفراحها وأحزانها في قلب البحر…
ولِمَا لا؟!
أليس “البحر” هو الرفيق الأمين على كل قلوب أهل تلك المدينة مهما تنازع البعض أحيانًا، وتآلف منهم بصدق الكثيرون، الذين لا يزالون يقفون على أقدام ثابتة لا تقبل الركوع؟

وها هم أصدقاء وجيران الزمن الجميل، قدر ما فعل كل منهم ما بوسعه بالحياة، قدر ما أرهقتهم تفاصيل الحكايا أحيانًا، وأراحتهم أحيانًا أخرى.

بيت يحيى المصري
ظل حال دكتور يحيى كما حال صديقيه بيتر أناتولي، خريج الفلسفة، وإبراهيم سعيد، أستاذ التاريخ.
فهما يشبهانه إلى حد كبير، إذ تجدهم من ذلك الجيل الذي فضل أخذ المسافة اللائقة والبعد عن ثقافة الزحام التي خنقت رئة الحياة.

لذا ستجدهم يئتنسون ببيوتهم، ويتكئون بحنين على مقاعدهم الخشبية المواجهة لشاطئ البحر، والملاصقة لحوائط شرفاتهم.

يحاول “يحيى” دائمًا أن يبقي على تلك الابتسامة الودودة التي لا يزال يداعب بها قلب زوجته أمينة، دكتورة علم الاجتماع.
لكن طبع الدنيا الدائم، الذي يلقي بالأحمال على أكتاف البشر، لم يتركهم وحالهم، فنالهم من الأحمال أثقلها على قلب أي أب وأم.

ففي هذه المرحلة من عمرهما، ستجد أنه ليس بالأمر الهين حرمانهما المتعمد من ابنتهما وبناتهَا بحجج واهية يفتعلها زوجها؛ وهو الباحث الأكاديمي في إحدى مؤسسات حقوق الإنسان، ورغم ذلك لا يعترف بحقهم المفتقد في الونس بابنتهم وأحفادهم.

ولم يقتصر الأمر عند تلك اللوعة فقط، بل ازداد الحمل بقلقهم الدائم على تواجدها بالغربة مع هذا الزوج متشدد الطبع، والذي لم يُبصر مدى صبرهما عليه، وعلى مشاكله المفتعلة التي بلغت ذروتها.

بيت بيتر
لا تزال بيته يحافظ على أن تكون دقات التاسعة مساءً موعدًا للعشاء، وها هي “أنيسكا” تدندن بصوتها العذب على أضواء الشموع، غير مبالية بما يحدث بشكل يومي من انقطاع للتيار الكهربائي، سواء بهذا العام أو بسابقه.

فلم تُغير خشونة هذه الأيام شيئًا من نعومة تفاصيل الروح المطمئنة أن نعم الله دائمة لا تنقطع، وأن حبل الوداد موصول بينها وبين بيتر.

فهو لا يزال حبيبها الذي يأتيها بالورود التي تسعدها، وهي تضعها بعناية في تلك المزهرية الأنيقة التي كانت أول هداياه لها.

يقف بشرفة بيتهم الصغير، الذي عاش فيه مع والديه أجمل وأسعد الأيام، ثم يترك الشرفة ويتجول بالبيت الذي يراه بعد سنوات كثيرة لا يزال يحافظ على الكثير مما كان عليه، فلم يتغير به سوى لمسات بسيطة أضافتها أنيسكا، زوجته مدرسة اللغة الإنجليزية، أرمنية الأصل، قاهرية المولد.

فمعظم ما هنا من أثاث وألوان كان ولا يزال يُحاكي زمنًا راقيًا بناسه، لكنه مضى، ولا يعلم بيتر كيف مضى به ذاك الزمن، وتركه دون استئذان، والمدهش أنه لم يُخبره عن أي موعد للعودة!

ورغم الضيق الذي يطرأ على القلب أحيانًا، إلا أنه ارتاح للأمر الذي لم يأخذ منه الكثير من التفكير، قدر ما أخذ الكثير من نبض قلب العمر؛ ومضى دون لحظة ندم على تلك الوحدة التي قرر منذ سنوات أن تصير رفيقه الأغلى. فلم يعد هنا أحد يبقي على غالي إلا القليلون ممن يحيط سياج قلبه بهم، لذا ستجده، من بعد عودته من متجره، لا يفتح باب بيته إلا للضرورة القصوى، أولجاره، وصديقيه الأعزاء.

بيت إبراهيم
يغلق هاتفه في محاولة للهروب المؤقت، بعدما اطمأن أن الأمن استتب في بيت أخته. فمشاكلها مع زوجها وأولادهم لا تنتهي إلا بتدخله السريع، ومن ثم تهيئته للأجواء لحين إشعار آخر باندلاع حرب جديدة.

وحقيقة الأمر أنه شخصيًا فيه ما فيه من حمل مشاكل أولاده الثلاثة!
فالأكبر صار معضلته الكبيرة، إذ تغير بشكل مفاجئ، وصارت الهوة بينهما تؤلمه، وبخاصة حين اكتشف أن هناك من استولى على عقله وبث فيه سمومًا لا تعرف قواعد الدين السمح المعتدل التي تربى عليها.

فبات يكفر الكثيرين، وعلى رأسهم أناتولي، عِشرة العمر الطيب، والصديق الصدوق، والشريك النزيه بمتجر التحف الذي ورثه إبراهيم وأخته الوحيدة عن والدهما، بعدما اشتراه بعد بلوغه سن التقاعد من أناتولي والد بيتر.

ومن الجميل أن المتجر ظل محتفظًا بذات الاسم “إيكاريا” نسبة إلى جزيرة إيكاريا موطنهم الأصلي، ثم أضاف والد إبراهيم اسمه ليصير اسم المتجر “إيكاريا سعيد”.

وهكذا بقي المتجر القائم منذ أواخر خمسينيات الألفية الماضية بأطراف المدينة، بجوار متجر آخر لبيع الورود يُحاكي أهل المدينة والزائرين.
ظل يحمل بين طيات روحه تفاصيل ملامح صاحبيه وملامح أهل جزيرته باليونان، لذلك لم يترك أحدهما هنا، وفي ذات الوقت لم تنقطع زيارات كليهما لهناك.

على طاولة العشاء
يتناول إبراهيم العشاء مع أدونيس، ويشرد قليلاً، كأنه يرى الماضي الجميل لعشرة أهل تلك الأرض الطيبة التي كانت ولا تزال بالنسبة له ولهم أول موطئ قدم.

ينظر لعينيها ليعود بذاكرة القلب لإحدى زياراته لليونان التي لم يفلت من الوقوع في غرام جزيرتها “إيكاريا”، كما كان وقوع بيتر بغرام المدينة. فكلاهما في الأصل جزيرة ولدت من رحم البحر المتوسط.

التقى إبراهيم بالجميلة أدونيس، دارسة الحقوق آنذاك، أثناء الرحلة البحرية التي اصطحبه فيها بيتر من العاصمة “أثينا”. وتمتد ساعات ميلاد الحب بينه وبينها لتسع ساعات كانت وقت الرحلة على متن عبارة تقطع بحر “إيجة”، ليقرر من بعد ذلك أن يتزوجها.

وهكذا، بمرور السنوات، ظلت أوقات الحب موصولة بينهما، كما ظلت الرحلات لا تخلو من عمل جاد اعتادا عليه الصديقان. فلا مانع من استيراد “التحف” من إيكاريا التي أحب أهل مدينة إبراهيم أن يقتنوا تحفها لأنها ذات جودة عالية ورسومات بديعة وراقية.

لم ينكر إبراهيم يومًا حبه لجزيرة إيكاريا، وتأثره بالكثيرين من أهلها، وبخاصة جدة زوجته التي تذكره بجدته، فكلما تقدمت بالعمر أقبلت أكثر على عملها بحياكة الملابس المطرزة… حتى أنه لم ينسَ إلى الآن قولها:
“امتلك شغفك بتلك الحياة، واعمل ما تحب لآخر لحظات عمرك.”

وكما يعتز يحيى، رفيق صديقه المهاجر، بحضارتهم المصرية الفرعونية وجذورهم الضاربة في أرض التاريخ مهما بلغت الأزمات ذروتها في مصر، يعتز كذلك إبراهيم وبيتر بمولدهما في مصر.

ورغم ما تعانيه اليونان من أزمات اقتصادية وصلت لإعلانها الإفلاس في العامين الماضيين، إلا أن أناتولي لا يزال يعتز بحضارته الإغريقية.

أثناء مرور إحدى الجنازات
ومن أمام المتجر تمر دوماً الجنازات، ولا ينسى بيتر أن يُذكر إبراهيم بوصيته، فيما مازحه إبراهيم قائلاً:
• “صحيح الأعمار بيد الله يا خويا يا بيتر، لكن جيناتك بتقول إنك ما شاء الله من معمرين إيكاريا، وعارف إنك يا خواجة هتوصلني للتربة.”
• “ربنا يجعل يومي قبل يومك يا إبراهيم، ويخليك لأولادك.”

وافتكر دايمًا وصيتي إنك تزورني يوم الأحد من كل أسبوع، ثم يضحك معه فيذكره بالمسافة القصيرة التي تقطع بين المتجر والمدافن بأغنية حكيم:
“بيني وبينك خطوة ونص”

فيملأ الضحك جنبات المكان، وبخاصة لو كان يحيى جالسًا بينهما فيذوبون جميعًا بين ضحكات قلوبهم الصافية كصفو صباح سماء وبحر المدينة.

بيت بيتر
كثيرًا ما يراه يأخذه الحنين لتلك الليالي التي كان ينافسه إبراهيم في حب المطرب اليوناني “ديميس روسوس” وأغنيته الأشهر Far Away.
أو تجده كهذه الليلة، ومن بعد عناء يوم عمل طويل، يروق له الاستمتاع بأروع ما تغنت به كوكب الشرق أم كلثوم، ويتمايل مع كلمات “فكروني” فيرددها بقلبه قبل لسانه، وتتمايل أنيسكا طربًا أثناء تجهيزها لعشائهما.

وقبل أن يذهب لينام، اعتاد بيتر أن ينظر لمكتبته، ولكتب الفلسفة التي عشقها ودرسها، وربما يأخذ كتابًا من بين تلك الكتب في يده لينام بين سطوره… ظلت القراءة سلوته، ومعلمه كي ينفض عن كاهله عبء فترات قاسية عاشها مع من كان يعتبرهم أخوة… لكنهم للأسف خنعوا لزمن سفيه فرض نفسه عنوة.

لتتكرر مواقف عبثية متطرفة كانت بالبدايات مستترة بعيون البعض، ثم ما لبثت أن تكشفت وأطلقت العنان لبعض النفوس المريضة التي لم تستطع السيطرة على ما في القلوب من ضغينة.

فالأمر في الحقيقة اختلف كثيرًا، ولم تعد الدنيا مسالمة كما عهدها، أو يتعامل أهلها بصحيح الدين كما علمه والده، الذي زرع بوجدانه أن الدين لله، والوطن للجميع.

العام - ١٩٣٠
منذ ثلاثينيات الألفية الماضية، جاء الكثيرون من الأجانب من مختلف بقاع الأرض، ومن بينهم الأجداد الذين أتوا من جزيرة “إيكاريا” باليونان، وعاشوا هنا على ساحل البحر حياة هادئة كما حال جزيرتهم.
ومصحوبة بالأمان بين هؤلاء الأهالي الذين يشبهونهم كثيرًا، إذ كان يكفيهم ويسعد قلوبهم نسمة هواء صافية على شاطئ البحر، وطهي الأسماك الطازجة بمنازلهم، وأكل الحلوى والفواكه والخضراوات التي كانوا يتبادلونها بكرم وفير مع غيرهم من الجيران والأصدقاء سواء كانوا منهم أو من الأجانب.

العام ١٩٤٨

تمر السنوات والجميع إلى حدٍ كبير متعايش في رغد الخيرات وهدوء الأجواء، إذ كانت طبيعة الأهل السمحة هي الغالبة. وعلى الرغم من توق جموع المصريين إلى الاستقلال والسعي إليه، إلا أن معظمهم اعتز بعشرة هؤلاء الطيبين من الأجانب الذين لم يكن من بينهم من يريد أن يقتلع أصحاب الأرض من جذورهم ويأخذ مكانهم عنوة، كما كان ولا يزال يحدث من الصهاينة منذ العام ٤٨ إلى الآن على أرض فلسطين.

العام ١٩٥٥

ولأن سنة الحياة فراق، ستجد أنه قد فارق من الأجانب من فارق بصعود الروح إلى أمر ربها، وبقيت الرفات بمقابر لازالت تخصهم على تلك الأرض.

وعاد منهم من عاد إلى موطنه الأصلي، كمثل معظم عائلة أناتولي التي كانت عودتهم إلى جزيرة إيكاريا ببدايات ومنتصف خمسينيات الألفية الماضية. فباعت العائلة المخبز الذي كانوا يمتلكونه، ليبقى منهم الإبن الأصغر أناتولي.

بتلك الأثناء تزوج أناتولي من ريتا المصرية الأصل، لذلك فضل البقاء، ولم يندم لأنه لم يشعر بأي وحدة أو غربة، على الرغم من أن موطنه الأصلي جزيرة إيكاريا باليونان.

فرح أناتولي بمولد ابنه بيتر من زوجته المصرية، فصارت مصر وطنه الذي يعتز به كما اعتزازه باليونان، وكذلك كان اعتزازه على الدوام بجيرة وصداقة والد إبراهيم الذي كان يعمل في الشركة التي تخصصت في استخراج ومعالجة وإنتاج الملح، وكذلك جيرة وصداقة ضابط الشرطة والد يحيى.

العام ١٩٦٧

مرت السنوات هادئة سعيدة مع أناتولي وزوجته وابنهما حتى جاءت نكسة حرب ١٩٦٧، وبدلاً من أن يعود بأسرته لأهله بجزيرته باليونان، ويبعد عن قلق الحروب بالمنطقة، تمسك بألا يترك مصر والمصريين، وفضل التهجير إلى القاهرة مع أسرة زوجته، ولم ينقطع التواصل بينه وبين جيرانه وأصدقائه الذين تهجروا أيضًا إلى مدن أهاليهم.

العام ١٩٧٣

أنهى الابن بيتر دراسته الجامعية، وعاد وأصدقاءه وهم يشعرون بفخر الانتصار على الصهاينة.

ثم تزوج بيتر، وتمر به السنوات هانئة، ولم يأخذ من صفوها أنه وزوجته لم يرزقا بأولاد، فقد صار أولاد صديقيه إبراهيم ويحيى أولادهما، وكذلك أولاد عائلته لأمه، وعائلة زوجته.

إلى أن حدث التغير فانقلب عليهما بلا أي سبب، أحد أبناء العائلة، كما انقلاب ابن إبراهيم الأكبر. وشيئًا فشيئًا بدت الرؤية في الأفق ضبابية مشوشة، ورغم ذلك ستجد أن بيتر لا زال يحب ناس المدينة، والأرض، والشمس والهواء، رغم افتقاده كمثل الكثيرين هنا لرؤية التفاصيل الدقيقة بوضوح، وتغير النفوس.

فصار كل ما يدركه بمرور السنوات أنه لم يتبق له من رائحة الزمن الجميل سوى القليلين من العائلة وأصدقائه.

أحد الأيام…

دقات قاسية على الأبواب حملتها محاضر طرد من منازلهم القاطنة بالعمارة ذات الطراز المتميز والتي تتوسط المدينة، ويسكن بها بيتر ويحيى وإبراهيم، لرغبة الورثة ببيع العقار.

ثم من بعد الصدمة الأولى، قرروا ألا يلقوا بالًا لهذا الأمر، وعليهم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وعلى الرغم من علمهم أنهم وقعوا بين أنياب من لا يرحم، والذي استطاع أن يجعل باقي السكان يتركون منازلهم راحلين لضيق ذات اليد، بعد أن قبضوا الثمن البخس، إلا أنهم قبلوا التحدي، وفي سباق مع الزمن بدأ سعيهم لإدراج العمارة ذات الطراز المعماري المتميز ضمن المباني الأثرية للمدينة.

مساء مختلف..

من أمام متجر التحف، أتى هذا المساء مختلفًا، رغم الأضواء الجديدة المتلألئة بامتداد الأرصفة المتقابلة والممتدة حتى نهايات أطراف المدينة.

ففي البدايات، وعلى امتداد الرصيف الذي به متجر التحف، اصطف الشباب الذين من بينهم من يحاول الحصول على لقمة عيش نظيفة وآمنة عبر عربات حملوها بالمشروبات الساخنة والباردة، وافترشوا خلفها وأمامها المقاعد والطاولات.

ربما نال الأمر الاستحسان من بعض الأهالي وأصحاب المحال الذين اعتبروا أن تقبلهم لعربات الشباب واجب لمساعدتهم، لكن هذا لا يمنع الخوف والتوجس من بعض أمور سيئة لا يحمد عقباها.

ثم شيئًا فشيئًا يأتي المشهد الفج بتزايد الصخب المصاحب للأضواء، والتي صارت غير لائقة، من بعد اصطفاف آخرين بالجهة المقابلة بمثل تلك العربات.

وهكذا صار المكان الذي ظل ذو أثر وعظة تعمقت بالنفوس على مدار أجيال وأجيال أشبه بملهاة، جعلت الكثيرين يتباكون من فرط التهاون وتلاشي القيمة… وانهارت الثوابت.

٧- أكتوبر ٢٠٢٣
على شاطئ البحر…

يستدعي صاحبيه كي يعودوا معًا لرفقة فطور الأهل، وونس اللحظات، وعلى ذات الرمال التي عشقوا حباتها منذ كانوا صبية صغار.

يفرد الطاولة الخشبية بمساعدة صاحب العمر، وصاحب المكان.

وبشوق جارف يضع طبق أم الخلول المملحة الطازجة التي عز تواجدها، وصارت من أساطير الحكاوي والحواديت بعدما تناستها البيوت، وعزفت عنها الأجيال جيلًا من بعد جيل.

وبأنفاس دافئة يشم رائحة العيش البلدي الصابح، ويضع لجواره أطباق الجبن الأبيض والجبن الرومي. أما عن طبق البيض بالبسطرمة، فإن وجد أو تعثر تواجده فبها ونعمة.

يتغزل بطبق الفول وطبق الطعمية، ويبوح لهما أنهما كفيلان أن يضبطا بوصلة مزاج جميع المصريين، وبخاصة لو رافقتهم أكواب الشاي الساخنة بالنعناع الأخضر…

وها هم بعدما استمتعوا بفطورهم يحتسون الشاي على رواق كي لا ينتهي سريعًا حديثهم عن أيامهم الماضية والأحوال الحالية.

فيتوجهون بحديثهم إلى إبراهيم، مذكرين إياه كيف أنهم ازدادوا له حبًا واحترامًا حين لم تغره ماديات تجارة التحف التي كانت رائجة جدًا، ورفضه التخلي عن دوره في المدرسة كمدرس للتاريخ، وظل يحارب توابع انهيار التعليم، واختلاف الكثير من الثوابت سواء في علاقة التلاميذ بالمدرسة أو بمدرسيهم، وكذلك كان دائم التحدث بشجاعة عن الكثير من المدرسين الذين طغت المادة على ضمائرهم.

فهو يرى أن المدرسة هي الصورة المصغرة للأسرة، وبالتالي للمجتمع الذي من وجهة نظرهم لم يتقدم سوى ظاهريًا فقط.

وبالفعل، اتسعت الفجوة بين ما كنا عليه من إخلاص للعمل ووفاء وتدين وترابط أسري وثيق، وما نحن عليه الآن.

يسترسل بيتر قائلاً إن ذاك الترابط الذي أحبه هنا كان يذكره بحديث والده عن ترابط سكان إيكاريا الذين يشاركون كأجداد وجدات في تربية الأحفاد، مما كان له الأثر الطيب في نفوس جميع أفراد الأسرة.

وبمقارنة سريعة، ستجد أنه على مستوى العالم ظلت جزيرة إيكاريا ضمن ست جزر أخرى يتميز أهلها بأنهم بعيدون كل البعد عن الإجحاف، والقلق، والتوتر، ويتبعون نمطًا غذائيًا صحيًا مع الإقبال الشديد على العمل والحياة، وهذا كفيل بحياة سليمة.

وعلى الرغم من الإيمان بأن الأعمار بيد الله، إلا أنك لن تجد غرابة أن تصل أعمار أهل إيكاريا والجزر الأخرى المماثلة إلى المائة عام.

بعد مرور الوقت، وقبل أن يعودوا لمنازلهم بروح جديدة ونفس أطول، تدب بقلوبهم مشاعر قاسية لم تغب كثيرًا عنهم وعن صاحب المكان الذي استشهد والده، كالكثيرين من أهل المدينة، بقذائف الأعداء في العام ٥٦.

فسرعان ما تعود تلك المشاعر بين الحين والآخر مع اشتعال الموقف على أرض فلسطين المغتصبة، لتكتم الأنفاس بكل تفاصيلها الوحشية، وتذكرهم بما حدث لهم ولأهاليهم في المدينة بنكسة العام ٦٧.

فالأخبار تلاحقهم عبر شاشة تلفاز كافيه الشاطئ، بل وتلاحق العالم بأسره، بأن شعب غزة يُباد بلا أدنى ضمير.

بتوالي الأيام..
لم تنقطع أحاديثهم على مدار تلك الأيام عن الحال المأساوي في غزة، وها هم يجلسون في المتجر وهم في حال حزين، فأيام السفاح نتنياهو طال تجبرها.

وعلى الرغم من تكشف الوجه الإجرامي للصهاينة، ووقبح أمريكا وحكومات أوروبية ظالمة بتأييدهم استمرار هذه الحرب القذرة على غزة، وعدم اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار، والتي طالت لتقارب السبعين يومًا.

يرى إبراهيم أن التاريخ المؤسف يتكرر بشكل سافر، فما تكرر حدوثه منذ العام ٤٨ لا يختلف عما فعله النازيون، دون أي انتباهة لتصحيح الأخطاء من معظم المهتمين بالقضية الفلسطينية، سواء كانوا قادة عربًا أو فصائل فلسطينية، وما يحدث بينهم من شقاق وانقسام.
ثم يقول يحيى:
• هما دايمًا كانوا بيراهنوا إننا أمة لا تقرأ، فبدأ المخطط الغربي بكل قذارتهم، ومع مؤتمر لندن سنة ١٨٤٠ كانت المؤامرة على مصر من بداية القرن الماضي، تحديدًا باستيطان اليهود في العريش سنة ١٩٠١، وفشلت المحاولة.

وهكذا أرادوا زعزعة استقرار المنطقة العربية، وشق صفها، وفصل مصر عن بلاد الشام بالخلاص من شعب اليهود المشرد والمثير للمشاكل في بلادهم.

فكانت الفكرة التي سوف تنهي وجودهم في أوروبا، وبالفعل نفذوا مخطط التوطين الصهيوني بكل وحشية وقذارة.

يذكرهم إبراهيم بموقفهم من حماس وما فعلته بهم، لكنه يضيف:
• هذا ليس وقت الحساب.

فيقول بقلب يحترق عما حدث لأهل غزة من بعد أحداث ٧ أكتوبر:
• هي حماس كانت متصورة إيه اللي يحصل بعد ما هاجمت اليهود؟ طيب هما إزاي حسبوها؟!

فيقول “بيتر” بعصبية شديدة:
• الناس الباقية في غزة بتواجه القتل والجوع والأوبئة من الجثث المترمية في كل مكان، وكأننا في العصور الوسطى!

فيرد يحيى مستاءً:
• للأسف الشعب الفلسطيني ضحية ضعف حكومته ودخول فصائل وشق الصف، والله ده لا يرضي شرعًا ولا دينًا.

فيكمل الحديث “بيتر” قائلًا:
• وفي ناس كتير على مستوى العالم بدأت تشوف إن اللي عملته حماس، رغم المشهد المتهور، فضح الصهاينة والمتشدقين بحقوق الإنسان، ويمكن ده يخلي النظرة للقضية تأخذ الاتجاه الأصح.

فيرد عليه يحيى:
• نتمنى ذلك.. لكن للأسف الناس كانت الضحية.. غزة أُبيدت يا جماعة!

فيرد إبراهيم:
• كان الله في عونهم، وكان الله في عونك يا مصر، قدرك إنك قلب مفتوح ويسع من الحبايب كتير…

فيرد يحيى:
• بس الشيلة تقيلة وظروف البلد صعبة عندنا من سنين، أهلنا من سوريا لليبيا للسودان، وأخيرًا الحمد لله موقفنا من أول لحظة كان سندًا لأهل غزة، وواضح قدام العالم أننا مش رافضينهم قد ما إحنا مش هنسمح بتهجير أصحاب الأرض وضياع قضية فلسطين.

يوم جديد
دقات هاتف إبراهيم…

يتلقى إبراهيم اتصالًا يعيد لوجهه البسمة، وكأن صديق طفولتهم الرابع، رفيق محمود، أمامه الآن، بل وكأن جميعهم لا زالوا يلعبون الكرة على رمال البحر.

ومن بعد الترحيب والاطمئنان على بعضهم، يبادر “رفيق” بالسؤال عن بيتر، ويحيى، وعن حال المدينة التي أحبها وتركها مرغّمًا بصحبة والديه منذ أن قررا الهجرة إلى أستراليا ويأتيها كل عدة سنوات.

فيقول له رفيق:
• كيف حال المدينة؟

فيجيبه إبراهيم، والحزن يخنق صوته:
• المدن يا صديقي كالبشر… كلما بدت ذات وجهين، اعلم أنها ليست بخير.
• وكيف يكون ذلك؟!
• حين ترى وجهًا تَجمّل كقبلة للزائرين، والآخر تَقَبّح ونحن عنه غافلون!
• وكيف يكون ذلك؟!
• يكون ذلك وأكثر حين نقبل اعتياد المشهد المؤسف وتغاضينا عن التعدي على الأحياء… إذن لا عزاء في التعدي على حرمة الموتى، وجعل أماكنهم ملاهي للعابرين.

يصمت دكتور العلوم السياسية للحظات، وهو يأسف لحال البشر لأنه يعلم مغزى كلمات صديقه، وكذلك يعلم أن حال العالم اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا يسير من سيء إلى أسوأ، وكأن هناك من تأمر ليضع البشر على حافة صفيح ساخن.

ثم يأخذ نفسًا عميقًا ويقول:
• يا صديقي، غالبًا هي سنوات صعاب تشبه كثيرًا ذلك الأسى الذي سطرته كتب التاريخ حين قرأناه، وبالأخير نحن جميعًا وعلى اختلاف دياناتنا أصحاب حسن الظن بالله، وبإذنه سوف نتخطى كل هذا.

تمت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى