كان على كل مولودٍ في القرية أن يتعلّم كلمةً واحدة قبل الكلام: "بَعْ".
لم تكن الكلمةُ لفظًا عابرًا، بل سِرّ الانتماء، وختم الطاعة، ورمز الدخول في حضرة الجماعة.
بها يُفتتح الحديث ويُختتم، وبين أنفاس المتكلمين تتردّد كفواصل للدهشة والتفسير، حتى غدت ميزان الطلب والعرض، ومفتاح القبول والرفض. بل إن بعضهم صاغها نغمًا، وأدخلها في أناشيدهم، فصارت إيقاع حياتهم ومهرجان وحدتهم.
لكن رجلاً وحيدًا، آثر الصمت.
حاولوا أن يلقّنوه الصوت، فظل فمه مغلقًا، كأنه يحرس سرًّا. سألوه:
– لِمَ ترفض أن تقول "بَعْ"؟
فقال:
– لأن الصوت إذا لم يكن من أعماقي، فلن يكون إلا رجعًا من وادٍ ليس واديّ.
فارتجفوا من جوابه، إذ خافوا أن ينهدم النسيج. قال شيخهم:
– من يرفض "بَعْ"، يرفضنا. ومن يرفضنا، يُقصى من بيننا.
لكن الرجل لم يغضب، ولم يجادل، ولم يستسلم.
كان يزرع حقله بصمت، ويسقي حلمه من بئرٍ تعكس وجوه الصمت بألوانه، ويترك للريح أن تحمل نَفَسَه الذي لم يُنطق بعد.
ومع مرور الأيام، بدأ بعض الشباب يسألون الرجل الصامت.
– لِمَ لا نجرب أصواتًا أخرى: دلتا، بيتا، زيد؟
لكن الشيوخ كانوا يسكتونهم، خشية أن يتصدّع البنيان.
غير أنّ البذرة قد زُرعت.
فالكلمة التي لم تُنطق، صارت أثقل من جميع الكلمات المنطوقة.
وصمتُ الرجل الرافض صار نداءً خفيًّا يتردّد في القلوب، أبهى وأقوى من الصوت المألوف: "بَعْ".
موسى مليح
آيت أورير المغرب
09/10/2025
لم تكن الكلمةُ لفظًا عابرًا، بل سِرّ الانتماء، وختم الطاعة، ورمز الدخول في حضرة الجماعة.
بها يُفتتح الحديث ويُختتم، وبين أنفاس المتكلمين تتردّد كفواصل للدهشة والتفسير، حتى غدت ميزان الطلب والعرض، ومفتاح القبول والرفض. بل إن بعضهم صاغها نغمًا، وأدخلها في أناشيدهم، فصارت إيقاع حياتهم ومهرجان وحدتهم.
لكن رجلاً وحيدًا، آثر الصمت.
حاولوا أن يلقّنوه الصوت، فظل فمه مغلقًا، كأنه يحرس سرًّا. سألوه:
– لِمَ ترفض أن تقول "بَعْ"؟
فقال:
– لأن الصوت إذا لم يكن من أعماقي، فلن يكون إلا رجعًا من وادٍ ليس واديّ.
فارتجفوا من جوابه، إذ خافوا أن ينهدم النسيج. قال شيخهم:
– من يرفض "بَعْ"، يرفضنا. ومن يرفضنا، يُقصى من بيننا.
لكن الرجل لم يغضب، ولم يجادل، ولم يستسلم.
كان يزرع حقله بصمت، ويسقي حلمه من بئرٍ تعكس وجوه الصمت بألوانه، ويترك للريح أن تحمل نَفَسَه الذي لم يُنطق بعد.
ومع مرور الأيام، بدأ بعض الشباب يسألون الرجل الصامت.
– لِمَ لا نجرب أصواتًا أخرى: دلتا، بيتا، زيد؟
لكن الشيوخ كانوا يسكتونهم، خشية أن يتصدّع البنيان.
غير أنّ البذرة قد زُرعت.
فالكلمة التي لم تُنطق، صارت أثقل من جميع الكلمات المنطوقة.
وصمتُ الرجل الرافض صار نداءً خفيًّا يتردّد في القلوب، أبهى وأقوى من الصوت المألوف: "بَعْ".
موسى مليح
آيت أورير المغرب
09/10/2025