شريف محيي الدين إبراهيم - الجبل والكهف...

رأى آدم جبلاً عظيمًا يعلو فوق الغيم، كأنّه عالق بين السماء والأرض.
كان يسمع أصواتًا تأتي من قمّته، تشبه الأنين المكتوم،
كلما صعد، اشتدّ الهواء وتكاثفت الوجوه في الضباب، كأنّ الغيم يخفي شيئًا لا يُحتمل رؤيته.
في منتصف الجبل، سمع خفقًا يأتي من جوفه، فاقترب، فرأى فم الكهف مفتوحًا، مظلمًا.
دخله بخطواتٍ مترددة،
كان صوت أنفاسه يتردّد في الجدران كأنها أصوات أخرى، تهمس من زمنٍ بعيد.
في عمق الكهف، رأى شيخًا طاعنًا في السنّ جالسًا أمام كومة من الحطب المشتعلة.

قال له الشيخ بصوتٍ هادئٍ:
– "لماذا جئت؟"
أجابه وهو ينظر إلى الأرض:
– "أبحث عن الحق."
ابتسم الشيخ، وقال وهو ينفث من صدره أنفاسًا تشبه الرماد:
– "وهل تستطيع؟!"

سكت آدم.
وفجأةً، تحركت الظلال على جدار الكهف، فصارت
وجوهًا، ذكريات، أقنعة بشرية… كلّها تلاحقه كظلالٍ لا تنام.
وجوهًا يعرفها: أبوه، أمه، إخوته، زوجته…
كانت الوجوه تبتسم، ولكن في ريبة، وكأن في أعماقها سر غامض.

الأب… الذي ظلمه باسم الرجولة.
الأم… التي سكتت باسم الحنان.
الأخ… الذي طعن بغيرةٍ لم يعترف بها.
الزوجة… التي أحبّت حتى خنقها حبّها.

سمعهم يقولون بصوتٍ واحدٍ غريب:
– "نحن نحميك من نفسك."

همس الشيخ:
– "هل تراهم؟"
قال آدم بخوفٍ خافت:
– "أراهم كما لم أرهم من قبل."
– "أقرب الناس إليك يا آدم هم أكثر من يخافك، لأنك حين تبحث عن نفسك، تبتعد عنهم."

مدّ أبوه يده من الجدار وقال:
– "نحن نعرف طريقك، عد إلينا، لا تضل."
ابتسم آدم بحزن:
– "طريقكم آمن… لكنه ليس طريقي."
أمه اقتربت بصوتٍ مبلّل بالدموع:
– "أحبك يا بني، فلا تهجرنا."
قال وهو يغمض عينيه:
– " كم من يخنق باسم الحب؟"

ثم رأى زوجته. كانت عيناها تبرقان بحرارةٍ يعرفها.
قالت له:
– "كنتَ لي وحدي، أردتُك أن تكون ظلّي وسندي."
أجابها:
– "فجعلتِني ظلًّا باهتًا في بيتك، حتى فقدت ملامحي."

اقترب الشيخ قليلاً:
– "هم يحبّونك، لكنهم يريدونك مرآةً لهم،
كل من أحبّك رسم حدودك، ثم قال لك: هذا هو الأمان."
رفع آدم رأسه في دهشة.
ابتسم الشيخ.
ساد صمتٌ طويل. النار تتراقص في الظلّ، وتلقي بوهجها على وجه الشيخ.
همس الشيخ:
– "الذين أحبّوك قتلوا جزءًا منك، فاغفر لهم لتستردّ البقية.
الحقيقة لا تُعطى لمن يخافها، بل لمن يحتملها."
قال آدم:
– "لكنهم أحبّوني بصدق."
– "نعم، ولكن الصدق لا يمنع الخطأ.
حتى الحبّ إن لم يُطهَّر من الخوف، يصبح سجنًا مقدّسًا."

جلس آدم في الظلال، تتطاير أمامه صور الألم والخذلان كرماد حريقٍ لم يُطفأ بعد.
قال بصوتٍ مبحوح:
– "كنت أظنّ أني أعرف الحق، لكن كل شيءٍ ينهار أمام ما لا أفهمه."
قال الشيخ وهو ينظر نحو الجدار:
– "الحقيقة ليست ليلاً أو نهارًا … إنها بينهما، في رماد القلب."

ثم همس وهو يطفئ النار بيده العارية:
– "احذر أن يتحوّل هذا الحب إلى جدارٍ يحجب عنك النور."

استيقظ آدم من الحلم متعرّقًا.
المطر يضرب زجاج النافذة بخفوتٍ يشبه الهمس الذي سمعه في الكهف.
خرج، وأغلق الباب خلفه دون صوت.
كان المطر يغسل الشوارع.
قاد سيارته نحو أطراف المدينة،
كان الهواء البارد يلسع وجهه، وصوت الريح يشبه أنفاس الشيخ.
وسمع من بعيدٍ صدى صوته:
– "احذر الجدار…"

رفع آدم رأسه نحو الأفق،
فجمد في مكانه؛وأصابته رعشة خفيفة
كان الجبل هناك، يعلو فوق الغيم كما رآه في الحلم تمامًا.
تقدّم بخطواتٍ بطيئة نحو الطريق الصاعد،
كان المطر ينهمر بغزارة، والضباب يلتفّ حول القمة كستارٍ يحجب السر.
ربما لا ليحجب القمّة، بل يخفيه هو عنها."
"ابتسم، ولم يدرِ إن كان الجبل هناك حقًا، أم أن الحلم لم ينتهِ بعد."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى