سمير لوبه - رحلة الملك الأخيرة.. ...

البحر في ذلك اليوم لا يشبه نفسه؛ مياهه تتقلب ببطءٍ، والريح تمرُّ فوقها بصفيرٍ يوشك أن يكون نواحًا، وتلك السماء الرمادية بدت مثل لوحةٍ غُسلت ألوانها بماء البحر.
في ميناء الإسكندرية، وقف البحَّارة على سطح السفينة الإنجليزية " بياتريس " ، يشدُّون الحبال، يكتبون الأسماء في الدفاتر. لا يعلمون أن بين الصناديق تابوتًا واحدًا يحمل في جوفه سرًا لا يليق بالإنسان أن يسرقه.
التابوت من البازلت الأسود، صامتٌ يفيضُ هيبةً، حُفرِت على سطحه نقوشٌ مصرية قديمة تحمل اسم الملك " مِنـ . كاو. رَع "، حين أُنزِل إلى جوف السفينة، سمع البحَّارة صوتًا غامضًا يشبه تنهيدةً خرجت من بطن الحجر، تردَّد صداها في الميناء كما لو أنَّ البحر نفسه تنبَّه لشيءٍ لم يُرِد له أن يحدث.
يهبط الليل ببطءٍ على الإسكندرية.
الأضواء ترتجف في الميناء، والبحَّارة ينادون على بعضهم، ينشق رصيف الميناء فجأةً عن عجوزٍ ترفع رأسها نحو السفينة:
- الملك راجع، مش رايح.
لم يفهم أحدٌ قصدها، غير أن الريح في تلك اللحظة اشتدت، فاهتزَّ لها الميناء .
في أعماق السفينة، التابوت الملكي مغطى بالقماش، داخل صندوقٍ خشبيٍ ضخمٍ، شيءٌ غريبٌ يحدث داخله، في غمرة السكون، بدأ خطٌ هيروغليفي صغيرٌ يتوهج بضوءٍ أخضرَ.
التابوت كما تقول الأساطير وعاء الروح الذي يُبقي على الصلة بين الجسد والخلود.
وإذا انتُزع من أرضه، اختلَّ الميزان .
في مقصورة السفينة، جلس الكابتن" إدوارد" يدون في دفتر الرحلة:
"غادرت الإسكندرية في السابع من أكتوبر عام 1838، تتضمن الحمولة تابوتًا أثريًا مهمًا..
الطقس مستقر"
لكنه حين كتب كلمة " مستقر "، اهتزَّت السفينة فجأةً، فسقط القلم من يده؛ رفع رأسه نحو النافذة، فرأى على سطح البحر لمعانًا أخضر يشبه برقًا.
في تلك الليلة لم ينم أحدٌ، تتلاطم الأمواج والريح تهبُّ من اتجاهٍ مجهولٍ، رغم أن الأفق صافٍ، والبحَّارة يتبادلون نظراتٍ قَلِقة، ثم حدث ما لم يتوقعه أحدٌ.
بعد منتصف الليل، سمعوا صوتًا يأتي من أسفل السفينة، صوت طرقٍ على الحجر؛ هرع الكابتن ومعه الضباط إلى المخزن، فتحوا الباب بحذرٍ، فرأوا دخانًا يتصاعد بلونٍ فيروزي.
تقدَّم" إدوارد " بخطواتٍ متردَّدةٍ، وما أن لمس غطاء التابوت حتى شعر بحرارةٍ تسري في جسده.
صاح البحَّارة خلفه:
" اتركه يا كابتن؛ لا تنس لعنتهم "
لكنه لم يسمعهم. رأى للحظةٍ خاطفةٍ وجه رجلٍ له عينان مفتوحتان على زمنٍ لا يعرفه.
وفي اللحظة التالية، انطفأ كل شيءٍ.
حين أشرقت الشمس، أبحرت السفينة بياتريس في صمتٍ، والكابتن إدوارد غير موجودٍ في المقصورة، ولا أحد يعلم أين اختفى. وحده دفتر الرحلة ظلَّ مفتوحًا على الصفحة الأخيرة، وقد كُتِب فيها بخطٍ غير خطه :
“الروح لا تُنتَزع من أرضها”
ارتجف ضباط السفينة حين قرأوها.
ولمَّا حاولوا محو الكلمات، وجدوا الحبر قد غاص داخل الورق مثل نقشٍ فرعوني.
بدأ البحر يثور، السماء مظلمةٌ، الأمواج ترتفع، أما البحَّارة فيقسمون أنهم يرون وجوهًا على سطح الماء لرجالٍ بملامحَ فرعونيةٍ، ثم تختفي، وفي منتصف الليل، حين ضرب البرق السفينة، رأوا جميعًا في ومضةٍ واحدةٍ وجه الملك "من.كاو.رع" يحدق فيهم بعمقٍ لا يحتملونه.
فجأةً كُسِرت الصواري، وغمرت مياه البحر سطح السفينة.
ركض الجميع لإنقاذ ما يمكن، لكن العاصفة كانت أسبق منهم؛ غاصت السفينة بياتريس عن آخرها في جوف البحر. لم يُعثَر على حطامٍ، ولا على أية جثةٍ، ولا أثر للتابوت.
مرت الأعوام، ونُسيَت الحادثة.
لكن في عام ٢٠٢٥، أثناء رحلة بحثٍ أثرية التقطت أجهزة السونار صورةً غامضة لجسمٍ حجريّ ضخم ممددًا في الأعماق، قال أحد الغواصين:
“ربما حطام بياتريس"
ومما أدهش الجميع هو صوتٌ التقطته الميكروفونات المائية، نبضاتٌ تشبه دقات قلبٍ.
وفي القاهرة وصلت التقارير إلى مركز الآثار، جلس الدكتور "أكرم حليم" عالم المصريات يتأمل الصور المُرسَلة.
وجه التمثال المغمور في الأعماق واضحًا بدرجةٍ مذهلةٍ، يتمتم الدكتور أكرم في سره:
“ الملك لم يقبل أن يغادر أرضه، صار البحر هرمه الجديد.”
ومنذ تلك اللحظة، بدأ يسمع في الليل همساتٍ بلغةٍ مصريةٍ قديمةٍ .
وحين أغمض عينيه، رأى موكبًا ملكيًّا، وكهنةً يرفعون المشاعل، وصوتًا يقول:
"أنا لا أترك أرضي أبدًا، الخلود في الرفض"
استيقظ مذعورًا، والعبارة ترنُّ في ذهنه.
الصحافة لم تترك الأمر. تصدَّر الخبر العناوين:
“العثور على تابوت فرعوني في بحر الإسكندرية، والسلطات المصرية ترفض استخراجه من مكانه "
تعالت الأصوات بين مؤيدٍ ومعارض.
أما أكرم، فكان في تلك الليلة يراقب البحر وفجأةً، رأى في الأفق ضوءًا أخضر يشبه ذلك الذي وصفته السجلات .
وفي الصباح، عُثِر على ورقةٍ في مكتب الدكتور أكرم مكتوبًا عليها:
" عاد الملك إلى أرضه، ولن يرحل منها"
المثير أن الورقة نُقشت عليها رموزٌ مصريةٌ تعود إلى الأسرة الرابعة.
منذ ذلك اليوم، لم يعد الحديث عن غرق "بياتريس" مجرد قصة غرقٍ.
فهل كان طوفان البحر مجرد صدفةٍ؟
أم أن البحر استجاب لروح الملك الذي رفض التهجير خارج أرضه .
البحر في ليلة السابع من أكتوبر كل عامٍ يعلو هديره، وبعضهم يسمع صوتًا عميقًا يقول من بين الموج:
"هنا الوطن، وهنا الخلود."
ثم يسكن كل شيءٍ.
وتبقى الحكاية بابًا من حجرٍ لم يُغلَق بعد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى