عبدالله قاسم دامي - الشارع رقم ثمانية... قصة قصيرة

قبل عامين تمامًا املت شمسُ الجمعة أجنحتها عن الدنيا في أمسيةٍ لم يشرق صباحُها التالي حتى الآن، فذلك السبت لم يأتِ بعد.
كان المقهى المجاور للكنيسة في الشارع رقم ثمانية، في حي إيستلي وسط نيروبي، مكتظًا كالعادة. المقهى يرتاده تقريبًا الأشخاص أنفسهم في كل صباح ومساء، يمنيان لاجئان، بضعة سودانيين تائهين، صوماليون في نقاشاتهم الصاخبة تظنّهم يتعاركون. بروفيسور ستيني من جنوب السودان عاطل عن العمل، يحمل دومًا حقيبة يدوية فيها أوراق مبعثرة وكتيّبات باللغة الإنجليزية، رجل طيب القلب، فائق الذكاء، طُرد من بلده بعد أن نشر مقالًا عن جنرال متقاعد.

المقهى تملكه حبشية جذابة، لونها الأسمر وابتسامتها البيضاء يشكّلان عالمًا يسحر الروّاد. امرأة لطيفة، ذات حنكة رائعة.
أمام المقهى، امرأتان كينيتان: إحداهما تبيع سنابل القمح، والأخرى تلمّع أحذية الرجال طلبًا للقوت، في قارة أنهكها الفساد.
بمرور الزمن، نشأت بين الجميع صداقة، أصبح بعضها حميميًا. تسود السواحلية لغة البلد والمكان غير أنني كنت الوحيد الذي يجيد لغات الرواد جميعا. تدور النقاشات دومًا حول التقاليد، والزواج، والنساء، والتجارة، وأحيانًا عن من أطلق الرصاصة الأولى في حرب السودان!. تستعرّ النقاشات ثم تهدأ وتيرتها بنُكت عابرة أو بمجيء غريب ظنا منا أنه مخبر.

تغرب الشمس، تاركةً وراءها ظلامًا دامسًا، لولاها لكانت الدنيا ليلًا طويلًا، كشتاءٍ في كندا، أو كشهر يناير في النرويج. تصدح مآذن الشرق بمكبّرات الصوت، معلنةً صلاة المغرب. نذهب، ثم نرجع إلى الكراسي، لنجد البروفيسور الجنوب سوداني وصاحبة المقهى يتونسّان، كلاهما مسيحيان. تبدأ الحكايات والجدالات من جديد، لا أحد يهتمُّ بدين الآخر، ففي إفريقيا، يهتمُّ الجميع بشيء واحد: لقمة العيش.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى