شريف محيي الدين إبراهيم - العودة إلى المندرة...

البحر... الرمل... الموج...
سور كورنيش الإسكندرية العتيق يلمع تحت شمسٍ تميل إلى الغروب.
طاحونة المندرة ساكنة كأنها تحفظ سرًّا قديمًا لا تبوح به، والهواء يحمل رائحة اليود الممزوجة بندى الذكريات، وفي الأفق البعيد تتسلل رائحة الذرة المشوية من عربةٍ صغيرةٍ.

جلس يوسف على المقعد الخشبي المواجه للبحر، يحدّق في الأفق حيث تذوب السماء في الماء.
أمامه فنجان قهوة ساخن ، وعقله أبعد من الموج، عالق في زمنٍ مضى.
اقترب منه طفلٌ صغير، يحمل سكينًا صغيرة وصحنًا من التين الشوكي الأحمر، حافي القدمين، يلمع عرقه تحت شمس المغيب.
قال الطفل بمرحٍ فطري:
ـ "تاخد واحدة يا عم؟"
ابتسم يوسف وقال:
ـ "إنت اسمك إيه؟"
ـ "آدم."
ضحك يوسف وقال:
ـ "آدم... أول الحكاية."

جلس الطفل بجانبه دون استئذان، وراح يقطع التين ويقدمه له في هدوءٍ.
من ناحية الفيلا القديمة، ارتفع صوت عودٍ ودفٍّ وأغنيةٍ رخيمة تقول:
"يا بحر يا واسع، خُد الحزن وودّيه بعيد..."

أغمض يوسف عينيه، والذكرى اندفعت كالموج في صدره.
رأى نفسه طفلًا صغيرًا يجلس إلى جوار جده على اللسان، ذلك اللسان الحجري الممتد في البحر.
كان جده يصطاد بماكينة الصيد القديمة، بينما هو يحمل بوصة صغيرة صنعها له الجد كي يتعلم الصيد.
ألقى يوسف بخيطه في الماء، واهتزّ فجأة، فانتزع منه سمكة صغيرة تلمع كالنقود الفضية.
ضحك الجد بصوته المملوء بالحياة وقال:
ـ "أول صيد يا يوسف... دي علامة خير."
ابتسم يوسف، وغمره إحساس لا يُنسى.

عادا يومها إلى البيت، وجدته تنتظرهما على الباب، تتأمل المقطف الصغير الممتلئ بالأسماك، وعيناها تلمعان برضا لا يُشبه شيئًا.
كانت تضع السمك في صينيةٍ نحاسية، وتقول وهي تنظر إلى يوسف:
ـ "ربنا يجعلك دايمًا صَيّاد خير."

ذلك المشهد ظلّ محفورًا في ذاكرته، يعود إليه كلما رأى البحر.

فتح يوسف عينيه فرأى آدم يبتسم له بالبراءة نفسها، فابتسم هو الآخر كأنّ الزمن دار دورة كاملة.
قال له بصوتٍ خافت:
ـ أنا كنت زيك كده... بحب البحر وأخاف منه في نفس الوقت."
ردّ الطفل ضاحكًا:
ـ "بس أنا ما بخافش، البحر صاحبي."

صمت الاثنان.
الموج يعلو وينكسر كأنما يعيد ما قيل في همسٍ أزلي، والشمس تغرق في الأفق ببطءٍ مهيب، ترسم على وجه البحر خطوطًا من ذهبٍ ونار، والنسيم يمزج رائحة الملح بالذرة المشوية، كأن المدينة كلّها تحترق بالعطر والذكرى.

مدّ يوسف يده في جيبه، أخرج صورة قديمة باهتة، لامرأة جميلة تشبه عروس البحر الأسطورية، كانت تبتسم ابتسامة حزينة ،بعينين ناعستين غارقتين في الضوء.
نظر إليها طويلًا، ثم سلّمها للبحر.

أخذت الموجة الصورة برفقٍ غامض، دارت قليلاً، ثم اختفت.
وقف يوسف ببطء، ألقى نظرة أخيرة على الشاطئ، على الطفل، على الطاحونة القديمة ، ثم قال كأنه يخاطب المدينة كلها:
ـ "رجعت... لكني متعب."

وفي الخلف، كانت الأغنية تواصل صداها:
"يا بحر يا واسع، خُد الحزن وودّيه بعيد..."

ثم سكن كل شيء،إلا صوت البحر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى