إلى صالح جزائري
-"اقفز!"
قال لي، فقفزت.. هل كنتُ كالمنوَّم؟.. أم لأنه صديقي الوفيّ، والوحيد الذي تبقّى لي في هذه الحياة، مؤازراً، ومواسياً، إذ تبتلعني لُجج من تحتها ظلمات، من فوقها أُخَر.
في طفولتنا، لعبنا الشدّة على ضفاف سيتيت، كان النهر يضحك لبراءتنا، إذ يرى خيوطاً من نور تنسلّ عن شغفنا، تسمو وتدخل في الشمسِ قُبيل غروبها، وكان الشجر الكثّ يحيينا، والحجر.. والكثبان الممتدة حتى الأفق البعيد تزهو بركضنا على ظهورها العارية إلا من بضع شجيرات الكِتِر(1)، وثعابين ناحلة تطارد فئراناً سمينة. ثم كان أن قُتل خلقٌ كثير ببلدتنا؛ فهربنا إلى ما خلف الحدود.
-"إقفز!"
قفزتُ إلى الشاحنة، فانطلقت بنا بعيدًا مسيرة ساعتين ونصف الساعة. توقفتْ. ناولني قميصاً، وفوطة، وجنبية عفرية.
-" ارتدِ هذا بسرعة، واختبئ هناك في تلك الأجمة!"
حتى لا تثير غباراً قاد شاحنته داخل حقل برسيم شاسع، على امتداد الشريط الساحلي ناحية أم بيرمي(2). جعلتُ أصيخ السمع حتى غاب صوتها، وتوقف الصدى. ثم وجدتني وحيداً لأول مرة منذ عشرين عاماً، حين تم اعتراضي ليلاً في المسافة بين سينما أغردات والجيرافيوري(3)..
-" أنت أب سلاب؟"
-" نعم"
سرتُ أمامهم، كانوا ثلاثة، مدججين بكامل عتادهم، وعابسين.. لم تكن بنادقهم في وضعية الاستعداد، حتى يبدو الحدث عادياً للمارة. آااااه.. لو كنتُ أعلم أنّ غيابي سيطول لعشرين عاماً!، وأنّ زوجتي ستموت كمداً عليّ!، لكنتُ خطفت سلاح أحدهم، ولقاتلتُ حتى آخر نفس!، على الأقل كانت سترحل شامخة الرأس، وليست منكسرة حزينة.
دخلتُ الأجمة. لم أكن خائفاً إلاّ من وقوعي في قبضتهم أسيراً ذليلاً، إذ ليس لي جَلَد دمات ود أُكد(4)، ولا حصانه، الذي كان صهيله يلهمه ويخفّف عليه عار الأسر. ارتديتُ ملابسي على عجل، وحين تمنطقتُ بالجنبية، زال خوفي تماماً.. أخرجتُ الخنجر من غمده، مررتُ أصابعي على النصل الحاد، قلّبته ثم أرجعته إلى حيث كان.. " سأموت واقفاً! " قلتُ بفرحٍ طفولي. أرفع رأسي في المدى بين شجرتين، أعلى قليلاً من نهايات أغصانها، فألمحه!.. إنه هو!.. يا للمفارقة!.. جبل گدَمْ(5)؟!!.. تحت سفوحه التقيتُ بعد فراق طال لأكثر من عشرة أعوام، بصديقي شُحيم!.. تحت سفوحه!.. وهناك أطلقتُ رصاصتي الأولى،كنت الأصغر سناً في الفصيلة.. صعق للمفاجأة، ولأنه يكبرني بنحو عامين إثنين قام مباشرة بدور الأخ الأكبر؛ ونحن نتناول العشاء، ذات يوم، وأحدهم يعزف على الربابة لحناً نشازاً، حاول قائد المجموعة التنمّر عليّ..
-" ما اسمك؟"
-" حدوگ ود علبكيت"
-" ماذا؟"
تدخّل شُحيم وقد احتقن وجهه:
-" إسمه حدوگ علي بخيت"
اعتلت وجه القائد تعابير الاستخفاف والسخرية، وبالرغم من أنه لم ينبس ببنت شفة، قذفه شحيم بلقمة كانت في يده بعد أن كوّرها جيداً. ساد هرجٌ ومرج بعدها. في تلك الليلة نلتُ عقوبتي العسكرية الأولى، لم ينم شحيم حتى نمت، بعد أن ساعدني في إخراج أشواك الضريسة(6)، التي انغرزت في ساقيّ وذراعيّ. ها هو الجبل الآن، على بعد أميال قليلة من مخبئي، يخبرني قائلاً: " هنا بدأت يا حدوگ.. وهنا ستنتهي رحلتك، في حياة طويلة خضتها مليئة بالمرارات والهزائم من كل نوع".
كالبرق، إذ يشقّ نهراً من ضوء بين ضفّتي ظلمة حالكة، خرج إليّ صديقي من بين أشجار المنجروف الناعسة، والمستسلمة كانت لغواية البحر في المدّ والجزر، وصياح الحيتان في أعماقه البعيدة. وهو يدفع أغصان شجرتين متلاصقتين،كطفلين سياميين، مباعداً ما بينهما، وقف لبرهة يطالعني كما لو كان ينفذ إلى داخلي، كي يرى إذا ما كنتُ خائفاً، ألقى كيساً بلاستيكيّاً رمادي اللون على الأرض الجافة تحته، ثم قال لي وهو يبتسم:
-" الآن وقد حصلت على السلاح سوف لن تُقتل، لا سمح الله، كغزالٍ مذعور!"
وكجائع، يُباغَت على حين غرة بأصناف طعام شهيّ، اندفعت نحو الكيس أفتحه، قمتُ بتركيب السلاح، وتلقيمه، ثم تأمينه بسقاطة الأمان. كان في الكيس أيضاً قنبلتان إحداهما دخانية، وتمر، وماء، وحبل، وبذلة نجاة.
-" سأعود بعد نصف ساعة أو أقل قليلاً.. سأجلب السنبوك، إذا تأخرت تسبح حتى تلك الصخرة.. ستبلغها في أقلّ من عشر دقائق، سنلتقي هناك.
ثمّ أردف متهكماً:
-" غالباً أنهم، أولئك العسكر الأغبياء، سلكوا طريقاً خاطئاً، إذ يتوقّعون أننا في داري في حطملو!(7)"
ثم عاد من حيث أتى، بعد أن ناولني ساعة يد. عدتُ إلى الأجمة، خرجتُ منها ثانية ممتشقاً سلاحي، توجهت صوب الشاطئ الذي كان يبعد بأقلّ من خمسين متراً. كان الوقتُ منتصف النهار، الصخرة هناك، وسفينتان تمخران عباب البحر بسلاسة، وسرب نورس يحطّ متصايحاً على الشاطئ، في ذات اللحظة التي يطير فيها سربٌ آخر. تعرّقتُ بفعل الحر والرطوبة.. هل يمكنني القول أيضاً: رائحة البحر أنعشتني؟، أم أنّ بصيصاً من أملٍ صار يمورُ ويتمدّد في داخلي؟.
حين قدم شُحيم إلى السجن في تلك الظهيرة البعيدة، بشاحنته الكبيرة المحمّلة بالماء، كنتُ أخبّ مع زملائي كدابة أنهكها السير، على السطح، الذي وإن كان في حقيقة الأمر سطح الأرض، لكن في مخيلتنا جميعاً، جعلنا منه سطح المنزل!، كذلك الأمر مع زنازيننا، التي إمعاناً مناّ في شدّ وتر قوس الخيال إلى أبعد مدى، جعلناها منازلَ نسكنها بمحض إرادتنا، وليس قسراً.. نرسم على جدرانها، بأعيننا، الأشجار التي نحبّ ونحنّ إليها.. تبلدي، ونيم، ولالوب، ودوم، وليمون.. بعضنا يرسم في ظلالها، أسبلة، بها جرّات فخارية، يقطر منها الماء، تغطيها طحالب من فوهتها وحتى عجيزتها، التي بالتصاقها بالأرض المبلولة، تبدو كما لو أنّ لها جذوراً. وكان منّا من يرسم سماءً تمطر قططاً وسحالي!. كناّ نجرجر أرجلنا متعبين صوب المغسلة، حاملين أكياساً صغيرة تحوي ملابسنا المتهرئة،كما نفعل ذلك مرة كل شهر حين قدوم الماء. كنتُ تآكلتُ من الداخل، أو هكذا كنتُ أرى الأمر، لأنّي كنت فقدتُ تماسكي بفقداني الخيال!.. أنظر حولي فلا أرى الشجر الذي رسمته، بل حجراً صلداً أصماًّ. إنتبهتُ إلى أنّ شاحنة أخرى، غير تلك التي تعوّدنا عليها، هي التي تفرّغ ماءها على الصهريج الضخم بالقرب من البوابة، التي - على غير العادة- كانت مفتوحة على مصراعيها، وحارسان يلعبان الورق في الغرفة الملاصقة للجدار على مدخل السجن. رمحتُ ببصري صوب برج المراقبة، لم يكن هنالك أحد!.. لكنّي درتُ خلف غرفة المؤونة، تحسباً لكي لا يراني الحارسان.. كنتُ أريد التعرف على السائق. كان السائق السابق قال لي:
-" الفرق بيننا وبينكم أخي، أنكم تعيشون في سجن أضيق من الذي نعيش فيه!"
فغرتُ فاهيَ، وكاد أن يغمى عليّ، إذ وجدتني أقف على بعد خطوتين فقط من شُحيم، السائق الجديد!!.. شُحيم؟!!!
واضعاً سبابته على شفتيه المضمومتين، قال لي همساً:
-"هُس!"
نظر حوله، أعاد خرطوم الماء إلى موقعه بعد أن أغلق الصنبور، كان الحارسان منهمكين في لعبتهما ما يزالان.
ارتديتُ بذلة النجاة على عجل، ووضعت عتادي، وزادي، داخل الكيس البلاستيكي، أحكمتُ ربطه، ثم ربطته على ظهري. كانت الريح ساكنة، نظرتُ إلى الساعة في معصمي، ونزلتُ إلى البحر.. بدأتُ أسبح.
____________
كالگاري — 3 أكتوبر 2025
هوامش:
1- الكِتِر: إسمها العلمي:Senegalia Mellifera .. من أشجار السافنا الفقيرة، وشبه الصحراء.
2- أم بيرمي: بلدة في إقليم سمهر في إرتريا، تقع شمال مدينة مصوّع.
3- جيرافيوري: إيطالية، تعني دائرة الورد.
4- دمات ود أُكُد: شاعر، ومن أبطال مقاومة الإحتلال الإيطالي في إرتريا، الذي قام بإعدامه.
5- جبل گدَم: جبل قَدَم، بالقرب من مدينة مصوع.
6- الضريسة: إسمها العلمي Tribulus Terrestris.. نباتات شوكية تنتشر في نطاق واسع في إفريقيا، خاصة في السافنا الفقيرة، وشبه الصحراء.
7- حطملو: من أحياء مدينة مصوّع.
-"اقفز!"
قال لي، فقفزت.. هل كنتُ كالمنوَّم؟.. أم لأنه صديقي الوفيّ، والوحيد الذي تبقّى لي في هذه الحياة، مؤازراً، ومواسياً، إذ تبتلعني لُجج من تحتها ظلمات، من فوقها أُخَر.
في طفولتنا، لعبنا الشدّة على ضفاف سيتيت، كان النهر يضحك لبراءتنا، إذ يرى خيوطاً من نور تنسلّ عن شغفنا، تسمو وتدخل في الشمسِ قُبيل غروبها، وكان الشجر الكثّ يحيينا، والحجر.. والكثبان الممتدة حتى الأفق البعيد تزهو بركضنا على ظهورها العارية إلا من بضع شجيرات الكِتِر(1)، وثعابين ناحلة تطارد فئراناً سمينة. ثم كان أن قُتل خلقٌ كثير ببلدتنا؛ فهربنا إلى ما خلف الحدود.
-"إقفز!"
قفزتُ إلى الشاحنة، فانطلقت بنا بعيدًا مسيرة ساعتين ونصف الساعة. توقفتْ. ناولني قميصاً، وفوطة، وجنبية عفرية.
-" ارتدِ هذا بسرعة، واختبئ هناك في تلك الأجمة!"
حتى لا تثير غباراً قاد شاحنته داخل حقل برسيم شاسع، على امتداد الشريط الساحلي ناحية أم بيرمي(2). جعلتُ أصيخ السمع حتى غاب صوتها، وتوقف الصدى. ثم وجدتني وحيداً لأول مرة منذ عشرين عاماً، حين تم اعتراضي ليلاً في المسافة بين سينما أغردات والجيرافيوري(3)..
-" أنت أب سلاب؟"
-" نعم"
سرتُ أمامهم، كانوا ثلاثة، مدججين بكامل عتادهم، وعابسين.. لم تكن بنادقهم في وضعية الاستعداد، حتى يبدو الحدث عادياً للمارة. آااااه.. لو كنتُ أعلم أنّ غيابي سيطول لعشرين عاماً!، وأنّ زوجتي ستموت كمداً عليّ!، لكنتُ خطفت سلاح أحدهم، ولقاتلتُ حتى آخر نفس!، على الأقل كانت سترحل شامخة الرأس، وليست منكسرة حزينة.
دخلتُ الأجمة. لم أكن خائفاً إلاّ من وقوعي في قبضتهم أسيراً ذليلاً، إذ ليس لي جَلَد دمات ود أُكد(4)، ولا حصانه، الذي كان صهيله يلهمه ويخفّف عليه عار الأسر. ارتديتُ ملابسي على عجل، وحين تمنطقتُ بالجنبية، زال خوفي تماماً.. أخرجتُ الخنجر من غمده، مررتُ أصابعي على النصل الحاد، قلّبته ثم أرجعته إلى حيث كان.. " سأموت واقفاً! " قلتُ بفرحٍ طفولي. أرفع رأسي في المدى بين شجرتين، أعلى قليلاً من نهايات أغصانها، فألمحه!.. إنه هو!.. يا للمفارقة!.. جبل گدَمْ(5)؟!!.. تحت سفوحه التقيتُ بعد فراق طال لأكثر من عشرة أعوام، بصديقي شُحيم!.. تحت سفوحه!.. وهناك أطلقتُ رصاصتي الأولى،كنت الأصغر سناً في الفصيلة.. صعق للمفاجأة، ولأنه يكبرني بنحو عامين إثنين قام مباشرة بدور الأخ الأكبر؛ ونحن نتناول العشاء، ذات يوم، وأحدهم يعزف على الربابة لحناً نشازاً، حاول قائد المجموعة التنمّر عليّ..
-" ما اسمك؟"
-" حدوگ ود علبكيت"
-" ماذا؟"
تدخّل شُحيم وقد احتقن وجهه:
-" إسمه حدوگ علي بخيت"
اعتلت وجه القائد تعابير الاستخفاف والسخرية، وبالرغم من أنه لم ينبس ببنت شفة، قذفه شحيم بلقمة كانت في يده بعد أن كوّرها جيداً. ساد هرجٌ ومرج بعدها. في تلك الليلة نلتُ عقوبتي العسكرية الأولى، لم ينم شحيم حتى نمت، بعد أن ساعدني في إخراج أشواك الضريسة(6)، التي انغرزت في ساقيّ وذراعيّ. ها هو الجبل الآن، على بعد أميال قليلة من مخبئي، يخبرني قائلاً: " هنا بدأت يا حدوگ.. وهنا ستنتهي رحلتك، في حياة طويلة خضتها مليئة بالمرارات والهزائم من كل نوع".
كالبرق، إذ يشقّ نهراً من ضوء بين ضفّتي ظلمة حالكة، خرج إليّ صديقي من بين أشجار المنجروف الناعسة، والمستسلمة كانت لغواية البحر في المدّ والجزر، وصياح الحيتان في أعماقه البعيدة. وهو يدفع أغصان شجرتين متلاصقتين،كطفلين سياميين، مباعداً ما بينهما، وقف لبرهة يطالعني كما لو كان ينفذ إلى داخلي، كي يرى إذا ما كنتُ خائفاً، ألقى كيساً بلاستيكيّاً رمادي اللون على الأرض الجافة تحته، ثم قال لي وهو يبتسم:
-" الآن وقد حصلت على السلاح سوف لن تُقتل، لا سمح الله، كغزالٍ مذعور!"
وكجائع، يُباغَت على حين غرة بأصناف طعام شهيّ، اندفعت نحو الكيس أفتحه، قمتُ بتركيب السلاح، وتلقيمه، ثم تأمينه بسقاطة الأمان. كان في الكيس أيضاً قنبلتان إحداهما دخانية، وتمر، وماء، وحبل، وبذلة نجاة.
-" سأعود بعد نصف ساعة أو أقل قليلاً.. سأجلب السنبوك، إذا تأخرت تسبح حتى تلك الصخرة.. ستبلغها في أقلّ من عشر دقائق، سنلتقي هناك.
ثمّ أردف متهكماً:
-" غالباً أنهم، أولئك العسكر الأغبياء، سلكوا طريقاً خاطئاً، إذ يتوقّعون أننا في داري في حطملو!(7)"
ثم عاد من حيث أتى، بعد أن ناولني ساعة يد. عدتُ إلى الأجمة، خرجتُ منها ثانية ممتشقاً سلاحي، توجهت صوب الشاطئ الذي كان يبعد بأقلّ من خمسين متراً. كان الوقتُ منتصف النهار، الصخرة هناك، وسفينتان تمخران عباب البحر بسلاسة، وسرب نورس يحطّ متصايحاً على الشاطئ، في ذات اللحظة التي يطير فيها سربٌ آخر. تعرّقتُ بفعل الحر والرطوبة.. هل يمكنني القول أيضاً: رائحة البحر أنعشتني؟، أم أنّ بصيصاً من أملٍ صار يمورُ ويتمدّد في داخلي؟.
حين قدم شُحيم إلى السجن في تلك الظهيرة البعيدة، بشاحنته الكبيرة المحمّلة بالماء، كنتُ أخبّ مع زملائي كدابة أنهكها السير، على السطح، الذي وإن كان في حقيقة الأمر سطح الأرض، لكن في مخيلتنا جميعاً، جعلنا منه سطح المنزل!، كذلك الأمر مع زنازيننا، التي إمعاناً مناّ في شدّ وتر قوس الخيال إلى أبعد مدى، جعلناها منازلَ نسكنها بمحض إرادتنا، وليس قسراً.. نرسم على جدرانها، بأعيننا، الأشجار التي نحبّ ونحنّ إليها.. تبلدي، ونيم، ولالوب، ودوم، وليمون.. بعضنا يرسم في ظلالها، أسبلة، بها جرّات فخارية، يقطر منها الماء، تغطيها طحالب من فوهتها وحتى عجيزتها، التي بالتصاقها بالأرض المبلولة، تبدو كما لو أنّ لها جذوراً. وكان منّا من يرسم سماءً تمطر قططاً وسحالي!. كناّ نجرجر أرجلنا متعبين صوب المغسلة، حاملين أكياساً صغيرة تحوي ملابسنا المتهرئة،كما نفعل ذلك مرة كل شهر حين قدوم الماء. كنتُ تآكلتُ من الداخل، أو هكذا كنتُ أرى الأمر، لأنّي كنت فقدتُ تماسكي بفقداني الخيال!.. أنظر حولي فلا أرى الشجر الذي رسمته، بل حجراً صلداً أصماًّ. إنتبهتُ إلى أنّ شاحنة أخرى، غير تلك التي تعوّدنا عليها، هي التي تفرّغ ماءها على الصهريج الضخم بالقرب من البوابة، التي - على غير العادة- كانت مفتوحة على مصراعيها، وحارسان يلعبان الورق في الغرفة الملاصقة للجدار على مدخل السجن. رمحتُ ببصري صوب برج المراقبة، لم يكن هنالك أحد!.. لكنّي درتُ خلف غرفة المؤونة، تحسباً لكي لا يراني الحارسان.. كنتُ أريد التعرف على السائق. كان السائق السابق قال لي:
-" الفرق بيننا وبينكم أخي، أنكم تعيشون في سجن أضيق من الذي نعيش فيه!"
فغرتُ فاهيَ، وكاد أن يغمى عليّ، إذ وجدتني أقف على بعد خطوتين فقط من شُحيم، السائق الجديد!!.. شُحيم؟!!!
واضعاً سبابته على شفتيه المضمومتين، قال لي همساً:
-"هُس!"
نظر حوله، أعاد خرطوم الماء إلى موقعه بعد أن أغلق الصنبور، كان الحارسان منهمكين في لعبتهما ما يزالان.
ارتديتُ بذلة النجاة على عجل، ووضعت عتادي، وزادي، داخل الكيس البلاستيكي، أحكمتُ ربطه، ثم ربطته على ظهري. كانت الريح ساكنة، نظرتُ إلى الساعة في معصمي، ونزلتُ إلى البحر.. بدأتُ أسبح.
____________
كالگاري — 3 أكتوبر 2025
هوامش:
1- الكِتِر: إسمها العلمي:Senegalia Mellifera .. من أشجار السافنا الفقيرة، وشبه الصحراء.
2- أم بيرمي: بلدة في إقليم سمهر في إرتريا، تقع شمال مدينة مصوّع.
3- جيرافيوري: إيطالية، تعني دائرة الورد.
4- دمات ود أُكُد: شاعر، ومن أبطال مقاومة الإحتلال الإيطالي في إرتريا، الذي قام بإعدامه.
5- جبل گدَم: جبل قَدَم، بالقرب من مدينة مصوع.
6- الضريسة: إسمها العلمي Tribulus Terrestris.. نباتات شوكية تنتشر في نطاق واسع في إفريقيا، خاصة في السافنا الفقيرة، وشبه الصحراء.
7- حطملو: من أحياء مدينة مصوّع.