مصطفى الحاج حسين - دموع بين دارين

** ((دموع بين دارين))..

قصة: مصطفى الحاج حسين.

تمنّى أبي أن يلتقي بأمّي، ولو للحظةٍ فقط، ليقول لها كلمةً واحدة.

سيتحدّى أعرافَ مدينته، ويعترف لأمّي دون خوفٍ أو خجل.

نعم، سيضرب بعرض الحائط كلَّ التقاليدِ، والأعرافِ، والعاداتِ البالية، وسيهتف بحرقةٍ، ومرارةٍ، وتحدٍّ، وإصرار:

– أُحبّكِ... أُحبّكِ، يا (زينب) ... يا حبيبتي... يا زوجتي الرائعة... يا أُمَّ ابني، الذي ما شبعتُ منه بعد.

ابني، الذي لا تغيب عنّي ملامحُ وجهه المضيئة، والمشعّة بالفرحة والسعادة، وبسمته الساطعةِ بالموسيقا والورود.

مسحَ أبي دمعتَه، وخرج من غرفته... ذهب إلى (القبّوسة) ، وهي غرفةٌ صغيرة، جدرانها من حجر الحوّار الأبيض، بلا سقف.
تقع في زاوية الدار، قرب (الدّكّة)، المصطبة العالية.
عند الحائط الشمالي من الدار، وبجانبها داليةُ العنب، المتفرّعة عنها غصونٌ عديدةٌ وهائلة، تفقد أبي عُدّةَ شُغله، ولوازم أدوات المعمار، ثم وضعها جميعًا في كيسٍ من الخيش، وربطه بإحكام، وتركه بجانب الباب، وخرج دون أن ينتبه له أحد من أسرته.

كانت جدّتي وعمّاتي الثلاث، و(فطينة) زوجة عمّي (سعيد)، مشغولاتٍ بالتحضير لزواج أبي، فقد أعطى جدّي نقودًا لجدّتي
، كي تشتري كلَّ ما يلزم: من ذهبٍ، وقماشٍ، وأدوات زينة، وما تحتاجه من أدوات ضروريّة.

وكان جدّي عازمًا على إقامة عُرسٍ للرجال والنساء، في غاية الجمال والروعة، ليكون حديثَ أهل البلدة، وكلُّ ذلك نكايةً بجدّي (عبيد)، ليقهره، ويجعله يندم على تشدّده وعناده.

عند زاوية الحارة الترابية، وقف أبي، وأسند ظهره إلى حائطٍ قديم البنيان،
وأخذ يتأمّل، ويفكّر، ويخطّط، ويحلم، ويداري دموعَ عينيه المتوثّبة للانحدار، وقال في نفسه:

– عليَّ أن أُحاول، وللمرّة الأخيرة.

هذه المرّة لن يكون أحدٌ معي. سأذهب بمفردي.
عَمِّي كان يُحبّني، وإنَّ انزعاجه ليس منِّي، بل من أبي.

هو يُدرك أنَّ الذنب ليس ذنبي، ولا ذنب ابنته.

كان على أبي ألّا يطردنا، من أجل سبب بسيط وتافه.

فأنا و(زينب) لا مشاكل بيننا، ولا خلاف، بل على تفاهم ووِفاق… بل على محبةٍ وعِشق.

سأذهب إليه، وأرجوه، وأقبّل يديه، وسأُطلعه على ما عزمتُ عليه…
لأنِّي أرفض أن أتزوّج على ابنته.

لذلك سأهرب… سأترك البلدة… ولن يعرف أحدٌ مكاني.

وفي لحظةٍ خطرت في ذهن أبي فكرة… راقت له، وأعجبته، ونالت استحسانه.

وعزم على تنفيذها فورًا، دون أيّ تأخّر أو تردُّد.
فقد بقيَ على أذان الظُّهر وقتٌ قليل.

قرَّر أن يذهب وينتظر جدّي (عبيد) حين ينتهي من الصلاة في الجامع، ويقترب منه، ويسلّم عليه، ويكلّمه.

وعلى الفور، تحرّك دون إبطاء أو تردّد.

وقف بعيدًا عن باب الجامع، ينتظر أن يحين موعد الأذان.

وحين أذّن المؤذّن لصلاة الظهر، راح يُراقب وفود المصلّين القادمين إلى المسجد.

وأخيرًا، لمح جدّي قادمًا بمفرده، بخطاه الواثقة، ووجهه الصارم.

اقترب أبي من باب الجامع، ينتظر لحظة خروجه… ليُحادثه.

لكنّه كان مرتبكًا، متردّدًا، حائرًا، خجِلاً، خائفًا، منقبض الصّدر، خافق القلب، زائغ النظرات.

وحين بدأ المصلّون بالخروج، تنحّى أبي جانبًا، ليُفسح لهم الطريق،
وأخذ يُقلّب عينيه بينهم، باحثًا عن وجه جدي…
إلى أن بان أخيرًا جدّي، بقنبازه المُقلّم بالأبيض والأسود، ووجهه العابس الذي لا يبتسم.

كان يرتدي جدّي (عبيد) حزامًا أسودَ عريضًا، وسترةً بُنيّة اللون، وعلى رأسه منديلٌ أبيض (المركزيت)، يعلوه (عقال) أسود تتدلّى من خلفه شرائبه.

يمشي ببطء، وكأنّ في قدميه وجعًا يُثقله، وهو ينتعل (تاسومةً) حمراء تلمع.

تبعَه أبي في تردّدٍ وهيبة، تسبق كلّ خطوةٍ منه خشيةٌ صامتة.

كان يلتفت حوله مرارًا، حتى اقترب منه بما يكفي، ثمّ تجرّأ أخيرًا، وتنحنح، وبصوت خفيض قال:

– السلام عليكم يا عمّي...

توقّف جدّي فجأة عن المشي، في ذلك الزقاق الضيّق، الترابي، المتعرّج في صعوده.

التفت إلى أبي، وقال لاهثًا:

– أهلاً، ابني محمد.

تنفّس أبي الصعداء...
ها هو جدّي يردّ السلام، دون أن ينهره، أو يشتمه، أو يهمّ بطرده أو ضربه،
وهذا تحديدًا ما كان يخشاه ويجعله متردّدًا طوال الطريق.

في داخله، شكر الله بحرارة... ثمّ تشجّع أكثر، رغم جفاف حلقه، وقال بفمٍ يكاد لا يسعفه اللعاب.

– عمّي... أتسمح لي بكلمتين معك؟!

يبدو أن قلبَ جدّي قد لان تجاه أبي، بعد أن رأى ما آل إليه حاله من هزالٍ وتعب، وشحوبٍ في الوجه، واصفرارٍ حاد، وصوتٍ مكسورٍ يفضح الحزن والذلّ واليأس.

كان يحبّ أبي ويحنّ عليه، ويُعجب به ويتباهى بين الناس بأنه صهره، زوج ابنته الغالية والعزيزة على قلبه، تلك التي كان مستعدًا أن يفعل المستحيل لإسعادها
لكنّ حماقة جدّي (سامي)، الذي كان صديقًا له وعزيزًا على قلبه، كانت السبب في انزعاجه وثورته، واتخاذه تلك الشروط القاسية... شروطٌ رفضها جدّي الآخر، وأصرّ على تزويج ابنه مرة أخرى، على ألّا يُذعن أو يرضخ لتلك الإملاءات.

ابتسم جدّي حين أراد أن يجيب على رجاء أبي، وقال له، بصوتٍ فيه من المودّة والحنان والتقدير الكثير:

– ما رأيك أن ندخل إلى داري، وتحدّثني بما تريد؟

ربّاه!.. أهذا هو جدّي المتصلّب في كلامه؟!.. أبي لا يكاد يصدّق نفسه، يسمع هذا الكلام من جدّي (عبيد)؟!.. أهو حلم؟!.. أهو نائم؟!.. أهو يتمنّى؟!.. أم يرجو؟!

سار أبي إلى جانب جدّي، على أرضٍ تهزج تحت قدميه، وتحت سماءٍ تضيء بفرحته.. الهواء أخرج من جيوبه النسائمَ الثريّة بالعطر، والآمال المزهرة، وتحوّل حرّ الصيف إلى أجواءٍ ناعمة الملمس، كأنّها من طقس الجنّة.

دخل جدّي داره، بينما توقّف أبي ينتظر،والخوف ينهش قلبه،أن يظهر خالي (عبدو)، ويفسد عليه هذه اللحظة، ويدفعه عن الباب
، ويطرده.

فهو عصبي، سريع الغضب
، يصغر أبي بسبع سنوات، قويّ البنية، عضلاته بارزة
، صدره عريض، ويداه أشبه بالفولاذ.

لكن، والحمد لله، ها هو جدّي يخرج ويدعو أبي للدخول.

أحسّ أبي بأنّه يدخل إلى الفردوس الذي فقده.. هنا، تخيّم رائحة والدتي، وأنفاس أخي (سامي) الجميل، الرائع.

دخل الغرفة التي ما تزال تحتفظ بالكثير من لمسات أمّي، وبصماتها التي كان بإمكانه تمييزها من بين آلاف البصمات.
جلس، وقلبه يترقّب أيّة حركة قد تصدر من الخارج، إلى أن دخل جدّي عليه، مرحّبًا ومبتسمًا، ثم ناوله علبة تبغه، قائلاً:

– تفضّل.. لفّ سيجارة، في البداية.

انتفض أبي، فقد كان من غير المألوف أن يدخّن أمام جدّي.. كما أنّه لا يدخّن أمام أبيه، أو أعمامه، أو أولاد عمّه (أبو حسن) وأخيه (سلمو).
فقال معتذرًا، وهو يطأطئ رأسه:

– لا.. أستغفر الله.. مقامك كبير عندي، كمقام أبي.. لا يمكن أن أدخّن أمامك يا عمّي.

وأصرّ جدّي على أبي، فها هي يده ما تزال ممدودة، تحمل علبة التبغ، وهو يقول:

– أنت رجل، وصار عندك ولد، يساوي الدّنيا كلّها.. خذ ودخّن، أنا أسمح لك.

وتناول أبي علبة تبغ جدّي
، ويده راعشة، والخجل والارتباك باديان عليه بقوّة، والعرق البارد يرشح من جبينه.

كانت أمّي في الغرفة المجاورة، تبكي من فرط فرحتها بمجيء أبي.. كم دعت، وابتهلت، وتضرّعت
، ورجت وتوسّلت إلى الله
، أن يعيدها إلى (أبي) ، الذي تحبّه، وتكنّ له كلّ الاحترام، والتقدير، والمودّة..

فهو نصيبها من هذه الدّنيا، ووالد ابنها.. ألا يكفي أنّها فقدت ابنها (سامي) الأوّل، واحترق قلبها عليه، إلى أن عوّضها الله بأخي (سامي الثاني)؟

فهل ستفجع وتفقد هذه المرّة زوجها، بلا ذنب ارتكبه، أو ارتكبته هي؟
المسكين لا ذنب له، بل والده هو المتحكّم به، القاسي، الصّعب، العنيد، المتكبّر.

كان أبي يقول لجدّي، بعد أن أشعل سيجارته:

– عمّي، أرجوك ساعدني.. لقد قرّرت أن أهرب من البلدة، ربّما أذهب إلى (حلب) أو (بيروت).. أهلي خطبوا لي، وأنا لا أريد غير زوجتي وابني. عجزت عن إيجاد حلّ، ولا يمكن لي أن أطاوع أبي وأمّي.

سكت جدّي برهة، ومن الواضح أنّه كان يفكّر.. تأمّل أبي مليّاً، ثمّ تكلّم:

– اسمع يا (محمد) .. عندي لك حل.

هتف أبي بحرقة:

– ما هو؟ أرجوك، يا عمّي، قله لي.

– أن تترك أهلك، وتعيش عندي هنا، أنت، وزوجتك، وابنك.

ذهل أبي، بل صُعق.. كان كلام جدّي مفاجأةً له، لم تخطر على باله.. أمعقول هذا؟!.. أن يترك دار أبيه، ويسكن عند أهل زوجته
؟!.. إن وافق وفعلها، سيقتل أباه بفعلته هذه حتماً.. سيذبحه، أو يموت من القهر والعار..!

لا أحد يعرف من هو جدّي (سامي).. إنّه ابن (الأغا) ، سليل الإقطاع.. لا يقبل أن يُغلبه أحد، أو ينتصر عليه، مهما كان، حتّى وإن جار عليه الزمان وتبدّلت الأحوال.. لكنّه يبقى ابن عزّ، ورثه عن أبيه.

وأبي لا يمكن له أن يكون أداةً ضدّ أبيه، الذي يحبّه رغم كلّ ما فعله به.. دمدم أبي، وهو متألم:

– أهذا حَلٌّ برأيك يا عمّي
؟!.. أيعقل أن تطلب منّي هذا؟!.. وكأنّك لا تعرف أبي!.. ألم يكن صديقك المقرّب؟!.. ألم تزوّجني من ابنتك بدافع محبّتك له؟!.. لا يا عمّي، مستحيل أن أقبل عرضك هذا.

قال جدّي (عبيد) بهدوء:

– أنا أريدك أن تكون حرّاً، أنت وزوجتك ( ابنتي)، وأن تعيشا دون مشاكل.

وفي تلك اللحظة، دخلت جدّتي (عيوش)، وهي تحمل أخي الصغير (سامي)، ليراه أبي.. فنهض أبي فوراً، وسلّم على ابنة عمّه، حماته، باحترام وخجل.

واستقبل أبي أخي بحرارة، حضنه وضمّه بلهفةٍ وشغفٍ، وقبّله قُبلاً كثيرةً، كبيرةً، وساخنةً، وكانت عيناه تترقرقان بنيران روحه المشتعلة بالشوق والحنين.

قالت جدّتي بعد أن فهمت عرض زوجها (جدّي) على أبي، وبعد أن رأت عدم موافقة أبي على هذا العرض الذي يجد صعوبة في تنفيذه:

– عندي فكرة، تخرجكما من هذا المأزق.

أسرع أبي وهتف برجاء:

– هاتها.. أنقذينا يا ابنة العم، يا (أمّ عبدو) .

وكان جدّي قد اهتمّ بما ستقوله زوجته، فقال لها:

– تفضّلي.. نحن نسمعك.

قالت جدّتي:

– ما رأيك أن تعطيه (مصاري) ، ويستأجر داراً، يسكن فيها مع زوجته وابنه، بمفردهم.. ويكونا لوحدهما، بعيداً عن الجميع؟

ردّ جدّي باستغراب:

– هذا ما طلبته من البداية.. ورفضه عمّك (سامي)!.. فما الجديد في هذا الأمر؟

وافقه أبي، متسائلاً باستغراب وحذر:

– فعلاً.. ما الذي تغيّر؟ وهل ستوافقون الآن إن أنا فعلت ذلك؟!

– نعم.. ما الجديد؟!

ردّت جدّتي، وهي تبتسم بثقة وهدوء:

– عمّك (سامي) رفض الفكرة لأنّك طلبت منه أن يشتري أو يستأجر لك بيتاً من نقوده.. أمّا هنا، فأنت ستأخذ النقود منّا، وتستأجر أنت بنفسك. يعني لم تعد بحاجة لمساعدة أبيك.فما علاقته بك إن قررت أن تستقلّ بنفسك، مع أسرتك الصغيرة؟! هل في ذلك عيب أو حرام؟!

ظلّ أبي غارقاً في التفكير
، تتلاطم داخله المواقف والمخاوف.. وقال في نفسه:

– هذه أفضل طريقة.. لكنها محفوفة بالمخاطر.. أبي سيجنّ إن علم أني أخذت نقوداً من أهل زوجتي.

ثم التفت إليهم وقال بتحفّظ:

– النقود التي سأحتاجها ستكون ديناً عليّ طبعاً.. ومع ذلك، سيرفض أبي إن قلت له إنني استدنتها منكم.

هتف جدّي بعجلة، وبنبرة حاسمة:

– النقود منّي هي لابنتي.. وأنا مستعدّ أن أشتري لها داراً، إن احتاج الأمر!

قال أبي:

– ولكنّي أنا لا أريد.

ردّ عليه جدّي، بثبات وهدوء الحكمة:

– ألن تكون ابنتي، أحد الوارثين لي إن أنا متّ؟ إذًا سأعطي ابنتي ورثتها مني، وأنا على قيد الحياة
.. فهل هناك ما يمنع؟! أو يعارض؟!

قالت جدّتي بتأثّر وحرارة قلب:

– بعيد الشر عنك.. أطال الله لنا في عمرك.

وتابع أبي قائلاً، وقد ازداد إصرارًا:

– آمين.. المهم الآن أن أستأجر داراً، وأستقلّ بنفسي، دون الحاجة لأبي.

وفي تلك اللحظة،أحضرت أمّي الشاي، ونقرت بأطراف أصابعها على باب الغرفة، بخجل وحياء. نهضت جدّتي لتأخذ صينيّة الشاي منها، لكن جدّي صرخ من مكانه بنبرة دافئة:

– ادخلي يا (زينب).. تعالي وسلّمي على زوجك!

خفق قلب أبي بقوّة عظيمة.. كاد السقف الخشبي للغرفة أن يطير فوق رؤوسهم، من شدة النبض.. كانت اللحظة حاسمة، نورانية، تختصر أشهراً من القهر والحنين والانكسار، وتعيد إلى قلبه الحياة من جديد.

وسرت البهجة والسّعادة في عروقه بدلًا من الدّم.. وكانت خلجات روح أبي تهتف بفرحةٍ لا نظير لها:

– ما أروعك يا عمّي.. وما أطيبك.. وما أعظمك! أنت الذي كنت أحسبك مثل أبي، ظالمًا، قاسيًا، بلا قلب، أو رأفة.. كم أنا أحبّك، وأحترمك، وأقدّرك.

عندما فتحت جدّتي الباب، وتناولت من أمّي صينيّة الشّاي، قالت لها بنبرة لم تسمعها منذ زمن:

– بدّلي ثيابك، وتعالي سلّمي على زوجك.. لقد سمح لك أبوك، وهو يناديك.

جنّ جنون قلب أمّي الرّهيف.. طار صواب فرحتها في خلاياها التي نبضت بالضّوء، وشعّت ضحكةُ الدّم، وتناثرت قطرات الوميض من عينيها. لم تصدّق ما سمعته.. لعلّها تتخيّل؟ تحلم؟ تتمنّى؟ أم ترجو كما في كلّ مرة؟!

استقبلتها المرآة راقصة.. وكان النّور مجمّعًا في غرفتها، جاء يبارك لها هذا اللقاء الذي ظنّته بعيدًا مستحيلًا.. فكم ذرفتْ عيناها من دموع في هذه الأيّام الأخيرة؟! دموع الأسى والانتظار واليأس، ها هي الآن تتبدّل فرحًا وبشائرًا.

ستعود إليها سعادتها، إن شاء الله… وهتفت لها مرآتها المدلّلة:

– قلتُ لكِ، لن يتخلّى عنكِ وعن ابنه.. سيعود مشتاقًا.

وبسرعةٍ انتقت ما ستلبس
، ارتدته، رتّبت شعرها بيدين راجفتين من الفرحة، وووو… ها هي جاهزة لتدقّ الباب، وتدخل عليه، مرتبكةً، محمّرةَ الخدّين، وتهزّها خفقةُ القلب، وتوهّج اللقاء.

انحنت على يد أبي، قبّلتها بحبّ، بشوق، بحنانٍ عميق، كأنّها تعتذر له عن كلّ ما لم يكن بيدها.. وكان أبي يحسّ بلمسات شفتيها، برجفة أنفاسها المضطرمة، بتوسّل جسدها أن يُضمّ إلى دفء صدره.. وتمنّى لو ينفرد بها، ليعانق رقّتها، وينهل من عذوبة حضورها واشتياقها.

لكنّه انتبه إلى شروده، فانتزع يده بسرعة، وقال بتلعثم، يخفي اضطرابه:

– أهلاً… يا ابنة الحلال والأصول.

كانت تحتضن أخي (سامي)، وتبحث عن مكان تجلس فيه، تنظر إليه بخجلٍ حنون، وما كادت تستقر حتى انفتح الباب بعنف…

دخل خالي (عبدو)، محمرّ العينين، وجهه يشتعل بالغضب، وصاح بجنون:

– ماذا يفعل ابن السّكران هنا؟!*

مصطفى الحاج حسين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى