* - سلسلة قصص عن أبي -
كان (جدّي) يحبّ(جدّتي)
، لكنّه لم يستطع أن يطيق تربية ابنها، عمّي (سعيد)، رغم أنّه لم يكن يبخل عليه بشيء، إلّا بعواطفه.
وقد عرفت (جدّتي) ذلك، بل أحسّت به جيّدًا،
فعهدت إلى أخيها الحاج (أحمد) أن يتركه عنده،
ويتولّى تربيته ورعايته.
وصار عمّي (سعيد) يزور أمّه يومًا كاملاً كلّ أسبوع،
وكانت (جدّتي) مُرغمةً على الصبر، كي لا تتشاجر مع (جدّي)، حتى اعتادت، واعتاد عمّي هذا الأمر.
وبعد بضع سنوات من عمل (جدّي) و(جدّتي) في زراعة القطن، استطاع (جدّي) أن يجمع بعض النقود، فترك (الأرض)، وعاد إلى مدينته. استأجر دارًا في الحارة القبليّة،
وتحوّل إلى تاجرٍ صغير،
يبيع الأقمشة على ظهر حماره في الأرياف، أدوات زينة، وعطورات رخيصة، وحلوى، وأشياء كثيرة، هامّة وناعمة،
يحتاجها أهل القرى النّائية عن المدن، في الرّيف الشرقي.
وكان (جدّي) يطيل السّفر لمدّة شهرين أو أكثر،
وكانت (جدّتي) تغتنم هذه الفرصة لتحضر ابنها، عمّي (سعيد)، فيقيم عندها في دارها، إلى أن يعود (جدّي) من سفره.
وكان (جدّي) لا يتضايق من مجيء عمّي عند أمّه في غيابه، ولا من عيشه مع إخوته.
كافح (جدّي) كثيرًا،متنقّلًا في الأرياف، ينام عند زبائنه، ويأكل ممّا يقدّمونه له.. حتّى فاجأ (جدّتي) بشراء أرضٍ قريبةٍ من سكناهم في الحارة (القبليّة).
فرحت (جدّتي)، وباعت مصاغها الذهبي، الذي ورثته عن أمّها بعد وفاتها،
وتمّت المباشرة ببناء هذه الدّار، التي نسكنها الآن.
وكبر (أبي)، وصار يافعًا...
ولم يُفلِح (أبي) في المدرسة، بسبب كَسَله،
فلا أحد في المنزل يعرف القراءة والكتابة، ليهتمّ به ويتابع حلّ وظائفه، وتحفيظه دروسه.
لذلك، قرّر (جدّي) إخراج (أبي) من المدرسة، وكان في الصفّ الثالث الابتدائي، وأرسله ليعمل في مهنة العمارة، مع أبناء أخيه الحاج (حسن).
وكان الحاج (حسن)، الابن الأكبر لـ(الأغا الحاج حسين)، قد سكن دار أبيه، بعد أن توزّعت التركة القليلة عليه وعلى باقي إخوته.
وكان يطمح أن يُعيد أمجاد أبيه، وقد كان جميع الناس يحترمونه ويهابونه، ويعتبرونه بمنزلة (الأغا) والده،
خاصّةً وأنّ عنده أربعة شباب، يعملون في العمارة بصفة معلمين، ويعمل تحت أيديهم العديد من العمّال، من النقّاشين والطّيّانين.
وطلب (جدّي) من أبناء أخيه أن يعمل (أبي)معهم
، وأن يتكفّلوا بأمره،
ويعلِّمونه صنعة البناء على أصولها، وكان مسموحًا لهم أن يُعاقبوه، ويضربوه بلا شفقة أو رحمة، في حالِ تَقاعَس، أو ارتكبَ ذنبًا، فهم مُعلِّماه، وأبناءُ عمِّه، وزوجا أختَيْه مستقبلًا.
لم يكن (أبي) يحمل ذات الصّفة الجسديّة مثل أبناء عمّه، فهم ضِخامُ الجِثث، أقوياء الأبدان، و(أبي) على العكس منهم؛ فهو صاحب جسمٍ هزيلٍ وضعيف، إلى جانب قامته القصيرة.
وكلُّ هذه الصفات الجسديّة لا تتناسب مع صنعة البناء، فهي مهنةٌ صعبة، قاسية، شاقّة، ومتعبة، تحتاج إلى أصحاب أجسادٍ عملاقة،
ذوي جلودٍ سميكةٍ وملبّدة
، ولهم عضلاتٌ بارزة،وأيادٍ شديدةٌ وخشنة، وأكتافٌ عريضةٌ متصلّبة، وظُهورٌ متينة، وأفخاذٌ مشدودة،
وسيقانٌ صلبة، وأقدامٌ كبيرةٌ راسخة، وأصابعُ غليظةٌ وحادّة، ووجوهٌ "مكشّرة" وقاسية، وعيونٌ وقحة، تتحدّى وطيسَ الشمس، والعرقُ المتصبّب منهم، والغبارُ الهائج، وزعيقُ المُعلّمين، وسبابهم
، وشتائمهم، وأحيانًا ضربهم، وإهانتهم،
وشدّ آذانهم، وقرص خدودهم، أو صفعها،
وركلهم على مؤخراتهم، ودفعهم، والجري وراءهم، وملاحقتهم، ورميهم بالحجارة، أو الحصى، أو بقطع الخشب، وربما بالقاذورات، أو الوسخ والتراب.
وكان مطلوبًا من أبي أن يتحمّل كلّ هذا، من مُعلّميه، أبناءِ عمّه،أصهرتِه
وخاصة (سَلْمو)، المغرور، المتعجرف، الذي لا يَشفق، ولا يعرف قلبُهُ الرّحمة.
كان أبي لا يقدر على مواجهتهم، أو تحدّيهم،
إذْ سرعان ما يتكاثرون عليه، وينهالون عليه ضربًا مبرّحًا، إلى درجة أن يسيل الدم من فمه، أو أنفه، وقد تتورّم عيناه، أو وجهه، أو تنكسر إحدى يديه.
وبتلعثمٍ، يشي بخوفٍ شديد،. يقول أبي، وهو يهمّ بالبكاء:
- "إنّهم يُعاملون أخيهم (ياسين) معاملةً جيّدة...
فهم لا يضربونه، ولا يصرخون في وجهه،
كما أنّهم يهتمّون به أكثر،
ليتعلّم، ويسبقنا، ويُصبح معلّمًا علينا!"
وهنا، يصرخ (جدّي)، موجّهًا كلامه إلى (جدّتي)
، وكأنّ الفرج قد جاءه:
- "هل سمعْتِ؟!
إنّ ابنكِ (الجحش)، يغار من ابن عمّه (ياسين)!
و(ياسين) أشطرُ منه، وأقدر منه في الشغل!"
ثمّ، يلتفت نحو أبي، ويقسم مهدّدًا:
- "قسَمًا بالله...
لو عدتَ واشتكيتَ من معاملة أولاد عمّك لأمّك،
مرّةً ثانية... لأقصّ لسانك الطويل هذا! هيّا انصرف! وانقلع من أمام وجهي!".*
مصطفى الحاج حسين
كان (جدّي) يحبّ(جدّتي)
، لكنّه لم يستطع أن يطيق تربية ابنها، عمّي (سعيد)، رغم أنّه لم يكن يبخل عليه بشيء، إلّا بعواطفه.
وقد عرفت (جدّتي) ذلك، بل أحسّت به جيّدًا،
فعهدت إلى أخيها الحاج (أحمد) أن يتركه عنده،
ويتولّى تربيته ورعايته.
وصار عمّي (سعيد) يزور أمّه يومًا كاملاً كلّ أسبوع،
وكانت (جدّتي) مُرغمةً على الصبر، كي لا تتشاجر مع (جدّي)، حتى اعتادت، واعتاد عمّي هذا الأمر.
وبعد بضع سنوات من عمل (جدّي) و(جدّتي) في زراعة القطن، استطاع (جدّي) أن يجمع بعض النقود، فترك (الأرض)، وعاد إلى مدينته. استأجر دارًا في الحارة القبليّة،
وتحوّل إلى تاجرٍ صغير،
يبيع الأقمشة على ظهر حماره في الأرياف، أدوات زينة، وعطورات رخيصة، وحلوى، وأشياء كثيرة، هامّة وناعمة،
يحتاجها أهل القرى النّائية عن المدن، في الرّيف الشرقي.
وكان (جدّي) يطيل السّفر لمدّة شهرين أو أكثر،
وكانت (جدّتي) تغتنم هذه الفرصة لتحضر ابنها، عمّي (سعيد)، فيقيم عندها في دارها، إلى أن يعود (جدّي) من سفره.
وكان (جدّي) لا يتضايق من مجيء عمّي عند أمّه في غيابه، ولا من عيشه مع إخوته.
كافح (جدّي) كثيرًا،متنقّلًا في الأرياف، ينام عند زبائنه، ويأكل ممّا يقدّمونه له.. حتّى فاجأ (جدّتي) بشراء أرضٍ قريبةٍ من سكناهم في الحارة (القبليّة).
فرحت (جدّتي)، وباعت مصاغها الذهبي، الذي ورثته عن أمّها بعد وفاتها،
وتمّت المباشرة ببناء هذه الدّار، التي نسكنها الآن.
وكبر (أبي)، وصار يافعًا...
ولم يُفلِح (أبي) في المدرسة، بسبب كَسَله،
فلا أحد في المنزل يعرف القراءة والكتابة، ليهتمّ به ويتابع حلّ وظائفه، وتحفيظه دروسه.
لذلك، قرّر (جدّي) إخراج (أبي) من المدرسة، وكان في الصفّ الثالث الابتدائي، وأرسله ليعمل في مهنة العمارة، مع أبناء أخيه الحاج (حسن).
وكان الحاج (حسن)، الابن الأكبر لـ(الأغا الحاج حسين)، قد سكن دار أبيه، بعد أن توزّعت التركة القليلة عليه وعلى باقي إخوته.
وكان يطمح أن يُعيد أمجاد أبيه، وقد كان جميع الناس يحترمونه ويهابونه، ويعتبرونه بمنزلة (الأغا) والده،
خاصّةً وأنّ عنده أربعة شباب، يعملون في العمارة بصفة معلمين، ويعمل تحت أيديهم العديد من العمّال، من النقّاشين والطّيّانين.
وطلب (جدّي) من أبناء أخيه أن يعمل (أبي)معهم
، وأن يتكفّلوا بأمره،
ويعلِّمونه صنعة البناء على أصولها، وكان مسموحًا لهم أن يُعاقبوه، ويضربوه بلا شفقة أو رحمة، في حالِ تَقاعَس، أو ارتكبَ ذنبًا، فهم مُعلِّماه، وأبناءُ عمِّه، وزوجا أختَيْه مستقبلًا.
لم يكن (أبي) يحمل ذات الصّفة الجسديّة مثل أبناء عمّه، فهم ضِخامُ الجِثث، أقوياء الأبدان، و(أبي) على العكس منهم؛ فهو صاحب جسمٍ هزيلٍ وضعيف، إلى جانب قامته القصيرة.
وكلُّ هذه الصفات الجسديّة لا تتناسب مع صنعة البناء، فهي مهنةٌ صعبة، قاسية، شاقّة، ومتعبة، تحتاج إلى أصحاب أجسادٍ عملاقة،
ذوي جلودٍ سميكةٍ وملبّدة
، ولهم عضلاتٌ بارزة،وأيادٍ شديدةٌ وخشنة، وأكتافٌ عريضةٌ متصلّبة، وظُهورٌ متينة، وأفخاذٌ مشدودة،
وسيقانٌ صلبة، وأقدامٌ كبيرةٌ راسخة، وأصابعُ غليظةٌ وحادّة، ووجوهٌ "مكشّرة" وقاسية، وعيونٌ وقحة، تتحدّى وطيسَ الشمس، والعرقُ المتصبّب منهم، والغبارُ الهائج، وزعيقُ المُعلّمين، وسبابهم
، وشتائمهم، وأحيانًا ضربهم، وإهانتهم،
وشدّ آذانهم، وقرص خدودهم، أو صفعها،
وركلهم على مؤخراتهم، ودفعهم، والجري وراءهم، وملاحقتهم، ورميهم بالحجارة، أو الحصى، أو بقطع الخشب، وربما بالقاذورات، أو الوسخ والتراب.
وكان مطلوبًا من أبي أن يتحمّل كلّ هذا، من مُعلّميه، أبناءِ عمّه،أصهرتِه
وخاصة (سَلْمو)، المغرور، المتعجرف، الذي لا يَشفق، ولا يعرف قلبُهُ الرّحمة.
كان أبي لا يقدر على مواجهتهم، أو تحدّيهم،
إذْ سرعان ما يتكاثرون عليه، وينهالون عليه ضربًا مبرّحًا، إلى درجة أن يسيل الدم من فمه، أو أنفه، وقد تتورّم عيناه، أو وجهه، أو تنكسر إحدى يديه.
وبتلعثمٍ، يشي بخوفٍ شديد،. يقول أبي، وهو يهمّ بالبكاء:
- "إنّهم يُعاملون أخيهم (ياسين) معاملةً جيّدة...
فهم لا يضربونه، ولا يصرخون في وجهه،
كما أنّهم يهتمّون به أكثر،
ليتعلّم، ويسبقنا، ويُصبح معلّمًا علينا!"
وهنا، يصرخ (جدّي)، موجّهًا كلامه إلى (جدّتي)
، وكأنّ الفرج قد جاءه:
- "هل سمعْتِ؟!
إنّ ابنكِ (الجحش)، يغار من ابن عمّه (ياسين)!
و(ياسين) أشطرُ منه، وأقدر منه في الشغل!"
ثمّ، يلتفت نحو أبي، ويقسم مهدّدًا:
- "قسَمًا بالله...
لو عدتَ واشتكيتَ من معاملة أولاد عمّك لأمّك،
مرّةً ثانية... لأقصّ لسانك الطويل هذا! هيّا انصرف! وانقلع من أمام وجهي!".*
مصطفى الحاج حسين