-1-
ليس لي أي علاقة بما يجري حولي. يسمّونني السلحفاة. لا يعنيني هذا الاسم ولا غيره في شيء إطلاقاً. من أين جيء به؟لا يهم. ما يهم هو أنني كائن صدفاتي. بيتي وموطني، سمائي وأرضي وعالمي الكبير ما تحمله صدفتي في الداخل. بالكاد أخرج رأسي لأبصر طريقي، يكفيني ذلك. مشيتي هي هي عموماً، أنا مطمئنة إلى طريقي مهما طال. لا أفكر في كيفية الوصول إلى النهاية، متى وكيف! ما يهم هو أنني أمشي.
-2-
هوذا الأرنب الذي يهدأ، كما هو قضْمه المستمر للعشب وغيره دون شبع، هكذا يلتفت، يقفز هنا وهناك. ليس من صلة لي به، لا قربة بيننا، ولا بأي شكل، سوى أنه لا يغيب عن ناظري. ماذا به؟. ألمحه دائماً، حين يشير إلي ليلفت الأنظار. يريد أن يثبت أنه أسرع منّي. ماذا يعني ذلك؟ لم أفكّر لحظة في علاقة كهذه. إنه هو من يتصرف هكذا. كلما نظر ناحيتي ، وأنا أراه جانبياً، يضحك، ليضحك الآخرين معه. تارة يمشي مثلاً ، وتارة أخرى يتقدم علي، وتارة ثالثة يتراجع إلى الوراء، وتارة رابعة يحث خطاه وتتسع المسافة بيننا، فيلتفت إلى الوراء وكله سخرية، باعتباري عاجزاً عن مجاراته. أنا لم أضع في اعتباري مثل هذا الشيء .
-3-
الأرنب لا يهدأ.كأن ليس من حيوان صدفي أو غيره يثيره أكثر مني، ربما يكون هذا مصدر بهجة لغيري، أما بالنسبة لي، فلم أعتد علاقة كهذه . يكفي أنني أُعرَف بفضيلتين: الماء والبر، الاثنان سكناي! يا لثروتي!
ذات مرة وكعادتي وأنا أسلك طريقي المعتاد. كان هناك حضور غريب لمن اصطفوا على جانبي الطريق. طريقي. هناك من يعطونه لبعضهم بعضاً، ما يجري تسجيله على ورقة، والأرنب ملاصق لهم. الذين اصطفوا على الجهتين لا بد أنهم جاؤوا للتسلية. يا لبلههم! ثمة لافتة تحمل عبارة بالخط العريض: مسابقة بين الأرنب والسلحفاة . الأرنب وراءها. ومن غيره، ليكون مثل هذا الحضور العجيب الغريب ؟
-4-
الأرنب لا يكف عن التعليق علي. لا يكف عن لفت الأنظار إلي، وهو يقلد مشيتي، وتارة يحول بيني وبين مشيتي. أنعطف قليلاً، ولا أعباً به. يحاول ذلك مراراً، وهو يقفز من باب اللهو، ولاستمتاع الحضور. ماذا يريد هذا الأحمق؟ أليثبت قدرته على الجري ومغالبتي؟ لكنني بعيدة عن كل ذلك؟ وماالذي يشد هؤلاء الذين حضروا وضمن مسافة بعيدة، مصطفين ، يهزون أيديهم، ويرفعون هتافاتهم، والأرنب لا يكف عن القفز، والتباطؤ، لينال إعجابهم، وهم يصفقون له. لكنني لا أكترث بكل ذلك.. لقد خلِقت لألازم طريقي ، هكذا أنا .
-5-
يبدو أن التعب نال من الأرنب، وكونه شديد الثقة بنفسه، اتخذ رقعة صغيرة في ظل شجرة، واستسلم للنوم.. رأيته، وأنا أمر به، وأتعداه، لم أفكر فيه، وحده الطريق يشدني إليه. كان فمه مفتوحاً، لعلها ابتسامته الدالة على ثقته الكبيرة في نفسه. العيون كلها علي، وملؤها استهزاء . الجميع يسخرون من مشيتي، وفي حماسهم هذا نسوا " أرنبهم "..ثمة شريط حريري اصطدمت به.. انقطع، وعبرته، دون أن أتوقف.. هياج ملك الحضور، وقد فتحوا أفواههم دهشة، وصيحة مدوية: فاااازت السلحفاة ..
-6-
من نظَّم مسابقة كهذه؟ لا شأن لي بها، ولا بأرنبهم. إنها تفاهات عندي، مذ أبصرت الحياة، كما كان أسلافي، وهم هكذا.. ثمة أيد التقطتني، ورفعتني عالياً.. قاومت دون جدوى.. كانت أرجلي عالقة في الهواء..وقد أدخلت رأسي إلى الداخل .
عجزوا عن وضع " وسامهم " ذي الشريط الذهبي في رقبتي..كنت لامبالية بهم .
يبدو أنهم تضايقوا مني، لأنني لم أستجب لهم..من مسافة عالية رموني أرضاً.. لا بأس.. صدفتي تتحمل شدائد كهذه..لا بد أنهم التفتوا إلى أرنبهم، وهم ساخطون، منزعجون، لا بل ومصدومون مما جرى..
-7-
اختفوا عن ناظري، هم وأرنبهم ، وأنا أتابع طريقي، وقد أخرجت رأسي، ومنحته دفعة إضافية من مط الرقبة، حيث الهدوء كان يحفزني على المتابعة، وطريقي كان يزداد انبساطاً واتساعاً أمامي..