إبراهيم محمود - صورة مصغَّرة "مجرد استهواء"

1761980076756.png

بابلو بيكاسو: الصبي ذو الغليون


قامتي قصيرة
لأدق مسماراً
أحتاج إلى سلَّم
لأنزل كتاباً من على الرف
أحتاج إلى كرسي
لأقطع عنقود عنب من دالية البيت
أحتاج إلى من يرفعني قليلاً
لكني أمتلك القدرة
على معانقة النجوم
وملامسة القمر
والصعود بخيالي عالياً
ومعايشة قمم الجبال دون أي مساعدة
ليسأل من يريد التحقق
***
يدي صغيرة
لا تقوى على إمساك كأس ماء طويلاً
التحكم بمقبض الباب لفتحه
حمْل جسم يزن كيلوغرامين
رفْع سطل من الماء عن الأرض
لكنني أستطيع تقديم وردة عطرة
لمن يريد انتعاشاً
لكنني أمدها لمصافحة كل من يمر بي
بها أعيد فرخ عصفور إلى عشه
بها أحرص على بقاء زجاج النافذة نظيفاً دائماً
بها أستطيع سقي شجرة البيت يومياً
يدي لم أقبضها لحظة في وجه عابر سبيل
يدي أمدها لصغير يستقبل الهواء واقفاً
بها أستطيع مسح الدمع عن عيني طاعن في السجن
بها أستطيع أن أبعد حجرة عن الطريق لئلا تصيب أحداً
بها أستطيع أن أمسك بيد عجوز لعبور الشارع
بها أستطيع تغطية الجدة حين تنام
بها أستطيع أن أمشّط شعر أمي وتضمخ أمومة

***
صدري ضيق
لا يتسع لإيواء رضيع
بحجم مخدته في المهد
لكنه يستطيع الدخول في عناق طويل
مع أي كان مهما كان ثقْله
وهو ينشرح برؤية جدول ماء رقراق
باحتضان أي غريب يأتيه مبتسماً
باستنشاق الهواء الصباحي ليمتلىء بسرّه الكوني
صدري يتسع لاحتضان محيط لازوردي لامتناه
صدري يتحمل الضغط الهائل لعناقات تطرب القلب
صدري بضيقه يمكنه تمرير أنهار من التحيات إلى بحر السلام الوديع
صدري المحدود يتقبل ارتشاف الحدود التي تتخلى عن اسمها
صدري بضيقه مفتوح لهبوط كل النجوم والكواكب عليه بألقها
صدري بضيقه يستوعب أعراس عشاق الأرض مع ضيافة مجانية
***
فمي بمساحة تستغرق أسناني الأمامية
كم جرى الاستخفاف به
لكن فمي هذا:
لم يحصل أن ابتلع لقمة أقلقت لسانه
لم يحصل أن ازدرد لقمة أتعبت لهاته
لم يحصل مرة أن انفتح أمام ذباب طائش
لم يحصل أن أجاز للسانه تجاوز شفتيه
لم يحصل مرة أن قذف بصقة لتنال من دودة زاحفة
لم يحصل له أن انفتح سهواً وعيني نائمة
لم يحصل له أن أظهر أسناناً تقلق الهواء
***

عيني عسيرة مذ كنتُ
كم تجهدني هذي العين
وأنا في هذا العمر المترامي الأطراف
بهذا الدفق الشاسع من الموجودات
لكن عيني هذه تقرأ النجمة المأخوذة بمدارها
لكن عيني تشع لرؤية لندى على أفواف وردة
لكن عيني تومض لمرأى نحلة ترتشف رحيقاً
لكن عيني تتفتح لوقع ابتسامة لامرأة موعودة بالرحابة
لكن عيني تتسع رؤية بلمحها لفراشة تدرب جناحيها على الطيران
لكن عيني تعاين أحلاماً جلية في استواء الليل
لكن عيني لم تخذلني يوماً في مجانبة طريقي الهادي
***
كم قليلة هي كلماتي
إنما.. إنما.. إنما
ماذا أريد من سيل ينزع عني طمي روحي جرْفاً؟
ماالذي أريد من كلمات أكثر مما أثبت هنا:
كم كبرتُ وكبرت والطفولة تسبح ضوءاً في مياهي حياتي العميقة
كم صغرت ولم أزل أصغر وأنا أتقدم في العمر لأحسن الحياة أكثر
كم جرّبت ضروب الحب، وأخفقت فيها كثيراً فسعدتُ حباً بما نورّني به قلبي
كم صافحت وجوهاً، ألسنة، لغات، وزدت قرباً من قارة روحي المتسعة
كم تلقيت طعاناً ممن ألبسوني إنسانية، تسميهم، فتعافيت كثيراً بعزاء نفسي
كم سماء أطبقت علي لمن أردتهم نجوماً، فسارعت أرض اعتنقتها وسمتْ بي عالياً
كم اسماً، لقباً، وجهاً، تحرش بي، فتحررت من كل من الاسم، اللقب، والوجه
وهأنذا أقيم عامر الروح حيث لا يضيء خارجي سوى داخلي
مكتفياً بالقليل القليل ممن يتدفقون سلاماً بأدور مع أرضي ذات الغفران البهيج
***
خلاصة القول في صورتي المصغرة:
ماذا أريد من الطريق سوى أن تكون بمقاس خطوي
ماذا أريد من النهر سوى أن يكون سرير تأملاتي
ماذا أريد من الجبل سوى أن يكون إطلالة رغبتي
ماذا أريد من الليل سوى أن يكون الشراع الهادي لحلمي
ماذا أريد من النهار سوى أن يكون عبوري إليَّ
ماذا أريد من الوردة الوردة سوى أن تكون مسرَّة عيني
ماذا أريد من الحقل الحقل سوى أن يكون ظلاً لوجهي
ماذا أريد من الهواء سوى أن يكون على قياس أنفاسي
ماذا أريد من الروح روحي سوى أن تكون صوتي الفصيح إلى سواي بعد رحيلي؟؟!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى