علجية عيش.. بائعة الأقلام .. قصة قصيرة

بائعة الأقلام .. قصة قصيرة
---------------------------------
عندما يجافيك النوم تأخذ كناشتك و القلم و تدوّن كل ما يجود به خاطرك ، تعبر فيها عن شيء ينغص عليك حياتك، بتحول إلى كابوس يلا حقك كالظل، ، لكن التحدي يجعلك تصمد صمود الجبال من أجل تحقيق غاية نبيلة، و ليسمح لي كل من يتابع خربشاتي، أن أتحدث هذه المرّة عن المادة و حاجتنا إليها، ليس لأن يتحول الإنسان عبد لها، و إنما باعتبارها وسيلة للعيش بكرامة، حتى لا نمدّ يدنا للأخر، و نكسب قوت يومنا بأيدينا، فالواقع أثبت أن المال يشق لك طريقا في البحر، و يحقق لك أمنياتك، قلتُ أن الغاية النبيلة تتطلب من صاحبها الصمود و التضحية و الصبر و المقاومة في مواجهة الصّعاب، و لعل هناك من عاش هذه التجربة أو مرّت عليه و لو مرة في حياته، و وجد نفسه واقعا في مطبٍّ لم يعمل له حساب، فأحيانا يتهاون المرء في وضع مخطط لكل حركة يقدم عليها، خاصة إن كانت تتعلق بالسفر ، الذي يتطلب استعدادا له من كل الجوانب.

77e2e497-a59e-4f2d-9ab7-0eb8e5e21e01-thumbnail-770x770-70.jpg

اقدم هنا واقعة حدثت لمولعة بالترحال من اجل كسب المعرفة، فقد اعتادت التنقل من مدينة إلى مدينة لمجالسة الكبار من أهل العلم و الفكر، لم يفتها لقاء إلا و شاركت فيه، و في يوم من الأيام أرادت أن تشارك في مجلس علمي، و لم يكن معها المال الكافي، لأن مالها أنفقته في الترحال، قررت أن تنقطع عن الأكل من أجل ان تجمع المال للسفر، ماعدا كمية من الحليب و قطعة خبز كبيرة قسّمتها إلى أجزاء تسدّ بها جوعها و تضمن لها البقاء لأيام ، رغم حالتها المرضية، (فهي تعاني من مرض مزمن)، وحالتها الصحية لا تتحمّل الجوع ، وجدت نفسه تتخبط في مشكلة لم تجد لها حلاًّ .. ما عساها أن تفعل؟ ، جيب فارغ، و معدة خاوية و نفسٌ متعبة، و قد تسبب الجوع في فقدان توازنها و التركيز في الأشياء، منعتها عزة النفس من أن تخبر من حولها بأنها لم تأكل منذ أيام من أجل أن توفر تكاليف السفر.

images

قد يقول قائل إنه الجنون بعينه، نعم هو الجنون بعينه عندما يغامر الإنسان بحياته من أجل هدف نبيل، جلست أمام الجمع و كانت سلوكاتها متغيرة ، فهي لم تأكل لأيام و فقدت توازنها، وكيف لمن معدته فارغة أن يتكيف مع وضع جديد؟ و هو يتعرف على أشخاص جدد ، يلتقي بهم لأول مرة، نعم في الحياة نتعرف على أشخاص و نألفهم و قد تهُبُّ ريح قوية، تجرُّ ما حولها ، لكن تظل أسماؤهم منقوشة في ذاكرتنا ، ثم نتعرف على أشخاص آخرين، نشعر تجاههم بالألفة، فلا نستطيع مفارقتهم، لأنهم أثّروا فينا، فأحببناهم في الله ، و قد تجدنا نتودد إليهم و نتمنى قربهم، قد تكون هذه الألفة و المودة تعبر عن قاسم مشترك بيننا ، قد تكون فكرة جمعتنا بهم، أو قضية نناضل من أجلها زادت في تعلقنا بهم.

" إنما المؤمنون إخوة "...، في لقاءٍ ربّاني ، جمعتنا روح مالك بن نبي، إحساس جميل يُشْعِرُكَ بالانتماء، لأنهم أحاطوك بالحب و الاحترام، لدرجة أنك ترى نفسك جزءًا منهم، كانت الرحلة ممتعة ، و حان وقت العودة، تفقدت حقيبتها فإذا المالُ لم يكن كافيا للعودة، ما العمل؟ يا الهي أنا في مأزق.. هكذا ظلت تردد و هي تناجي ربها، و تتوسل إليه بأن يجعل لها مخرجا، لا أحد تعرفه في المدينة، و الكبرياء يمنعها من أن تمد يدها، ظلت تفكر و تفكر و تفكر ، و أخيرا اهتدت إلى فكرة، كانت قد اعتادت أن تحمل في حقيبتها أجندة أو أقلاما من النوعية الجيدة و من الطراز العالي الغالية الثمن ، بعضها مُذَهَّبٌ، تليق أن تكون هدية في عيد ميلاد صديق عزيز مثلا ، و أقلام أخرى تليق بكبار الشخصيات، أخرجت الأقلام و أمسكت بهم في يدها من أجل بيعها مقابل أن تحصل على نقود تفي بالغرض و العودة إلى مدينتها، و قد اختارت حاملي الحقائب الدبلوماسية

( يا لها من ذكية) و كما يُقَالُ بالعامية الجزائرية " ماتحطش رجلها في الأرض" ، باعت تلك الأقلام ، و أخيرا تنفّست الصّعداء، هي الآن على متن الحافلة ، لكن سؤال واحد كان يزعجها، لتعرف ما سرُّ حبها للأقلام، فقد كانت كلما تدخل إلى مكتبة عمومية إلا و اشترت مجموعة من الأقلام المذهبة ذات الجودة الرفيعة مهما كان غلاء سعرها، كلما يعجبها قلم تشتريه، و قد انتبه إليها صاحب المكتبة ذات يوم و سألها، اراك تهتمين كثيرا بالكتب و الأقلام، فما سبب ذلك؟، نظرت إليه في هدوء و اكتفت بالرد: لست أدري..، ربما هي حالة نفسية، و تحتاج إلى طبيب مختص، و لأن المسافة طويلة أغمضت عينيها وراحت تغرق في النوم لعلها تنال قليلا من الراحة.
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى